انتقدت بسيمة الحقاوي، وزيرة التضامن والأسرة والتنمية الاجتماعية، في ندوة نظمتها جريدة «المساء»،أول أمس السبت، تحت عنوان من أجل مقاربة اجتماعية حقوقية لمسألة اغتصاب وتزويج القاصرات، بشدة ما اعتبرته «وجود المغتصب في الشارع، والمغتصبة في القبر»، في إشارة إلى قضية الطفلة أمينة الفيلالي التي تعرضت للاغتصاب والتزويج لمغتصبها. من جهتها، شددت نجية أديبة، رئيسة جمعية «ما تقيش ولدي»، على أن «قضية أمينة فيلالي ليست جديدة، وأضافت أن القاضي الذي قبل بتزويج طفلة ذات 15 سنة يحتاج إلى علاج نفسي، واعتبرت خديجة الرياضي، رئيسة الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، أن «قضية أمينة هي قضية فتيات ونساء عديدات يعانين من قوانين متخلفة. قالت بسيمة الحقاوي، وزيرة التضامن والأسرة والتنمية الاجتماعية، إن «مسألة الاغتصاب مؤلمة جدا، وطالبت سابقا بتشديد العقوبة على المغتصب نظرا إلى الآثار الاجتماعية والنفسية التي تعاني منها المرأة، وأضافت «وبالتالي لن أنتظر حتى تقع الواقعة، ونحن لسنا مسؤولين عن التدابير التي لم تتخذ سابقا، فهذا هو الشهر الثالث في عملنا الحكومي ولا يمكن أن نوصف بالرجعية في التدبير السياسي». واستغربت وزيرة التضامن والأسرة والتنمية الاجتماعية «عدم الاهتمام بقضية الخيانة الزوجية، فعندما يضبط الرجل في حالة خيانة زوجية وتقوم الزوجة بالتنازل فإنه يتم إطلاق سراح الزوج، بينما يشدد الرجل على ضرورة إيداع المرأة السجن إذا ضبطت في حالة خيانة». وأوضحت وزيرة الأسرة والتضامن، في ندوة نظمتها جريدة «المساء»، أول أمس السبت، أن «هناك مسألتين تفرمل إمكانية الحديث بإسهاب عن هذه الواقعة المتعلقة باغتصاب أمينة فيلالي، فالبحث لازال مستمرا وبالتالي لا أدري هل من اللائق كمسؤولة حكومية أن أتحدث عن موضوع يؤرق، وفيه إشكاليات مركبة تجمع بين المشاكل الأسرية والحقوقية والقانونية، وأن تذهب فوق كل هذا ضحية هذا الأمر فتاة قاصر، والمانع الثاني متعلق بالتضارب في الأقوال، حيث قرأت أن الفتاة لم تنتحر ولكن دبر أمرها، وبالتالي فأنا لا أتوفر على المعلومات، وربما القضاء أو النيابة العامة هم الذين يتوفرون على هاته المعطيات». وشددت بسيمة الحقاوي على «أننا أمام إشكال حقوقي واجتماعي خطير جدا، لأننا لم ننجح منذ سنين، فقد توالت الحكومات ولم تستطع أن تقدم انطلاقا من المقاربة القانونية والاجتماعية حلا، ولدي الجرأة أن أقول إن الحكومات السابقة لم تستطع أن تقدم حلا لأن الحل ليس سهلا، واليوم المبادرة التشريعية ليست فقط في يد البرلمان ولكن أيضا في يد المجتمع المدني الذي عليه أن يبادر ويقترح». وأكدت بسيمة الحقاوي أن «الحكومة اليوم مجبرة على أن تقدم استراتيجيتها للحلول الناجعة على مستوى التدخل القانوني، ليس فقط على مستوى المادة 475، ولكن في كل المواد التي تمس بكرامة وإنسانية المرأة، والمبادرة التشريعية عندما تأتي من الحكومة عن طريق مشروع قانون وتأتي من مقترح قانون من الفرق البرلمانية ومبادرة المجتمع المدني، فلا أحد يمكن أن يتصدى لها إن كان هناك إجماع». وشددت الوزيرة على أنه «لابد من مقاربة قانونية لأنها تفتح الباب لتصحيح مجموعة من الوضعيات، لكن وجدنا مشاكل على مستوى مدونة الأسرة في التنزيل، فالقضاة لم يطبقوا النصوص كما هي، ولم يكن هناك التطبيق الضروري لتنزيل المضامين الأساسية لمدونة الأسرة، ولا ننسى الواقع الاجتماعي الذي يسيطر عليه الجهل والفقر». ودعت الحقاوي إلى «اغتنام هذه الفرصة، رغم أنها مناسبة مؤلمة، لطرح الإشكالات بشكل حقيقي، ووضع مبادرات تشريعية بالطريقة التي سينص عليها القانون التنظيمي الذي ينظم علاقة المجتمع المدني ومبادراته التشريعية إزاء البرلمان، وعند ذلك سننجح معا وسويا لأننا نتقاطع في الكثير من المواقع، وبالضبط حول هذا الموضوع الذي نتماهى فيه». من جهتها، شددت نجية أديب، رئيسة جمعية «ما تقيش ولدي»، على أن «قضية أمينة فيلالي ليست جديدة، فقد كنا نصرخ منذ 2003 وكنا دائما نجد أمامنا أذنا من طين وأخرى من عجين، وقد طرقنا الأبواب ولا أحد يسمعنا». واعتبرت أديب أن «قمة الفظاعة والأنانية هي أن نرمي طفلة ذات 15 ربيعا بين مخالب ذئب بشري ينهش جسدها بقوة القانون الذي أعطاه الطفلة في طبق من ذهب، والقاضي الذي قبل تزويج طفلة ذات 15 سنة يحتاج إلى علاج نفسي، حيث إنها ليست مؤهلة لتكون زوجة وتصبح أما لتربية الأجيال». وشنت رئيسة جمعية «ماتقيش ولدي» هجوما شديد اللهجة على تصريح وزير العدل واصفة إياه ب»الضحك على الذقون»، معتبرة أن «عنصر الرضى منعدم لأنها طفلة قاصر ومرفوع عنها القلم ولا يعتد بشهادتها». في السياق ذاته، اعتبرت خديجة الرياضي، رئيسة الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، أن «قضية أمينة هي قضية فتيات ونساء عديدات يرضخن تحت قوانين متخلفة وتقاليد عتيقة وعلاقات اجتماعية قديمة جدا يجب تغييرها، ويجب ألا نعتمد على التقاليد لنبرر قوانين متخلفة». وأكدت الرياضي أنه «بفضل المجتمع المدني الذي تحرك بشكل منظم وبفضل التفاف مجموعة من الهيئات الحقوقية والشبابية، سواء في البرلمان أو في الصحافة، سنتمكن من خلق قوة ضاغطة لتغيير الأسباب التي أدت إلى هذه المأساة الحقيقية». وأوضحت الرياضي أن «أمينة ضحية مجموعة من الأسباب المباشرة وغير المباشرة المتمثلة في الاغتصاب وتزويج فتاة قاصر وحرمانها من الدراسة والوضع الاجتماعي للعائلة والأفكار السائدة لديها كجزء من هذا المجتمع، وهذا ما يطرح السؤال عن الجهود المبذولة لتغيير الأفكار التي تؤدي إلى مثل هذه الماسي، ولكن ما هو بارز الآن هو مشكل القوانين المتخلفة». بدوره، أكد محمد حماني، رئيس جماعة خميس الساحل ونائب برلماني عن منطقة العرائش، أن «هذه القضية أصبحت لها أبعاد أخلاقية واجتماعية ليس فقط على مستوى دوار قريمدة بجماعة الساحل ولكن أيضا على المستوى الوطني». وشدد حماني على أن «ثقافة السكوت على مجموعة من الأشياء التي تقع بمجتمعنا لها أثر سلبي على أبنائنا، وقد تقدمنا بطلب القيام بمهمة استطلاعية للمنطقة بالنظر إلى الأبعاد الإنسانية والاجتماعية التي خلفتها الواقعة». وبخصوص المقاربة الدينية لقضية اغتصاب وتزويج القاصرات، اعتبر مصطفى بوهندي، أستاذ علم مقارنة الأديان، أن «النص الديني يحتاج إلى قراءات جديدة لأن القراءات التقليدية كثيرا ما شرعنت أمورا ثقافية، ولكنها أصبحت هي الأمور الدينية باسم الله ورسوله». وأكد بوهندي أن «المجتمع المغربي يعيش مشاكل يخفيها، ونحن نحتاج إلى قراءات دينية جديدة تستطيع أن تزلزل بقايا الثقافة القاتلة للإنسان، وبالتالي لابد من السماح بقراءات جديدة للنص القرآني وفتح الباب أمام المثقفين، وليس هناك وكيل على النص». ودعا أستاذ علم مقارنة الأديان إلى «فتح النقاش أكثر لأن شبابنا يعانون من أمور كثيرة نسكت عنها، وحتى عندما يتحدث رجل الدين أو الأستاذ الجامعي، فإنه يتحدث من موقعه ولا يشعر بمشكلة الطفل أو الطفلة». وأكد مصطفى بوهندي أن «كل نص ديني هو دعوة للإنسان إلى النظر إلى نفسه وإلى ما حوله، فالإنسان الذي ليس له سمع وأبصار وأفئدة تشتغل فلا معنى لدينه، والنص الديني أصبح «لغة» وتحولت الآية من دليل عقلي وأمارة تدفع الناس إلى التفكير والبحث إلى نص يحتاج إلى مفسر وفقيه ورجل عالم ليكون وسيط الناس إلى النص، ونحن نريد إسقاط ثقافة الوسطاء لأنها جعلتنا نناقش مشاكل لا تعنينا». وأوضح بوهندي أن «المشاكل التي نناقشها في الدين هي مشاكل تاريخية وتنتمي إلى ثقافات أخرى، أما مشاكلنا اليوم التي يعيشها أطفالنا في العلاقات الاجتماعية والثقافة الجنسية، فهناك مقترحات في الدين تقدمية جدا يمكن أن تسقط التقليد المكرس للتخلف، وإذا لم نفكر ونتدبر في القرآن، فلا يعني أن نقلنا لأفكار الآخرين، سواء كانوا آباءنا أو أجدادنا أو العلم الذي ورثناه، أننا نفكر». الندوة التي نظمتها جريدة «المساء» عرفت حضور والدي الطفلة أمينة فيلالي، فيما تغيب مغتصب وزوج الضحية رغم تأكيده العزم على الحضور. وأكد لحسن الفيلالي، والد الطفلة أمينة، أنه «بعد أن علمت بحادث الاغتصاب ذهبت رفقة زوجتي وابنتي إلى الوكيل العام للملك لوضع شكاية في الموضوع، وطلب منا أن نغادر إلى حين استكمال الإجراءات واستدعائنا من جديد». ويحكي والد الضحية أنه وبعد مرور خمسة أيام أخبرته الزوجة بأن الطفلة أعيد اختطافها واحتجازها بالغابة، وبعد أن حضر درك مدينة العرائش للاستماع إليه أخبرهم أن الطفلة لازالت محتجزة. ويضيف والد الضحية: «ذهبت زوجتي للبحث عن ابنتنا فوجدتها مع ذلك الشخص في الغابة وتوجهوا إلى الدرك الملكي، لكن الرجل الذي قام باغتصابها كان يضغط على ابنتي حتى لا تعترف بما حدث وكان قد هددها بالتراجع عن قراره الخاص بالزواج». وأوضح والد الضحية أنه «بعد تقديم هذا الشخص لوكيل العام للملك وأقر أمامه أنه يريد الزواج من ابنتي، سأل الوكيل العام للملك ابنتي التي لا يتجاوز عمرها 15 سنة لمعرفة مدى اقتناعها بالفكرة فردت بالإيجاب، فوجههم عند قاضي الأسرة». لم يتوان والد الضحية عن التأكيد أنه كان ضد فكرة تزويج ابنته من شخص اختطفها تحت تهديد السلاح الأبيض، لكنه يبرر موافقته بكونه وجد نفسه مغلوبا على أمره أمام إلحاح الزوجة وموافقة القاضي لتزويجها، حسب تصريحه. وتؤكد الشهادة التي أدلى بها والد الطفلة أمينة أن المغتصب الذي أصبح «زوجا» كان يقوم بتعنيفها دون أن يعلم الأب بذلك، وقد قامت بالتوجه للدرك الملكي لوضع شكاية حول الاعتداءات التي تتعرض لها لكنهم طلبوا منها الإدلاء بشهادة طبية. وفي صباح يوم سبت، زارت الطفلة بيت أسرتها حيث التقت بوالدها وقالت إنها جاءت فقط لتأخذ بعض الأغراض، ليعلم الأب فيما بعد أن الطفلة تناولت مادة سامة حسب ما نقله الطبيب الذي أشرف على حالة أمينة فيلالي. وقد رفع عدد من الحاضرين في ندوة «المساء» شعارات تصف الحكومة ب«الرجعية ضد المرأة والحرية»، مطالبين في نفس السياق بضرورة تعديل القانون ومعالجة الأسباب الحقيقية التي تسببت في هذه الواقعة.