اعتبر عبد اللطيف حرتوت، أستاذ باحث في علوم التربية، أن المعيار الوحيد الذي يمكن استنتاجه من خلال النظر في حالات النواب هو أنه يتم تكليف النواب على تعاقد يتم بموجبه تعيينهم في منصب المسؤولية، الأمر الذي يجعل غالببية المشاريع المقدمة من طرف النواب أثناء ترشحهم مشاريعَ صورية ليست هي المحدد الرئيسي لعملية تكليفهم - سبق لك أن خضت تجربة تسيير النيابة الإقليمية للوزارة في مدينة العيون، وهذا يجعلنا ننفتح معك على قضايا كثيرة تتعلق بهذه المهمة، ومنها إلى الحديث عن علاقة الإداري بالمربي عامة، ونريد أن تحدثنا، أولا، عن معايير النائب «الناجح» عند الوزارة الوصية؟ وما هي مؤاخذاتك على هذه المعايير؟ لا نستطيع الحديث عن وجود معايير واضحة، ولم أسمع قط عن أي معايير واضحة ومتعارَف عليها، لكن المعيار الوحيد الذي يمكن استنتاجه من خلال النظر في حالات النواب هو أنه يتم تكليف النواب على تعاقد يتم بموجبه تعيينه في منصب المسؤولية، الأمر الذي يجعل غالببية المشاريع المقدمة من طرف النواب أثناء ترشحهم مشاريعَ صورية ليست هي المحدد الرئيسي لعملية تكليفهم، أما على مستوى تقويم الأداء فهو مشكلة أيضا، فلم أسمع قط بأي تقويم موضوعي بل نسمع عن بعض التفتيشات الصورية والنادرة، والتي غالبا ما تكون بدون تبعات، فهناك ملفات أُقبرت في حين أعفي البعض لأتفه الأسباب، ولذلك يمكن أن يستغرب البعض بعض قرارات التعيين أو الإعفاء لأنه يُشتَمّ منها الكيل بمكيالين، والتي يتحمل مسؤوليتها، أولا وأخيرا، المسؤول السياسي عن القطاع وليس الإدارة، التي غالبا ما يتم تجاهل رأيها. -إلى جانب القوانين المنظمة لعمل النائب الإقليمي ومدير الأكاديمية، هناك أعراف «ثقيلة» تمنع انخراط هذين الإطارين في علاقة تفاعل وتواصل حقيقية مع باقي الموظفين، ألا يجعلنا هذا نستنتج أن الذهنيات هي العائق الأكبر لأي إصلاح؟ لا شك في ذلك، فعندما نقول ذهنيات نقول ثقافة، ولا أشك أن هذه الثقافة تسمح بأن يكون التصلب والتعالي سمة للمسؤول الإداري، ولا يسعنا هنا إلا أن نؤكد، بما يكفي، أن الإجراءات على صعيد الإدارة المركزية يجب أن ترتكز على الالتزام بالتصدي للإفلات من العقاب على الصعيد الوطني في حق كل من تورط في الفساد أو في تبذير المال العام، ومن واجب الدولة، على سبيل الأولوية الأكثر إلحاحا، أن تكفل أن تجري الإصلاحات المناسبة لتشريعاتها الوطنية من أجل حماية المال العام وأن تجعل قوانينها تتماشى مع واجباتها الدولية في هذا المجال. لذلك هناك ذهنيات من هذا الطرف أو ذاك تشكل عائقا أمام تواصل حقيقي لخدمة الإدارة، إلا أن الأغلبية الساحقة من الموظفين -عموما- تؤدي دورها على أكمل وجه، ويبقى أكبر مشكل أمام أي إصلاح ليس القطاع وحده ولا أناسه لوحدهم، بل إن المشكل أكبر من ذلك، ويكمن في الجو العام، المتسم بثقافة التواكل والريبة من أي جديد، وبالتالي عدم الانخراط الجدي (وهو الشرط الأساس) في كل مساعي الإصلاح، ناهيك عن بعض أخطاء المسؤولين السياسيين عن القطاع، سواء بخطابهم السلبي عن شغيلته أو بكلامهم عن الحكامة الجيّدة والإتيان بنقيضها على أرض الواقع، لذلك قلت إن المسألة مرتبطة بثقافة. - غالبا ما تتراوح علاقة المسؤول الإقليمي أو الجهوي للوزارة مع الفاعلين الاجتماعيين، بين حدين متطرفين، إما المواجهة المعلنة المستندة إلى تأويلات محددة للقوانين، وإما الإرضاء و»جبر الخواطر» على حساب القوانين أيضا، ما هو التصور الذي تعتقد أنه نموذجي، والذي من شأنه أن ينقل العلاقة بين الطرفين لمستوى الشراكة الحيوية؟ هناك أيضا مشكل ثقافة سائدة تعتبر كل طرف عدوا للآخر، رغم التقدم الكبير الذي تحقق في مجال الشراكة مع الفعاليات النقابية والجمعوية، لاسيما من جانب الإدارة، وفي تجربتي البسيطة، استطعنا أن نقطع مراحل كبيرة في مجال الشراكة مع الشركاء النقابيين والجمعويين، وهذا ما سهّل مأموريتي في كثير من المحطات، بل أعطاني فرصة لتعلم أشياء كثيرة، وأحييهم بهذه المناسبة على تعاونهم وتفهمهم.. وفي جميع الأحوال، لا مفر من إعمال مبدأ الشفافية والمساواة والحوار اليومي المباشر في إطار ميثاق شرف يستحضر مصلحة الوطن الكبرى، فبالحوار كل الصعاب تذلل. - تجعل التباينات الجهوية والإقليمية بين النيابات والأكاديميات، من حيث الإمكانات التنموية للساكنة وكذا الإمكانات البشرية للإدارة عملية تقويم أداء المسؤول مسألة صعبة، كيف يمكن للجهوية، وفق المنظور المتقدم، والتي يتم التفكير فيها الآن في المغرب أن تؤثر إيجابا على هذا الوضع؟ فعلا، هناك تفاوت كبير بين الأقاليم والجهات، سواء في ما يتعلق بالمتطلبات أو بالموارد المادية والبشرية، ولذلك المفروض في الجهوية أن تهتم بالمحلي والجهوي حسب الخصوصيات الثقافية والحاجات الخاصة وترتيب أولوياتها الحقيقية بارتباط وثيق بواقع الحال. ولعل أول شرط لنجاح التجربة الجهوية حسن اختيار المسؤول ومعرفة استعماله ومواكبة عمله في إطار تعاقد (مشروع) محدد في الزمن يوفر كافة الوسائل البشرية والمادية لنجاح مشروع القطاع ضمن مشروع جهوي معقلن وبإعمال ثقافة الجزاء (مكافئة وعقاب). - ما تزال الإدارة الإقليمية والجهوية في قطاع التعليم مرتعا للفساد بكل أنواعه، وهذا أمر يَسْهل رصده في طريقة تدبير الصفقات العمومية مثلا، ما هي الآليات التي تقترحونها لتخليق هذه الإدارة؟ ليست الصورة بهذه القتامة، مقارنة مع جهات أخرى وليست بهذه العمومية، فمن باب الموضوعية، أشير إلى أنني عايشت أناسا في القطاع من أنظف موظفي بلدنا السعيد، فالقطاع غني بأطر معروفين بالاستقامة والنزاهة. إلا أنه، وكما يقال «المال السايب يعلم السرقة».. يكمن المشكل في عدم إعمال القانون وفي الإفلات من العقاب: ماذا ننتظر من مسؤول «عمّر» في موقعه أكثر من 7 سنوات؟.. سيتعامل حتما وكأنه في ملكيته.. ماذا ننتظر من مسؤول لم يخضع ولو لافتحاص، لاسيما إذا سمع أن فلانا خضع للتفتيش وثبت تورطه (سوء تدبير واختلاس) ولم يعاقب؟.. مرة أخرى، ليس المشكل في الإدارة، بل في المسؤول السياسي، الذي يقرر الإعفاء أو غضّ الطرف أو عرض الملف على القضاء وما إلى ذلك.. وفي بعض الأحيان، نتفهم بعض مثل هذه المواقف -لا ندافع عنها- لأنها كذلك نتيجة الجو العامّ السائد في البلاد، والذي يبرر الإفلات من العقاب. نتمنى، جميعا، أن نتجاوز كل ذلك، ولو ببطء، لما فيه مصلحة بلادنا، لأنها تستحق كل خير.