بأسى عميق، تلقّى بيت الشعر في المغرب رحيل الكاتب الفرنسي هنري ميشونيك، الذي تكرّس في المشهد الثقافي العالمي لا بوصفه شاعرا وحسب، وإنما بوصفِه أيضا أحدَ أعمدة نظرية الشعر الأساسيين، وواحدا من المفكرين المنشغلين بقضايا اللغة، والفلسفة، والمقدّس، وتأويل الديني، وترجمته. وهو ما جعل منه كاتبا متعدد الاهتمامات. إلى جانب الدواوين الشعرية التي خلفّها هنري ميشونيك، ثمة مؤلَّفات نظرية توجَّه فيها إلى قضايا الشعر والترجمة.فقد تكرّس هذا الكاتب في الثقافة العربية بوصفه شاعريّا، أرسى تصورا نقديا للشعرية وفتحها على إمكانات تأويلية خصيبة. ذلك ما شرع في التأسيس له منذ بداية السبعينيات من القرن الماضي، أي منذ ظهور كتابه التأسيسي Pour la poétique (1970) ، الذي واصل قضاياه بإصدار جزأين متمّمين عام 1973. سيترسّخ التصور النقدي الذي راهن عليه ميشونيك للشعر في مؤلَّفه Critique du rythme (1982) ، الذي عضّده وبلور قضاياه في كتابه Politique du rythme politique du sujet (1995). في نقد الإيقاع، واصل هنري ميشونيك تفكيك الأسس الإبستيمولوجية للشعريتين البنيوية والسيميائية، وأرسى تصورا نقديا لمفهوم الإيقاع انطلاقا من مسعى عامّ، تجسّد في إرساء نظرية للخطاب بما هي نظرية للذات. نظرية تتجاوز ممكن الشعريتين السابقتين. إنه المسعى ذاته الذي تحكّم في نقده لتصور هيدغر للغة. فتح هنري ميشونيك في تنظيره للشعر، مسالكَ جديدة في المُقاربة والتحليل وهيأ للمنشغلين بأسئلة الشعر مواقع خصيبة، عوّلت على صرح معرفي مكين. وقد كانت هجرةُ هذا التنظير إلى الشعرية العربية المعاصرة، والمغربية منها على وجه الخصوص في منتصف الثمانينيات من القرن الماضي، حدثا علميا، ابتهجَ به الدرسُ الشعري المعاصر وتشعبّت سبل بحثه عمّا يُضيء الشعرَ ويعدّد مواقعَ مقاربته، استحقاقا لمجهوله. "إلى المجهول" ، بهذه العبارة الممهُورة بالأسرار والغموض وما لاينتهي، صدّر هنري ميشونيك كتابه نقد الإيقاع. لم يجد إهداء أقرب إلى مغامرة التنظير غير المجهول. بموت هذا الشاعريّ، يأخذ المجهول وجهة أخرى، لها صمت الأبدية. لكن المجهول، الذي إليه أهدى ميشونيك الكتاب، يغدو في يتم حقيقي. ذلك أن التنظير للشعر مُهمّة لاتعثُر دوما على من يتحمَّل مسؤوليتَها بالعُمق الذي أرساه هنري ميشونيك.