احتضنت كلية علوم التربية بالرباط مؤخرا لقاء ثقافيا على هامش صدور الترجمة العربية لكتاب: «البحث التدخلي: علوم، تنمية، ديمقراطية» للاسناذ خالد الأندلسي، بمشاركة الأساتذة : مصطفى حدية، محمد ملوك، أحمد اوزي ومترجم الكتاب مصطفى حسني . استهل اللقاء لأستاذ أحمد اوزي الذي أبرز أهمية الكتاب باعتباره مؤلفا علميا ، أكاديميا وإنتاجا جديدا في اللغة العربية، يتناول منهجا من المناهج التي تتطابق مع حاجيات المجتمع. مع الإشارة إلى أن الكتاب قد ترجم إلى عدة لغات. علاوة على انه يهم المسؤولين، رؤساء المشاريع، العاملين الاجتماعيين، الباحثين، الطلبة، الجمعيات وكافة المعنيين بتدبير الموارد البشرية وبناء الشراكات. وفي قراءته، اعتبر الدكتور محمد ملوك أنّ كتاب « البحث التدخلي» عمل هام، حيث يبدو من خلال القراءة المتأنية لمضامينه أن المؤلف يحمل مقاربة خاصة، يدافع عنها، ويبرهن على أهميتها في مجالات البحث المختلفة وبالأخص في المجال التربوي . فالقارئ للكتاب يشعر في نهاية فعل القراءة انه كان يسير في منعرجات ومسالك معقدة ولكن مع شعور وإحساس بالسهولة والارتياح في الانتقال من موضوع إلى آخر، مما يعطي الانطباع بان المؤلف يحمل عن قناعة وصدق فكرة الدفاع والتمكين للبحث التدخلي بشكل عام من الناحية النظرية والتطبيقية . استهل الكاتب بناء مؤلفه من التحسيس بأهمية العلم والبحث العلمي في التنمية وتقدم المجتمعات مع التأكيد على أن بالعلم وبواسطة مشتقاته يحصل اليوم الفارق بين المجتمعات والدول، لينطلق إلى فكرة ابستيمولوجية هامة تتمثل في نوعية وخصوصية مفهوم العلمية والعلم السائد والمتعلقة بالقيمة الكونية للعلم وبالأخص ما يتعلق منها بعلوم الحياة والطبيعة ، فعندما يعمل الباحث على تطوير نظرية في الفيزياء، علم النبات أو أيضا في علم الجينات، فانه يعتبرها صالحة أيا كان الزمان والمكان الذي سيتم فيه تمحيصها . فالمنهجية المعتمدة في مثل هذه المجالات لا يمكن تعميمها على دراسة الإنسان. فهذا الأخير لا يمكن أن يكون مجرد موضوع للمعرفة كما هو الشأن بالنسبة للفيزياء أو علوم الحياة، ذلك أن الإنسان، حسب المؤلف ( ص14)، هو فاعل أكثر تعقيدا من أن يختزل في حالة موضوع. إن مجموعة من الباحثين يؤكدون على أن الإنسان لا يمكن ملاحظته دون أن يتأثر، كما لا يمكن عزله عن سياقه دون فقد المعنى. إن الحقيقة الإنسانية هي حقيقة نسبية لا يمكن الوصول إليها عبر قناة واحدة، وإنما عبر قراءات متعددة قادرة على أن تأخذ في الاعتبار تعقدها وتعقيداتها. ويوجد اليوم، حسب المؤلف، العديد من الباحثين الذين دحضوا فكرة وجود وحدة نظرية ما قادرة على تفسير الطبيعة والمجتمع، إذ يعتقدون أن المناهج تختلف تبعا لاختلاف موضوع الدراسة والخصائص المميزة له. أن هذا الرأي يدحض فكرة أن تطبيق المبادئ المؤسسة للعلم الموضوعي بوسعها أن تمنح صفة العلمية للبحث إذ يكفي تطبيق المناهج التي برهنت على نجاعنها في العلوم الطبيعية لأجل معرفة الإنسان . بالنسبة لهذا الرأي ، فان الواقع يمكن مقاربته بطريقة موضوعية في استقلالية عن الباحث . إن الإنسان يتميز بخصائص معينة تفصله عن خصائص الموضوع الطبيعي، منها انه كائن حي، له كيان يتطور، يملك تاريخا، ذاكرة ولا يمكن أن يكون موضوعا لنفس التجربة بطريقة متماثلة. إن الإنسان كائن حي عبارة عن نسق مفتوح على محيطه ، من الصعب ملاحظته ، فالملاحظة تؤثر على سلوكه، بالإضافة إلى أن الكائن الحي يطرح المسالة الأخلاقية في العمل التجريبي.. إن المؤلف يؤكد ( ص18) أننا بمقاربنتنا الإنسان بالموضوع الفيزيائي نقر بان أيا من الخصائص التي تميز منهجية العلوم الفيزيائية لا يمكن تطبيقها على دراسة الإنسان ، فهذا الأخير لا يمكن أن يوصف بالثبات في الزمن ولا بالتكرارية ولا بالاستقلالية ولا بالإضافية بمعناها الفيزيائي ،. وفي الواقع فان الإنسان كائن فريد من نوعه لا يمكن أن يشبه أحدا آخر.. لقد أدى استخدام منهجية العلوم الفيزيائية في مجال العلوم الإنسانية إلى ظهور مجموعة من المفاهيم مثل المعدلات ، الفئات .. وهكذا فإننا نتحدث عن حاصل ذكائي ، فئات المواقف والسلوكات .. ولقد كان من نتائج هذه المنهجية حجب واخفاء ما يميز الإنسان في فردانيته كالاستقلالية ، الوعي ، الخ . إن تطبيق منهجية الموضوع الفيزيائي أو منهجية علوم الحياة على الإنسان معناه اختزال هذا الأخير إلى موضوع دون اعتباره كيانا فاعلا. إن المؤلف بتحليله لمفهوم العلم بعمق مهد الانكباب على تحديد الإطار العلمي الذي اخذ به ، فبمساءلته لمجالات العلم ، كان يهدف إلى موضعة المجال العلمي لمنظور البحث التدخلي ، الموضوع الذي يشغل اهتمامه في هذا الكتاب . وفي هذا السياق ، يؤكد المؤلف انه ومنذ خمسين سنة سعى الباحثون غير المقتنعين بمنظورات ومناهج الأبحاث المسماة بالأبحاث الكلاسيكية إلى استكشاف إمكانيات أخرى . إن البحث التدخلي انبثق عن هذه الضرورة ، فهو يظهر كمنهجية تستجيب لانتظارات الباحثين والممارسين في مجال العلوم الإنسانية كما هو الأمر بالنسبة للتربية . إن البحث التدخلي يتعارض إذن في غالبية الأحيان مع مناهج المقاربة الوضعية. بعبارة واضحة يقول المؤلف (ص41) : « إن البحث التدخلي من جانبه ، انبثق عن نقاط الضعف التي نسبت للمناهج التجريبية التي لم تكن مقتنعة في مجال التطبيق، وبصفة خاصة حول مسالة العلاقة بين النظرية والتطبيق» . إن نقاط الضعف هذه هي التي أتاحت للبحث التدخلي أن يعرف تطورا كبيرا في السنوات الأخيرة . والحقيقة أن مفهوم البحث التدخلي ظهر منذ خمسين سنة مع أعمال لوين، ومنذ ذلك الحين، ظل هذا المفهوم حاضرا في معناه الواسع ضمن الأدبيات ولاسيما أدبيات العلوم الإنسانية بمعناها الواسع . وقد حاول المؤلف دراسة ثلاثة اتجاهات هامة ساعدته في رصد مفهوم البحث التدخلي تتمثل في أعمال لوين والبحث التدخلي النضالي والاتجاه الحالي لمنظور البحث التدخلي . ويؤكد المؤلف أن المهم في هذا هو أن البحث التدخلي هو ذلك البحث الذي يتضمن جميع أشكال البحث هاته ضمن علاقة بين النظرية والتطبيق وفقا لاستراتيجية تربط الباحث والفاعلين ضمن جهاز يوضع بشكل مشترك لأجل تحقيق مشروعهم . إن الطابع الاستراتيجي للبحث التدخلي يسمح بتوليد وإنتاج المعارف وتطوير الفعل . إن العلاقات بين الباحث والفاعلين تتحول إلى موضوع للتبادل والتفاوض، التعاون والتحالف، الخ.. إن انخراط البعض والبعض الآخر ، تقاسم السلطة واتخاذ القرارات يحددان طبيعة عملية البحث التدخلي. يتم هذا انطلاقا من الاعتماد على آلية خاصة يسميها المؤلف : جهاز البحث التدخلي ويعني به « ذلك الجهاز الذي يقدم الوسائل إلى الأفراد الذين يساهمون في عملية تطوير الاستراتيجيات الخاصة برؤاهم وأهدافهم وتطلعاتهم» .. إن الجهاز هو الدعامة العملية القائمة، ويشتمل بصفة عامة على العديد من المراحل. وبناء على ما سبق يجزم المؤلف أن البحث التدخلي هو نظام منفتح وديمقراطي بمعنى أن اختيار الموضوع ، المناهج والفرضيات التي يقوم الباحث بصياغتها عند الانطلاق لا يمكنها أن تمثل سوى مشروع أولي، والذي بمجرد انتقاله إلى إطار التفاوض مع الفاعلين، يمكن أن يأخذ توجها مختلفا. هذا الأخير ودون أن يكون تصوره ضمن عالم مغلق، يخضع للقياس ومحدد من البداية حتى النهاية . انه يندرج ضمن إشكالية اقناعية ملموسة والتي تسعى إلى تطويرها . إن دور الباحث - حسب المؤلف- يتمثل في ضمان انفتاح البحث التدخلي مع احترام القيم الأخلاقية وكذلك حقيقة السياق والإيقاعات الخاصة بكل واحد من الشركاء ، بهدف السماح بمشاركة الكل وتحرر كل واحد منهم . إن التوجه الذي سيسلكه البحث التدخلي سيحدد طبيعة هذا الانفتاح وعلى غرار مختلف القيم الديمقراطية ، فان البحث التدخلي يمكن أن يكون ببساطة تمثيليا تعاونيا أو قائما على المشاركة المنخرطة . هذا عكس ما نراه في البحوث الكلاسيكية التي لا تترك سوى فضاء محدود للمشاركين، فالخبراء وأصحاب القرار يهيمنون على مجال التفكير ولا ينتظرون سوى دور المنقذ من طرف الممارسين. إنهم يقيمون علاقات أفقية اقل إشراكا واقل مسؤولية . وفي هذا السياق كذلك يؤكد المؤلف انطلاقا من تجربته في المغرب قائلا : « ضمن سيرورة البحث التدخلي الذي بادرنا إليه من اجل تطوير التربية ما قبل المدرسية في المغرب ، تمكنا من ملاحظة كيف يتم الانتقال من نظام كلاسيكي للتكوين إلى نظام يشرك الفاعلين ضمن سيرورة تكوينهم . إن المربين لا يمكن أن يكونوا راضين عن خطاب نظري لا يستجيب لاحتياجاتهم والذي يضعهم ضمن وضعية الانكماش والشعور بالذنب في علاقتهم بعملهم التربوي.» عندما ينخرط المربون في البحث التدخلي ، فإنهم كذلك يتعلمون طرح الأسئلة المتعلقة بأفعالهم ، وعلاقاتهم التربوية ، وتطوير مواقف ملائمة لنمو الطفل . تتمثل الغاية الرئيسية للبحث التدخلي في المشاركة في حل المشاكل ، فالأدبيات كثيرة في هذا المنحى ، وبذلك فغايات البحث التدخلي إنتاج المعرفة وتطوير الفعل. وخلاصة القول إن المؤلف بين عبر ثنايا كتابه أن الأبحاث التدخلية وبصفة خاصة من النوع الكلي والاستراتيجي تتعلق بمنظور أكثر ملائمة من اجل المساهمة في تطوير التربية وفي التطور الاجتماعي . لقد بين أن البحث التدخلي يسمح بالانخراط التدريجي للأشخاص المعنيين في سيرورة مبنية على أساس الشراكة والمشاركة الفعالة بجميع الشركاء . إن التساؤلات والتحليل النقدي لمختلف الشركاء ينتج عنهما البحث ويؤديان إلى توسيع المعرفة . يقول لمؤلف :› بقد بدا لنا البحث التدخلي خلال ذلك باعتباره الأكثر ملائمة لهذه الوضعيات . فالبحث التدخلي هو عبارة عن منظور لا يتعارض مع المنظورات الكلاسيكية ، انه يسعى إلى تقديم أجوبة هنا حيث بلغت المناهج الكلاسيكية حدودها .» أما الأستاذ مصطفى حدية فقد أشار إلى أن الكتاب « البحث التدخلي للأستاذ خالد الأندلسي» يقوم على أساس مقاربة نسقية تنطلق من تحديد الأسس الابستيمولوجية والفلسفية للبحث العلمي وتطوره من الاهتمام بالمادة إلى الاهتمام بعلوم الحياة والإنسان وذلك من اجل إبراز أهمية علوم الإنسان . إن استيعاب أهمية موضوع الكتاب لا يمكن أن تتم ، في الواقع ، دون الوقوف عند القسم الأول منه باعتباره يشكل الأرضية النسقية للبحث التدخلي كما يبرز ضمنيا خصائص هذا النوع من البحث . ولتقريب القارئ من البحث التدخلي ، عمد المؤلف إلى التركيز على عمليتين اثنتين : من جهة، مقارنة البحث التدخلي بالبحث الكلاسيكي على مستوى المقاربة والمنهاج ، وتحليل نماذج وأمثلة ( الوضعية ، الفينومينولوجيا ، الباراكسولوجيا ) ومن جهة ثانية تخصيص ثلثي الكتاب للبحث التدخلي بعد تقديم مركز لمفهومه على مستوى التمثلات والأسس والتصنيفات . كما قام الكاتب بتحليل دقيق ومركز لخصائص البحث التدخلي وغاياته انطلاقا من التركيز على ثلاث نقاط أساسية : ا. مساهمة البحث التدخلي غي إنتاج المعرفة ، ب. مساهمة البحث التدخلي في إنتاج الأفعال، ج. تمركز البحث التدخلي ضمن منظومة البحث العلمي بصفة عامة . وفي الأخير ، قدم المؤلف برتوكولا للبحث التدخلي ينبني على خصوصيتين اثنتين : الاداتية والمنهج التقويمي وهما خصوصيتان تعتبران ركائز للقيام بهذا النوع من البحث التربوي .