بوفاة الفنانة الكبيرة «وردة» تتساقط أوراق شجرة الطرب العربي الأصيل تباعا، غادرتنا إذن قيمة فنية تعد في مصاف الكبار، فكان من الطبيعي أن يسيل رحيلها الكثير من الحبر سواء عبر المقالات أو الشهادات لمن التقوا بالفنانة الراحلة والتي لم تكن بعضها دقيقة. لابأس بالتذكير أن الراحلة وهي طفلة يافع كانت تتلمس طريقها في الغناء بناد في ملكية والدها بباريس، كان يعمل فيه الفنان المغربي الكبير محمد فوتيح حيث كان يؤدي وصلات لمحمد عبد الوهاب وفريد الأطرش، قبل أن يشق طريقه بالروائع المغربية «أوما لولو، نحبو بلاخبارو» والقائمة طويلة، فكان واحدا من أبرز مشجعي الطفلة على الغناء وهي المفرنسة التي تكتب الأغاني بالحروف اللاتينية لتحفظها، لأنها لم تكن تقرأ العربية. لقد استقدم فويتح العمل معه بنفس النادي عازف العود بالجوق الوطني عمرو الطنطاوي. لذلك كانت «وردة» عند أي قدوم لها للمغرب تتصل بهذين الفنانين تتقصى أخبارهما وتزورهما حين تقتضي الظروف ذلك، ولعل ذاكرة الأستاذ عمرو الطنطاوي تختزن الكثير عن الراحلة. غداة استقلال الجزائر دخلت «وردة»القفص الذهبي ولم يسمح لها الزوج وكيل وزارة الاقتصاد بالغناء وبذلك، وضع بينهما وبين الفن جدارا سميكا امتدت عشر سنوات بالتمام. وفي أجواء الاحتفال بالذكرى العاشرة لاستقلال الجزائر 1972 دعاها الرئيس «هواري بومدين» للغناء في هذه المناسبة الوطنية الكبيرة، ولم يكن يدري أنه يؤرخ لبعث مجد مطربة كبيرة اتحفت المستمع والمشاهد في العالم العربي من أقصاه إلى أقصاه. فكانت انطلاقة النضج بعد أول الغيث الذي تجسد في الأغنية الوطنية «عدنا إليك يا جزائرنا الحبيبة» وبذلك لم تعد فقط للجزائر فنيا بل للعالم العربي. ولعل هذا يذكرنا بالوساطة التي قام بها الرئيس جمال عبد الناصر بين الهرمين أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب، فأثمرت قطعة «أنت عمري» ومن بعدها «انت الحب» و«أمل حياتي» وغيرها.... فأحيانا قد تفيد السياسة الفن في الاتجاه الإيجابي بدون توظيف سياسوي، وكثيرا ما يجمع الفن ما تفرقه السياسة.... أثبتت «وردة» وجودها في وقت كانت فيه أصوات كبيرة مسيطرة على الساحة الفنية فبالإضافة إلى جيل «شادية» «صباح» و«نجاح سلام» وجدت الراحلة سطوت جيل «فايزة أحمد»، «نجاة الصغيرة» و«عفاف راضي».. واستطاعت بروائعها أن تجد لها مكانا بين هؤلاء سواء من خلال ارتباطها بعلاقة زواج بالعبقري «بليغ حمدي»، حيث كانت إيداعات «بودعك» «إيه ولا إيه» و«معندكش فكرة» أو من خلال موسيقار الأجيال من خلال أعمال «في يوم وليلة»، «لولا الملامة» وغيرهما أو من اشتراك الكبير رياض السنباطي في هذه المسيرة من خلال أغنية «مستحيل» إلى دور الرائع سيد مكاوي في «أوقاتي بتحلو» ذات القصة المعروفة.... بهذه الروائع منحت «وردة» قيمة مضافة للأغنية العربية وبخاصة الأصوات النسائية لذاك الزمن، بل يمكن القول إنها تفوقت شيئا عن مجايلاتها، وأصبحت الأكثر استماعا، وفي هذا السياق هناك من النقاد من يرى أن «بليغ حمدي» نجح أكثر في الحانة مع كوكب الشرق أم كلثوم «سيرة الحب، بعيد عنك» في حين نجح محمد عبد الوهاب مع «وردة» وبخاصة من خلال رائعة «في يوم وليلة» التي اقتبس لحنها من أغنية «La vie en Rose» للرائعة إديت بياف التي كانت تحبها وردة وتغني لها. ويبقى هذا النقاش مطروحا على النقد الفني وأهل الاختصاص لأنه ليس بالطرح السهل. وفي الختام لابد أن نشير أن الراحلة أحبت المغرب وفنانيه بل إنها أقامت به لمدة سنتين في نهاية الخمسينات بالدارالبيضاء ورافقت العديد من الفنانين آنذاك وعلى رأسهم الفنان الشعبي بوشعيب البيضاوي. وكانت ترتاح لما تحل في زيارة للمغرب، إذا أن هناك من العائلات المغربية التي كانت تستقبلها لتكرمها حبا فيها فقط. وداعا صاحبة «الوداع»