كُتبت النصوص التي جمعها الكاتب الكولومبي الكبير كابرييل كارثيا ماركيث قصد إلقائها علنا أو في جمع ما. يتعلق الأمر بخطابات ألقاها الكاتب الحاصل على جائزة نوبل للآداب في عدة مناسبات، و تطرق فيها إلى جوانب مختلفة تخص حياته الأدبية. كما تميط اللثام عن عشقه لمهنة الصحافة، و عن قلقه تجاه الكوارث البيئية، وعن مقترحه لتبسيط النحو في اللغة الإسبانية، و المشاكل التي تتخبط فيها كولومبيا، وذكرى أصدقائه الكتاب من أمثال خوليو كورتثار و ألبارو موتيس، من بين آخرين. قبل أن تخترع آلة التسجيل كانت مهنة الصحافة تعتمد على ثلاثة أجهزة ضرورية : دفتر مذكرات، وأخلاقيات تمتحن في كل لحظة و حين، و أذنين كان و لا يزال الصحفيون يستخدمونهما لسماع ما يقال لهم. وكانت آلات التسجيل الأولى تزن أكثر من الآلة الكاتبة، وكانت تسجل في وشيعة من أسلاك مغناطيسية تلف كخيوط الخياطة. ولم يمر وقت طويل حتى استخدمها الصحافيون لمساعدة الذاكرة، واستخدمها البعض بنية التفكير بدلهم. في الواقع، سيبدأ عما قريب الاستعمال الاحترافي والأخلاقي لآلة التسجيل. و قد يتوجب على أحدهم أن يقول للصحافيين أنه لا يمكن استبدال الذاكرة بآلة التسجيل، وإنما تطور دفتر المذكرات المتواضع الذي قدم خدمات جليلة للمهنة منذ انطلاقها. آلة التسجيل تسمع ولا تنصت، تسجل ولا تفكر، وفية ولا تملك قلبا، وأخيرا وليس آخرا ليست النسخة الحرفية أهلا للثقة كمن يعير سمعه للكلمات الحية للمُحاوَر، يقيِّمها بذكائه وأخلاقه. يمتاز المذياع بفنية الكلام و بالفورية، لكن كثيرا من الذين يجرون اللقاءات لا ينصتون للأجوبة لأن تفكيرهم مشغول بالسؤال الموالي. وبالنسبة للمحررين يعد نقل مايسجلونه كتابة من أصعب المحن: فتراهم يخلطون أصوات الكلمات، يتعثرون بدلالات الألفاظ، يغرقون في كتابة الكلمات، ويهلكون بالنوبة القلبية في التراكيب. ربما يبقى الحل الوحيد هو الاستنجاد بدفتر المذكرات ليكتبوا من جديد ما سمعوه في التسجيل. ويرجع السبب في تعظيم المقابلات إلى آلة التسجيل، و المذياع والتلفاز. وأصبحت الصحافة المكتوبة تتقاسمهم الفكرة الخاطئة التي تقول أن صوت الحقيقة ليس لا صوت الصحافي ولا صوت المُحاوَر. وكان اللقاء في الصحافة يعتبر بمثابة حوار يجريه صحافي مع شخص لديه ما يقول حول موضوع أو حدث ما. والربورتاج بمثابة إعادة تركيب بصفة دقيقة وحقيقية للحدث كما وقع، حتى يعرفه المتلقي كما لو كان في مكان وقوعه. إنها أجناس تتشابه و تتكامل فيما بينها، و ما من داعي لإقصاء بعضها البعض. ومع هذا، فسلطة الربورتاج الإعلامية والشمولية لا يفوقها شيء خلا الخلية الأولى والحاسمة للمهنة، والتي تعد الوحيدة القادرة على قول كل ما يُعرَفُ على خبر ما بسرعة فائقة: إنه الفلاش. ومن بين المشاكل الراهنة التي تعتور تدريس وممارسة مهنة الصحافة وضع كل جنس في مكانه الجديد وإعطائه القيمة الجديدة، من غير المزج بينها أو إقصائها. ويجب ألا ننس أن يكون البحث شعار الصحافة بكل أصنافها. وقد حققت الصحافة تطورا ملموسا في نصف القرن هذا، تجلى في إمكانية التعليق على الخبر وعلى الربورتاج أو إبداء الرأي فيهما، كما أصبح من الممكن إغناء الافتتاحية بمعطيات إخبارية. وعندما كانت هذه الرخص لا يسمح بها كان الخبر يتصف بالاختصار والنجاعة، المورثان عن برقية ما قبل التاريخ. اليوم، في المقابل، فرضت قياسات مكاتب الوكالات الدولية، التي تسمح بتجاوزات يصعب تبينُّها. فالاستعمال المفرط للمزدوجتين في التصريحات الكاذبة أو الحقيقية يفضي إلى أخطاء بريئة أو متعمدة، وإلى الاستخدام السيء والتشويهات المسمومة تجعل من الخبر سلاحا فتاكا. فالاستشهادات المأخوذة من مصادر قمينة بالتصديق الكامل، ومن أشخاص يملكون معلومات كثيرة، أو من موظفين ساميين لا يكشفون عن أسمائهم، أو من مراقبين يعلمون كل شيء ولا أحد يراهم، كل هذه الأمور تغطي على تجاوزات تتحصن وراء حق عدم الكشف عن المصدر الذي يتمتع به الصحافي. وفي الولاياتالمتحدة تزدهر من قبيل: «يسود الاعتقاد بأن الوزير سلب مجوهرات الضحية، ولكن الشرطة أنكرت ذلك». وفي جميع الحالات، فإن عزائنا الوحيد يكمن في اعتبار هذه التجاوزات التي تُخْجِل مهنة الصحافة ليس مردها اللاأخلاق دائما وإنما قلة التجربة كذلك. استغلال المقاييس للإنسان يبدوا أن المشكل يكمن في عدم تطور المهنة بالسرعة نفسها التي تطورت بها أدواتها، وظل الصحافيون يبحثون بتحسس عن الطريق في سرداب لتكنولوجيا انطلقت مندفعة نحو المستقبل. كان على الجامعات أن تعتبر أن تلك الأخطاء كانت أكاديمية، وأنهم أسسوا مدارس لا تقتصر على الصحافة المكتوبة و إنما على كل الوسائل. و أصبحت هذه المهنة التي تعود أصولها إلى القرن الخامس عشر تحمل إسم علوم الإعلام أوالإعلام الاجتماعي، كما لو التقى الصحافيون التجريبيون لذاك الزمان بالبابا يرتدي لباس رجل فضاء. وتدرس في الجامعات الكولومبية أسلاك قبل الإجازة وأخرى بعدها، مما يؤكد على الاهتمام المتزايد الذي يحلق بعيدا، و تعطي انطباع سد أكاديمي يغطي الكثير من حاجيات التعليم الراهنة، عدا حاجتين مهمتين : الإبداعية و المراس. الجانب الاحترافي و أدوات العمل التي يتم تزويد صحافيي المستقبل بها لا تكاد تفارق الأوراق التي دونت فيها. وتتحطم تلك الدروس النظرية التي يثقلونهم بها على أول صخرة في الحياة الواقعية، بحيث لن ينقذهم من الكارثة زهو و غرور الشهادة المحصل عليها. في الواقع، عليهم أن يتخرجوا متأهبين لمعرفة التقنيات الجديدة وحسن استخدامها: يجب عليهم أن يسعوا وراءها وإن سحبوهم لذلك، وأن يواجهوا الضغوطات التي لا تخالف أحلامهم. كما ستواجههم صعوبات في طريقهم، لن تمنحهم الفرصة للتفكير ولا الاستمرار في التعلم حتى. ولا شك أن اختبارات الانتقاء التي تجريها كلية الهندسة أو البيطرة شبيهة بتلك التي تجريها كلية الإعلام. و من دون تحفظ قال أحد المتخرجين المتفوقين: «تعلمت الصحافة عندما بدأت أشتغل. صحيح أن تمنحك الجامعة فرصة تحرير ربع الصفحة، ومع هذا فإن الأدوات اكتسبتها وأنا أشتغل». هذا أمر طبيعي، لأن زاد الصحافي الأساسي هو الإبداعية، التي تشبه إلى حد ما إبداعية الفنان. ومن بين النقاط الحرجة التي تجدر الإشارة إليها، الازدهار التكنولوجي الذي لا يتناسب وشروط العمل، ولا ميكانيزمات التعاون التي كانت تقوي الحس الصحافي في الماضي. ويعد التحرير بمثابة مختبر تطهيري مفصول بحواجز، حيث يبدوا من الهين التواصل مع الظواهر الفلكية ومن الشاق التواصل مع الإنسان. وهذه الشعبة التي كانت حدودها مُسطَّرة، لا تعرف اليوم أين تبدأ وأين تنتهي وإلى أين تذهب. ويصبو الجميع إلى استعادة المكانة التي كان تحظى بها الصحافة في الماضي، وعلى وجه الخصوص من عايش الصحافة بالأمس واليوم. وتتعرض كفاءات ومؤهلات الصحافة لانتقادات لاذعة، تكون في بعض الأحيان صائبة. ربما لا يعود أصل هذه المحنة إلى تدريس الطلاب أشياء كثيرة تستفيد منها المهنة، و إنما إلى عدم تدريسهم لأشياء عن المهنة نفسها. ربما عليهم التشديد على البرامج الإنسانية، وإن كانت أقل طموحا و إلحاحا، لضمان قاعدة ثقافية لا يحملوها معهم من الثانوية. ومن اللازم أيضا وضع الأصبع على الكفاءات و المواهب، حتى يتمكنوا من توزيعها على التخصصات المختلفة، وما أكثرها اليوم إلى درجة أنه صار ضربا من المحال معرفتها كلها. ويبدوا أن هذه التفرعات الكثيرة، تتناسب و طموحات الطلبة الحاصلون على الإجازة في شعب أخرى، و هو الوضع الذي أفضى إليه التطور التكنولوجي الجديد، و كذا التغيير الذي شهده البلد منذ طبع دون مانويل ديل سوكورُّ رودريكيث أول صفحة للأخبار منذ مائتين و أربع سنوات. وأخيرا، لا يجب أن تأخذ الشواهد والرخص بعين الاعتبار فقط، و إنما العودة إلى نظام الدراسة الأول، الذي كان يعتمد بالخصوص على محترفات تطبيقية تتكون من مجموعات صغيرة، والاستفادة من التجارب، دون أن ننسى الغاية المتمثلة في خدمة الصالح العام. وعلى وسائل الإعلام أن تساهم كثيرا في هذا الأمر، كما تفعل نظيرتها في أوربا بطرق مماثلة، سواء في قاعات التحرير أو في الورشات أو على أي خشبة نصبت لهذا الغرض، كما تفعل أجهزة الطيران المقلدة التي تمثل أحداث الطيران، يتعلم الطلبة من خلالها كيف يواجهون الكوارث قبل أن يصطدموا بها في الواقع.وبإمكان حب الصحافة الذي لا يشبع أن يستساغ أو يتأنسن بالمواجهة الهزيلة للواقع. و يمكن لمن لم يذق تجربة الصحافة أن يتخيل هذه الإكراهات التي تغذيها عوارض الحياة. ويمكن لمن لم يذق تجربة الصحافة أن يتصور استشعار الخبر، ورعشة السبق الصحافي، والإجهاز على الفشل. ويمكن لمن يستعد للموت من أجل هذا أن يستمر في مهنة غير مفهومة ونهمة ينقضي العمل فيها من بعد إذاعة الخبر، وكأنها تموت للأبد، ولا تمنحك برهة لكي تستريح حتى تعود للعمل بهمة ونشاط لا يعدلهما شيء. لوس آنجلس، الولاياتالمتحدة، 7أكتوبر 1996