أثارت دراسة حديثة أصدرها مركز السياسات من أجل الجنوب الجديد تساؤلات جدية حول قدرة الحكومة على تحقيق أهدافها في مجال التشغيل. الدراسة، التي حللت سيناريوهات مختلفة لسوق العمل، خلصت إلى أن بلوغ الهدف الرسمي المتمثل في خفض معدل البطالة إلى 9% بحلول عام 2030 يتطلب معدل نمو اقتصادي سنوي يناهز 7.9%، وهو رقم بعيد كل البعد عن التوقعات الحالية التي تشير إلى معدل نمو لا يتجاوز 3.5% خلال السنوات المقبلة. ووفقاً للمعطيات الواردة في الدراسة، فإن الفجوة الكبيرة بين المطلوب والمتوقع تثير تساؤلات حول قدرة الحكومة على تحقيق التزاماتها في مجال تقليص البطالة وتعزيز الإدماج المهني. الفرق الشاسع بين الطموحات الحكومية والواقع الاقتصادي يضع علامات استفهام كبيرة حول جدوى هذه الأهداف، خاصة في ظل المؤشرات الهيكلية لسوق العمل المغربي. فمرونة التشغيل للنمو، التي تقاس بمدى قدرة الاقتصاد على تحويل النمو إلى فرص عمل، تظل ضعيفة عند 0.23، مما يعني أن كل نقطة نمو لا تترجم سوى بزيادة طفيفة في عدد الوظائف. هذا الواقع يجعل من الصعب تصور تحقيق الأهداف دون إصلاحات عميقة تعيد هيكلة سوق العمل وتزيد من قدرته على استيعاب العاطلين. وحسب الوثيقة، فالتحديات لا تقتصر على الأرقام المجردة، بل تمتد إلى معضلات هيكلية يعاني منها الاقتصاد المغربي. فبالإضافة إلى البطالة المرتفعة بين الشباب التي تتجاوز 30%، تظل مشاركة المرأة في سوق العمل متدنية عند أقل من 20%، بينما يستمر القطاع غير المهيكل في استيعاب ما بين 20 إلى 40% من العمالة الحضرية، كما أن التغيرات المناخية تهدد قطاع الزراعة، الذي يشكل مصدر رزق للكثير من الأسر، مما يزيد من تعقيد المشهد. وفي هذا السياق، شدد التقرير على ضرورة تبني إصلاحات هيكلية تهم تحسين مناخ الأعمال، وتعزيز التكوين المهني، ودعم المقاولات الناشئة، بالإضافة إلى تطوير قطاعات اقتصادية واعدة يمكنها تحفيز التشغيل، كما أكد على أهمية اعتماد سياسات اقتصادية أكثر جرأة لضمان تحقيق معدلات نمو مرتفعة ومستدامة. وفي مواجهة هذه المعطيات، تبدو السيناريوهات المطروحة غير مشجعة، فحتى في أفضل الحالات، إذا استمر الاقتصاد في النمو بالمعدلات الحالية، فإن ذلك لن يكفي لامتصاص الزيادة السنوية في عدد الداخلين الجدد إلى سوق العمل، ناهيك عن تقليص عدد العاطلين الحاليين، أما في حال استمرار الاتجاهات الحالية دون تغيير، فإن الدراسة تتوقع ارتفاع معدل البطالة إلى 11.9% بحلول 2029، وهو ما سيعمق الأزمة بدل حلها. لكن الدراسة لا تقف عند التشخيص، بل تقدم وصفة للعلاج تقوم على ثلاث ركائز أساسية: تحفيز القطاعات الكثيفة العمالة مثل المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتحسين مناخ الأعمال لجذب الاستثمارات المولدة للوظائف، وتبسيط إجراءات سوق العمل لتشجيع التشغيل. كما تؤكد على ضرورة تعزيز التنسيق بين السياسات الحكومية لضمان تنفيذ فعال للإصلاحات. السؤال الذي يطرح نفسه بقوة هو: هل تملك الحكومة المغربية الإرادة السياسية والوسائل الكافية لتنفيذ هذه الإصلاحات في الوقت المناسب؟ الإجابة على هذا السؤال ستحدد ما إذا كانت أهداف التشغيل الطموحة مجرد أحلام على ورق، أم أنها ستتحول إلى واقع ملموس يعود بالنفع على ملايين المغاربة الذين ينتظرون فرصة عمل تضمن لهم حياة كريمة.