الاتحاد الإسلامي الوجدي يقصي الرجاء    اعتصام ليلي بطنجة يطالب بوقف الإبادة الإسرائيلية في قطاع غزة    منتدى يدعو إلى إقرار نموذج رياضي مستدام لتكريس الريادة المغربية    اعتداء جسدي بليغ على عميد شرطة والرصاص يقوم بالواجب    مأساة بحي بنكيران.. وفاة فتاة يُرجح أنها أنهت حياتها شنقاً    في مباراة مثيرة.. الاتحاد الوجدي يُقصي الرجاء ويتأهل لربع نهائي كأس العرش    يوم غضب أمريكي تحت شعار "ارفعوا أيديكم".. آلاف الأميركيين يتظاهرون ضد ترامب في أنحاء الولايات المتحدة    بلاغ جديد للمنظمة الديمقراطية للصحة – المكتب المحلي للمركز الاستشفائي الجامعي ابن سينا – الرباط    "لن أذهب إلى كانوسا" .. بنطلحة يفضح تناقضات الخطاب الرسمي الجزائري    توقيف أربعيني بطنجة روج بمواقع التواصل لعمليات وهمية لاختطاف فتيات    أمن طنجة يفند أخبار اختطاف فتيات    منظمات حقوقية تدين تهميش المهاجرين المغاربة في مليلية المحتلة    حركة حماس تشيد بموقف المهندسة المغربية ابتهال أبو سعد واصفة إياه ب"الشجاع والبطولي"    باريس سان جرمان يحرز بطولة فرنسا    كأس العرش: الضربات الترجيحية تهدي التأهل لأولمبيك آسفي إلى ربع النهائي على حساب شباب السوالم    طنجة تتصدر مقاييس الأمطار المسجلة بالمملكة خلال ال 24 ساعة الماضية.. وهذه توقعات الأحد    طنجة .. وفد شبابي إماراتي يطلع على تجربة المغرب في تدبير قطاعي الثقافة والشباب    المغرب يرسخ مكانته كحليف تاريخي و إستراتيجي في مواجهة سياسة ترامب التجارية    برشلونة يسقط في فخ التعادل أمام ريال بيتيس    هذا ما يتوقعه المغاربة من المعطي منجب؟    جهة الداخلة وادي الذهب تستعرض تجربتها التنموية في المنتدى العالمي السادس للتنمية الاقتصادية المحلية    فرنسا: خسائر ب15 مليار دولار بسبب التعريفات الجمركية الأمريكية    الدار البيضاء تستحضر ذكرى 7 أبريل 1947.. محطة مشرقة في مسار الكفاح الوطني والمقاومة    تحالف استراتيجي بين الموريتانية للطيران والخطوط الملكية المغربية يعزز الربط الجوي ويفتح آفاقًا جديدة للتعاون الإفريقي    العودة إلى الساعة الإضافية وسط رفض واستياء واسع بين المغاربة    الفكر والعقل… حين يغيب السؤال عن العقل المغربي في الغربة قراءة فلسفية في واقع الجالية المغربية بإسبانيا    الأسرة الكروية المغربية تودّع محسن بوهلال بكثير من الحزن والأسى    دعم الدورة 30 لمهرجان تطوان لسينما البحر الأبيض المتوسط ب 130 مليون سنتيم    فيديو يوثق استهداف إسرائيل لمسعفين    أداء أسبوعي خاسر ببورصة البيضاء    رحلة ترفيهية في القطب الجنوبي تقيل نائب الرئيس الإيراني    انطلاق الدورة الربيعية لموسم أصيلة الثقافي الدولي بمشاركة فنانين من سبع دول    الفئران قادرة على استخدام مبادئ الإسعافات الأولية للإنعاش    كلميم.. القضاء يدين عدة مسؤولين بينهم رئيس الجماعة بالسجن النافذ في قضية تبديد واختلاس أموال عمومية    دعوات للمشاركة المكثفة في مسيرة "الرباط الوطنية" للتنديد بالمحرقة المرتكبة في غزة    سفير جمهورية السلفادور: المملكة المغربية تعد "أفضل" بوابة للولوج إلى إفريقيا    عرض مناخ الأعمال وفرص الاستثمار في المغرب خلال ملتقى بباريس    خبراء "نخرجو ليها ديريكت" يناقشون موضوع انتشار الوسطاء والشناقة داخل الأسواق    حصيلة الزلزال في بورما تتجاوز 3300 قتيل    وكالة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية: النظام التجاري العالمي يدخل مرحلة حرجة مع فرض الولايات المتحدة رسوما جمركية جديدة    'مجموعة أكديطال': أداء قوي خلال سنة 2024 وآفاق طموحة    ماذا بعد استقبال مجلس الشيوخ الفرنسي لحكومة جمهورية القبائل؟    الركاني: من يدعم فلسطين توجه له تهم جاهزة وعواقب وخيمة ستلاحق كل من تواطئ لجعل غزة مسرحا للجريمة    في قلب باريس.. ساحة سان ميشيل الشهيرة تعيش على إيقاع فعاليات "الأيام الثقافية المغربية"    "نفس الله" عمل روائي لعبد السلام بوطيب، رحلة عميقة في متاهات الذاكرة والنسيان    شركة "رايان إير" تُسلّط الضوء على جوهرة الصحراء المغربية: الداخلة تتألق في خريطة السياحة العالمية    بحضور عائلتها.. دنيا بطمة تعانق جمهورها في سهرة "العودة" بالدار البيضاء    الوزيرة السغروشني تسلط الضوء على أهمية الذكاء الاصطناعي في تعزيز مكانة إفريقيا في العالم الرقمي (صور)    الوديع يقدم "ميموزا سيرة ناج من القرن العشرين".. الوطن ليس فندقا    تكريم المغرب في المؤتمر الأوروبي لطب الأشعة.. فخر لأفريقيا والعالم العربي    دراسة: الفن الجماعي يعالج الاكتئاب والقلق لدى كبار السن    دراسة: استخدام المضادات الحيوية في تربية المواشي قد يزيد بنسبة 3% خلال 20 عاما (دراسة)    خبراء الصحة ينفون وجود متحور جديد لفيروس "بوحمرون" في المغرب    العيد: بين الألم والأمل دعوة للسلام والتسامح    أجواء روحانية في صلاة العيد بالعيون    طواسينُ الخير    تعرف على كيفية أداء صلاة العيد ووقتها الشرعي حسب الهدي النبوي    الكسوف الجزئي يحجب أشعة الشمس بنسبة تقل عن 18% في المغرب    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



مهام مفتشي التعليم بين رؤيتين وضرورة الاستقلال الوظيفي
نشر في العمق المغربي يوم 15 - 06 - 2022


مقدمات مؤَطِّرة
مقدمة أولى: كل مهنة يتم نقد دورها ينبغي أن ينبني ذلك النقد على مهام أفرادها كما هي في نظامها الأساسي والوثائق الرسمية التي تؤطر عملها، وليس انطلاقا من ممارسات بعض أفرادها التي تقترب أو تبتعد عن ما هو مقرر في الوثائق الرسمية.
مقدمة ثانية: كل استدعاء لتجربة في دولة أجنبية ما لوظيفة ما ينبغي أن يستحضر الخصوصيات التي تختلف من مجتمع لآخر ومن دولة لأخرى وما يتطلبه ذلك من تَبْيِئَةٍ على جميع مستويات الدولة والمجتمع.
مقدمة ثالثة: شرط خلق الرغبة والحافز عند جميع أطر التربية والتعليم للانخراط في إصلاح منظومة التربية والتكوين هو إشراكهم الحقيقي في إعداد النظام الأساسي الذي يخصهم بعيدا عن منهجية الغرف المغلقة والتسريبات.
مقدمة رابعة: لا أحد يختلف حول ضرورة إعادة النظر في مهام هيئة التفتيش بوضعها الحالي، لكن الاختلاف هو في تفاصيل تلك المهام التي ينبغي أن تتجه ناحية ما يضمن رقابة وتقييما وتقويما داخليا لمنظومة التربية والتكوين، وهو ما لا يتم إلا باستقلالية وظيفية.
أولا: في مسألة أدوار هيئة التفتيش وأنصار تقزيمها
أصبحت مهام مفتشي قطاع التربية الوطنية والتعليم موضوع نقاش حاد في سياق التغييرات المرتقبة في النظام الأساسي لموظفي وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة بما فيه النظام الخاص بهيئة التأطير والمراقبة. وهو النقاش الذي تتجاذبه رؤيتان، إحداهما تريد مزيدا من تقزيم دور هيئة التأطير والمراقبة، وأخرى ترى أن نجاح إصلاح منظومة التربية والتكوين رهين بتعزيز دور هذه الهيئة في اتجاه استقلاليتها الوظيفية.
ويلاحظ، في هذا السياق، أن جل من ينتقد مهنة التفتيش في قطاع التربية والتعليم، من أصحاب رؤية التقزيم، يستند إلى بعض الممارسات الخاطئة لبعض المفتشين التي تصنف في خانة التهاون في أداء المهام، أو استغلال المنصب من أجل انتقام أو ابتزاز لمصلحة خاصة، أو تعسف أثناء الزيارة أو التفتيش أو المراقبة والتقويم. ولم أطلع، لحد الآن، على نقدٍ لمهام هيئة التفتيش ينطلق صاحبه من النظام الأساسي الحالي للهيئة أو من المهام الرسمية المسندة إليها، أو من الخلفيات المعرفية ومختلف التجارب الدولية في هذا المجال.
وبالعودة إلى النصوص التشريعية التي تتحدث عن مهام المفتش التربوي نجد تلك المهام تتراوح ما بين متابعة سير تنفيذ المقررات الدراسية؛ وتقييم وتقويم المدرسين من خلال تقارير التفتيش، وإعادة تكوين الأساتذة وتوجيههم من خلال تقارير الزيارات والندوات واللقاءات التربوية؛ وتنشيط حلقات تكوينية؛ والمساهمة في البحث التربوي؛ وإعداد البرامج وتطويرها وتقييمها؛ والقيام بمهام إدارية مختلفة من قبيل الإشراف على بناء مواضيع الامتحانات الإشهادية، ومراقبة جودة إجرائها، وتتبع تصحيحها، والتكليف بمهام معينة من قبل الإدارة...إلخ. (للتوسع أنظر محمد أحميد، الإشراف التربوي، 2019). وعلى الرغم من أن تلك المهام مُقزَّمة بالمقارنة مع الأدوار الرقابية والتأطيرية الكبيرة التي ينبغي أن يقوم بها جهاز التفتيش في قطاع التربية والتعليم، فإنها أدوار متعددة ومتنوعة لا يتحدث عنها جل من ينتقد المهنة ويطالب بإلغائها. ذلك أن أغلب الانتقادات منحصرة في علاقة المفتش بالمدرس، وتحديدا في الزيارات والتفتيشات التي يراها البعض مشوشة على عمل المدرس رغم أنها لا تتعدى حصتين إلى ثلاث حصص لكل مدرس في سنة أو سنتين أو أكثر نظرا للخصاص الكبير في هيئة التفتيش بمختلف أصنافها. كما أن أغلب من ينتقدها يركز على مسألة مطالبة المفتش بالوثائق التربوية التي تعكس مهارة تخطيط المدرس لبناء الدرس على غرار التصميم الذي يضعه المهندس قبل الشروع في البناء.
والبعض الآخر، من المسؤولين الإداريين في الوزارة، يريد مزيدا من التقزيم لدور هيئة التفتيش بمبرر الممارسات الخاطئة من قبيل استغلال للمنصب لابتزاز ما أو تلبية لمصلحة ذاتية، مستندا في ذلك على شكاوى معينة من مؤسسات تعلمية خصوصية أو ما شابه ذلك، وهي ممارسات تبقى فردية وخاطئة ومستنكرة تتصل بمظاهر عدة للتهاون في أداء مهمة التفتيش التربوي وفق ما تنص عليه مختلف المراسيم والنظام الأساسي والمذكرات. والمفتش في هذه الحالة، لا يختلف عن أي موظف يتهاون في القيام بواجبه، مثل الأستاذ الذي يبتز الأسر في الساعات الخصوصية الإضافية بمقابل مالي، أو الطبيب الذي يبتز المرضى للحصول على المال في سوق سوداء، وغيرها من مظاهر الابتزاز في شتى الوظائف والمسؤوليات. والحل يمكن في بناء منظومة وفق معادلة ربط المسؤولية بالمحاسبة وليس إلغاء الوظيفة أو تهميشها.
والمتتبع للمذكرات الوزارية المنظمة لمهنة التفتيش التربوي (113 /114 / 115/ 116/117/ 118) يجدها تركز على ما يتعلق بالزيارات والتفتيشات بالنسبة للمفتش التربوي في علاقته بالأساتذة. وما يتعلق بتتبع المردودية الداخلية للمؤسسات التعليمية بناء على مؤشرات، وتنظيم وتتبع ومراقبة خدمات الاعلام والتوجيه، مراقبة ضبط جميع الوثائق المتعلقة بالتمدرس والتوجيه ( الملف المدرسي، السجل، الشواهد، لوائح الأقسام...) وتقديم مقترحات بشأنها بالنسبة لمفتش التخطيط والتوجيه. ومراقبة عمليات التسيير المالي والمادي و المحاسباتي للمؤسسة العمومية ( التعليم العام، مراكز التكوين التابعة لقطاع التربية الوطنية)، ومراقبة كل ما يتعلق بالمطاعم المدرسية والأقسام الداخلية، تتبع حالات البنايات ومراقبة استغلال الماء والكهرباء والهاتف بالنسبة لمفتش المصالح المادية والمالية. وكل ذلك بدون تمكين المفتش من صلاحيات اتخاذ القرار، حيث يكتفي بتقرير يرفع للإدارة التي تعد صاحبة القرار في النهاية، وعليه فإن أي تقصير أو فشل تتحمله الإدارة التي لا تنفذ مضمون تقارير التفتيش.
وهذا ما أدى إلى تهميش دور المفتشين بجميع أصنافهم، إذ بالإضافة إلى انعدام الاستقلالية في العمل بين الجهاز الإداري وجهاز التفتيش، هناك سحب لصلاحية اتخاذ القرار، وعدم منح جهاز التفتيش صلاحيات تقييم وتقويم منظومة التربوية والتكوين في جميع مستوياتها من المؤسسة التعليمية ومكوناتها إلى الجهاز الإداري في أعلى مستوى واتخاذ القرار المناسب.
ثانيا: في مسألة نقل التجارب الدولية في التفتيش التربوي
يسود اليوم حديث حول نقل التجربتين الفنلندية أو الكندية في مجال الإشراف التربوي حيث يتولى مديرو المؤسسات التعليمية وما سيمونه الموجه التربوي وممثلو المجتمع المحلي عمليةَ مراقبة المدارس وتقويم أداء جميع الفاعلين فيها، وفق معايير محددة. وهذا الثلاثي المسؤول عن التقييم والأداء ينتسب للإدارة التربوية الجهوية. والسؤال المثار في هذا السياق هو: إلى أي حد نتوفر على الثقافة والبيئة نفسيهما لتلك الدول التي تؤهل ممثلي المجتمع (مثل جمعيات أولياء أمور التلاميذ، وجمعيات المجتمع المدني) لتقييم أداء المدرس، وما مدى قدرة إدارة المؤسسة على تقييم ذاتها بذاتها وفق ما يعرف في التجربة الفنلندية بمدخل التقويمين الذاتي والتبادلي بمقتضى قانون سنة 1989؟ والمسكوت عنه في هذه التجربة هو مدخل المساءلة المهنية الداخلية، وهو ما يمكن أن يقابله عندنا مفهوم التقييم والتقويم الداخلي للمنظومة، ليثار السؤال: إلى أي حد يمكن للجهاز الإداري داخل وزارة التربية الوطنية أن يقوم بهذه المهمة بما أنه هو المسؤول أيضا عن تنفيذ السياسات التربوية؟ ألا يجعله هذا الوضع بمثابة الخصم والحكم في الآن ذاته؟ ويعزز هذا الأمر مصير مختلف المخططات السابقة بما فيها المخطط الاستعجالي الذي ما تزال عملية افتحاصه ونتائجها وترتيب المسؤوليات غامضة ومسكوتا عنها. والسبب الرئيس هو غياب جهاز تفتيش أو مراقبة مستقل عن الجهاز الإداري.
وفي سياق الحديث دائما عن التجارب الدولية نجد التجربة الانجليزية التي كان يطلق فيها على المفتشين صفة "ممثلوا صاحبة الجلالة" Her Majesty". و جهاز يعرف بنظام "أوفستد"
of.st.ed" لديه استقلالية تامة عن وزارة التربية والتعليم يرأسه المفتش العام للمدارس في بريطانيا، ويرفع تقاريره عن المنظومة التربوية مباشرة إلى البرلمان. في حين يتم اعتماد شبكة معايير أداء ومؤشرات دقيقة لتقييم جميع أنشطة المؤسسات التربوية بما فيها شبكات معيارية لتقييم وتقويم أداء المدرسين وتطويره. وقريب منه جهاز التفتيش في الدانمارك. فلماذا لا يتم الانفتاح على تجارب دولية مثل التجربة البريطانية بالنظر إلى بعض القواسم المشتركة على مستوى النظام السياسي وعراقة وأصالة النظام التعليمي الذي يمتح في كل من بريطانيا والمغرب من تاريخ حضاري عريق للدولتين يمتد لقرون مع استحضار ما بينهما من اختلاف جوهري دينيا وثقافيا وفلسفيا؟
ثالثا: في خصوصية مهام هيئة التأطير التربوي
غالبا ما يسود تصور عند البعض، بمن فيهم مدبرو الجهاز الإداري لوزارة التربية الوطنية، أن هيئة التفتيش هي فئة الموظفين الوحيدة التي لا تشتغل بعدد ساعات الموظفين الإداريين الذين يشتغلون داخل الإدارة بغلاف زمني محدد، وربما استندوا في ذلك إلى ممارسات معينة وإلى ملاحظة وردت في تقرير المجلس الأعلى للتعليم لسنة 2009 مفادها "وجود صعوبات في تحديد الغلاف الزمني لعمل المفتش التربوي". ومظهر القصور في هذا التصور يتجلى في عدم استحضاره لما تتطلبه مهمة المفتش التربوي نظريا وما يميزها من خصوصية. فحتى تلك المهام المُقَزَّمة ، كما سلف، التي حصرت دور المفتش في الزيارات والتفتيشات للأساتذة والندوات واللقاءات التربوية والقيام بمهام تكلفه بها الإدارة من قبيل فض النزاعات، يتبين كم تستهلك من زمن المفتش عندما نستحضر المعطيات الآتية:
إن تحرير تقرير زيارة أو تفتيش واحد يتضمن ملاحظات وتوجيهات لتحسين أداء المدرس يستغرق ما بين أربع ساعات إلى ست ساعات، ومنها ما يزيد عن ذلك عندما يتعلق الأمر بالبحث في مراجع متخصصة لتكون التوجيهات عملية وعلمية وواضحة للأستاذ(ة).
إن إعداد شبكة تقييم خاصة بكل درس تتطلب أياما مضنية من البحث والقراءة لصياغة معايير ومؤشرات قابلة للقياس وتلامس هدف الشبكة الذي يتجلى في تطوير أداء المدرس.
إن تنفيذ المفتش تكليفا إداريا بمهمة في قضية من القضايا التي تتطلب بحثا وتقصيا يستغرق وقتا ما بين يوم كامل ومتواصل إلى ثلاثة أيام، وبعضها أسبوعا عندما يتعلق الأمر بالجوانب التربوية والمالية والمادية، يستغرقه في الاستماع للأطراف المعنية، وفي الاطلاع على الوثائق ذات الصلة. والوقت نفسه لتحرير تقرير مفصل في الموضوع حيث لا بد من الرجوع بدقة لكل النصوص والتشريعات القانونية ذات الصلة بقضية البحث وتقصي الحقائق.
إن الإعداد لندوة تربوية أو لقاء تربوي يهم تأطير الأساتذة في سياق التكوين يتطلب من المفتش أياما يرجع فيها إلى عدد مهم من المصادر والمراجع المتخصصة ليقدم شيئا مفيدا للمدرسين وذا أثر على التعلمات.
كما أن جزءا مهما من برنامج عمل المفتش يمر في المشاركة في مباريات توظيف أطر الأكاديمية مراقبا للجودة ومصححا للأوراق ومشاركا في المقابلة الشفهية. والتتبع الميداني للخرجين الجدد، ثم إعداد وإجراء الكفاءة التربوية...
وقد جاء في تقرير المجلس الأعلى للتعليم سنة 2009 ، ضمن رصده لمجموعة من الإشكالات التي تعرقل عمل هيئة التأطير والمراقبة منها:
"تعدد المهام الإدارية التي تسند للمفتشين التربويين على حساب مهامهم الأصلية المحددة في المراقبة والتأطير والبحث التربوي؛
التركيز على المدرس وإهمال بقية العوامل المتدخلة في العملية التعليمية التعلمية؛
"غالبا ما تنحرف مهام المفتش عن البرنامج التربوي السنوي لأن التكليفات الإدارية تطغى على المتطلبات البيداغوجية والتربوية"؛
والمتأمل لما تضمنه التقرير يخلص إلى أن أصل المشكل يتمثل في غياب الاستقلالية الوظيفية لهيئة التفتيش، حيث يجد المفتش نفسه برؤساء متعددين، فإقليميا يرأسه المدير الإقليمي، وجهويا يرأسه مدير الأكاديمية ومركزيا هناك ضبابية كبيرة في الانتساب للمفتشيتين العامتين للشؤون التربوية والشؤون الإدارية والمالية. وهو وضع لا يمكن المفتش من وضع برنامج عمل في استقلال عن الجهاز الإداري، بل يكلف بمهام هي من صميم عمل الإدارة بدعوى الاشتغال بمنطق التشارك، في حين أن عمل هيئة التفتيش هو مراقبة عمل الإدارة وتقويمه.
رابعا: في مسألة ضرورة جهاز تفتيش مستقل
إن منظومة التربية والتكوين تتأثر بالبنيات الثقافية والسياسية والاجتماعية، هذه الأخيرة التي تصاغ فيها شخصية أفراد المجتمع، وإن أي انفتاح على تجارب دولية فيما له صلة بصياغة نظام أساسي جديد لموظفي قطاع التربية الوطنية لابد أن يأخذ بعين الاعتبار الاختلافات الجوهرية بين تللك البنيات في كل دولة ومجتمع. ونحن نقول هذا الكلام نستحضر التجربة المريرة والفاشلة للمخطط الاستعجالي.
ولقد ورد في بحث أنجزته مجموعة من الطلبة المفتشين برسم السنة التكوينية حول موضوع "الحكامة في التفتيش بين الواقع والمأمول"، تخصص اللغة العربية أن فرص نجاح التفتيش في النهوض بمنظومة التربية والتعليم رهينة بتغيير جوهري في أدوار المفتش التربوي نحو إشراف فعلي على المنظومة تشخيصا وإعدادا وتنفيذا وتقويما، وهذا يعني أن القيام بذلك كله لا يتم إلا في إطار مفهوم القيادة التربوية الذي يفرض بُعد النظر والشمولية في علاقة المفتش التربوي مع كل الأطراف بمن فيهم المدرسين والمدرسات.
واستنادا إلى دراسة معمقة لتجارب دولية عدة، وبناء على التجربة الميدانية لعمل هيئة التأطير والمراقبة بالمغرب، فإن الطريق الأسلم هو جعل جهاز التفتيش جهازا مستقلا وظيفيا، ومنحه كافة الإمكانيات التنظيمية والتكوينية ليقوم بمهام التقويم لكل عناصر المنظومة التربوية على مستوى صيرورة تنفيذ السياسات التعليمية من المركز إلى الجهة إلى الأقاليم، وصولا لداخل المؤسسة التعليمة وخارجها فيما يتصل بأطرها بعلاقاتها مع أولياء الأمور والجمعيات، وتحديد نقاط الضعف والقوة. ثم ليقوم بمهام التأطير في شموليتها، مما يتطلب إعادة النظر في مركز تكوين مفتشي التعليم ليضم، إلى جانب التكوين النظامي للمفتشين، بنية بحثية بمثابة مختبرات للبحث، تكون مرتبطة بمختلف المفتشين في الميدان للقيام بالدراسات والأبحاث ذات الوقع المباشر على المنظومة التربوية.
وإن أي تقزيم لدور هيئة التفتيش يؤول مباشرة إلى معادلة مؤداها أن الجهاز الإداري سيكون خصما وحكما في وضع مخططات النموذج البيداغوجي الجديد والقانون الإطار 17.51 وفي تنفيذها وفي تقييمها وتقويمها، وهو ما سيؤدي عمليا إلى تكرار تجارب الفشل وخيبات الأمل في إصلاح منظومة التربية والتكوين، إذا تغيب في هذه المعادلة الموضوعية والشفافية والنزاهة في مثل هذا التقويم.
* مصطفى هطي مفتش تربوي للتعليم الثانوي التأهيلي


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.