الاتحاد الإسلامي الوجدي يقصي الرجاء    اعتصام ليلي بطنجة يطالب بوقف الإبادة الإسرائيلية في قطاع غزة    منتدى يدعو إلى إقرار نموذج رياضي مستدام لتكريس الريادة المغربية    اعتداء جسدي بليغ على عميد شرطة والرصاص يقوم بالواجب    مأساة بحي بنكيران.. وفاة فتاة يُرجح أنها أنهت حياتها شنقاً    في مباراة مثيرة.. الاتحاد الوجدي يُقصي الرجاء ويتأهل لربع نهائي كأس العرش    يوم غضب أمريكي تحت شعار "ارفعوا أيديكم".. آلاف الأميركيين يتظاهرون ضد ترامب في أنحاء الولايات المتحدة    بلاغ جديد للمنظمة الديمقراطية للصحة – المكتب المحلي للمركز الاستشفائي الجامعي ابن سينا – الرباط    "لن أذهب إلى كانوسا" .. بنطلحة يفضح تناقضات الخطاب الرسمي الجزائري    توقيف أربعيني بطنجة روج بمواقع التواصل لعمليات وهمية لاختطاف فتيات    أمن طنجة يفند أخبار اختطاف فتيات    منظمات حقوقية تدين تهميش المهاجرين المغاربة في مليلية المحتلة    حركة حماس تشيد بموقف المهندسة المغربية ابتهال أبو سعد واصفة إياه ب"الشجاع والبطولي"    باريس سان جرمان يحرز بطولة فرنسا    كأس العرش: الضربات الترجيحية تهدي التأهل لأولمبيك آسفي إلى ربع النهائي على حساب شباب السوالم    طنجة تتصدر مقاييس الأمطار المسجلة بالمملكة خلال ال 24 ساعة الماضية.. وهذه توقعات الأحد    طنجة .. وفد شبابي إماراتي يطلع على تجربة المغرب في تدبير قطاعي الثقافة والشباب    المغرب يرسخ مكانته كحليف تاريخي و إستراتيجي في مواجهة سياسة ترامب التجارية    برشلونة يسقط في فخ التعادل أمام ريال بيتيس    هذا ما يتوقعه المغاربة من المعطي منجب؟    جهة الداخلة وادي الذهب تستعرض تجربتها التنموية في المنتدى العالمي السادس للتنمية الاقتصادية المحلية    فرنسا: خسائر ب15 مليار دولار بسبب التعريفات الجمركية الأمريكية    الدار البيضاء تستحضر ذكرى 7 أبريل 1947.. محطة مشرقة في مسار الكفاح الوطني والمقاومة    تحالف استراتيجي بين الموريتانية للطيران والخطوط الملكية المغربية يعزز الربط الجوي ويفتح آفاقًا جديدة للتعاون الإفريقي    العودة إلى الساعة الإضافية وسط رفض واستياء واسع بين المغاربة    الفكر والعقل… حين يغيب السؤال عن العقل المغربي في الغربة قراءة فلسفية في واقع الجالية المغربية بإسبانيا    الأسرة الكروية المغربية تودّع محسن بوهلال بكثير من الحزن والأسى    دعم الدورة 30 لمهرجان تطوان لسينما البحر الأبيض المتوسط ب 130 مليون سنتيم    فيديو يوثق استهداف إسرائيل لمسعفين    أداء أسبوعي خاسر ببورصة البيضاء    رحلة ترفيهية في القطب الجنوبي تقيل نائب الرئيس الإيراني    انطلاق الدورة الربيعية لموسم أصيلة الثقافي الدولي بمشاركة فنانين من سبع دول    الفئران قادرة على استخدام مبادئ الإسعافات الأولية للإنعاش    كلميم.. القضاء يدين عدة مسؤولين بينهم رئيس الجماعة بالسجن النافذ في قضية تبديد واختلاس أموال عمومية    دعوات للمشاركة المكثفة في مسيرة "الرباط الوطنية" للتنديد بالمحرقة المرتكبة في غزة    سفير جمهورية السلفادور: المملكة المغربية تعد "أفضل" بوابة للولوج إلى إفريقيا    عرض مناخ الأعمال وفرص الاستثمار في المغرب خلال ملتقى بباريس    خبراء "نخرجو ليها ديريكت" يناقشون موضوع انتشار الوسطاء والشناقة داخل الأسواق    حصيلة الزلزال في بورما تتجاوز 3300 قتيل    وكالة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية: النظام التجاري العالمي يدخل مرحلة حرجة مع فرض الولايات المتحدة رسوما جمركية جديدة    'مجموعة أكديطال': أداء قوي خلال سنة 2024 وآفاق طموحة    ماذا بعد استقبال مجلس الشيوخ الفرنسي لحكومة جمهورية القبائل؟    الركاني: من يدعم فلسطين توجه له تهم جاهزة وعواقب وخيمة ستلاحق كل من تواطئ لجعل غزة مسرحا للجريمة    في قلب باريس.. ساحة سان ميشيل الشهيرة تعيش على إيقاع فعاليات "الأيام الثقافية المغربية"    "نفس الله" عمل روائي لعبد السلام بوطيب، رحلة عميقة في متاهات الذاكرة والنسيان    شركة "رايان إير" تُسلّط الضوء على جوهرة الصحراء المغربية: الداخلة تتألق في خريطة السياحة العالمية    بحضور عائلتها.. دنيا بطمة تعانق جمهورها في سهرة "العودة" بالدار البيضاء    الوزيرة السغروشني تسلط الضوء على أهمية الذكاء الاصطناعي في تعزيز مكانة إفريقيا في العالم الرقمي (صور)    الوديع يقدم "ميموزا سيرة ناج من القرن العشرين".. الوطن ليس فندقا    تكريم المغرب في المؤتمر الأوروبي لطب الأشعة.. فخر لأفريقيا والعالم العربي    دراسة: الفن الجماعي يعالج الاكتئاب والقلق لدى كبار السن    دراسة: استخدام المضادات الحيوية في تربية المواشي قد يزيد بنسبة 3% خلال 20 عاما (دراسة)    خبراء الصحة ينفون وجود متحور جديد لفيروس "بوحمرون" في المغرب    العيد: بين الألم والأمل دعوة للسلام والتسامح    أجواء روحانية في صلاة العيد بالعيون    طواسينُ الخير    تعرف على كيفية أداء صلاة العيد ووقتها الشرعي حسب الهدي النبوي    الكسوف الجزئي يحجب أشعة الشمس بنسبة تقل عن 18% في المغرب    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الملكية الوطنية والمواطنة
نشر في العمق المغربي يوم 30 - 07 - 2019

لقد ظلت خطب العرش ولا زالت، فرصة لتجديد أواصر البيعة والولاء، وتقوية لحمة العروة الوثقى بين الملك والشعب، وتأكيد مشاعر الوفاء والمحبة والتمسك بثوابت الأمة ومقدساتها، وهي أيضا مناسبة سنوية لاستعراض المنجزات والأوراش التنموية، وبسط معالم السياسة الداخلية والخارجية، وتوجيه البوصلة نحو الرؤى والاستراتيجيات والآفاق المنتظرة، وخطاب العرش لهذه السنة، الذي يصادف الذكرى العشرين لتربع الملك محمد السادس على عرش أسلافه المنعمين، جاء كمرآة عاكسة لأبرز ما تحقق من إصلاحات عميقة خلال العقدين الأخيرين، وفي هذا الصدد لا يمكن أن ينكر منكر، حجم التحولات المتعددة المستويات التي طالت الدولة والمجتمع على حد سواء، بدءا بالإصلاحات القضائية والحقوقية وتجويد الترسانة القانونية، مرورا بالارتقاء بقدرات الاقتصاد الوطني، وتأهيله ببنيات تحتية كبرى من موانئ كبرى وعلى رأسها ميناء طنجة المتوسط، ومطارات وسكك حديدية وطرق سيارة ومناطق صناعية ولوجستية، وانتهاء بالمجال الاجتماعي الذي يختزل في حجم ما أنجز من مراكز استشفائية جامعية ومستشفيات إقليمية ومراكز صحية، ومن جامعات عمومية وجامعات خاصة ومؤسسات التكوين المهني، وما تحقق على مستوى محاربة مدن الصفيح والسكن غير اللائق ودور الشباب وملاعب القرب، وكذا ما تم تنزيله على أرض الواقع من مشاريع صغرى مدرة للدخل في إطار “المبادرة الوطنية للتنمية البشرية”…إلخ.
وبالقدر ما يمكن تثمين ما تم تحقيقه من منجزات، بالقدر ما نجازف في القول، أن آثار التقدم، لم تصل إلى عدد من المجالات التي لازالت تتقاسم مفردات الهشاشة والفقر والإقصاء، بشكل يجعل الملايين من المغاربة بعيدين كل البعد عن قطار التنمية، وبمعزل عما تعرفه الدولة من تحولات وإصلاحات عميقة، وهذا يجعلنا أمام مفارقة غريبة الأطوار، تجعلنا نقف أمام “مغرب” بسرعتين : مغرب البراق وميناء طنجة المتوسط والمطارات والموانئ والجماعات والطرق السيارة والطاقات المتجددة والنماء الاقتصادي، ومغرب آخر، يتموقع في دوائر النسيان، إلى درجة أن بعض المناطق من هذا الوطن الحبيب، يكاد لا يسمع لها صوت، ولا نعرف بوجودها على الخريطة إلا في زمن الأزمات والمآسي (تبقال، شمهروش، إجوكاك…)، مغرب يتمكن من بناء مركب مينائي يعد الأكبر في إفريقيا وفي المجال المتوسطي، وفي نفس الآن يعجز عن بناء مركز صحي في مدينة أو دار شباب في قرية أو يمد السكة الحديدية نحو الجنوب (جنوب مراكش)، أو يشق طريق تفك العزلة عن المدن والقرى النائية في الريف والأطلس، التي تعاني الأمرين في مواسم الأمطار والثلوج …إلخ.
وهو واقع مقلق، اعترف به الملك، بقوله ” لقد أنجزنا نقلة نوعية، على مستو ى البنيات التحتية، سواء تعلق الأمر بالطرق السيارة، والقطار فائق السرعة، والموانئ الكبرى، أو في مجال الطاقات المتجددة، وتأهيل المدن والمجال الحضري. كما قطعنا خطوات مشهودة، في مسار ترسيخ الحقوق والحريات، وتوطيد الممارسة الديمقراطية السليمة. إلا أننا ندرك بأن البنيات التحتية، والإصلاحات المؤ سسية، على أهميتها، لا تكفي وحدها. ومن منطلق الوضوح والموضوعية، فإن ما يؤثر على هذه الحصيلة الإيجابية، هو أن آثار هذا التقدم وهذه المنجزات، لم تشمل، بما يكفي، مع الأسف، جميع فئات المجتمع المغربي. ذلك أن بعض المواطنين قد لا يلمسون مباشرة، تأثيرها في تحسين ظروف عيشهم، وتلبية حاجياتهم اليومية، خاصة في مجال الخدمات الاجتماعية الأساسية، والحد من الفوارق ا لاجتماعية، وتعزيز الطبقة الوسطى”.
ما أشار إليه الملك، يعكس رؤية مواطنة، تعترف بالإنجازات وتثمنها، وفي نفس الآن، تقر بما يكتنفها من مظاهر المحدودية والقصور، من منطلق أن آثار التقدم، لازالت بعيدة عن فئات عريضة من المغاربة، الذين لا يتلمسون ثمار التنمية التي لازالت بعيدة المنال عليهم، وهي وضعية غير سوية، تكرس مشاعر النفور وعدم الثقة في الدولة والمؤسسات، وتسائل بجلاء السياسات العمومية والجهوية، التي لاتساير مسلسل الإصلاحات العميقة، ولا تواكب الأوراش التنموية الكبرى، مما يكرس مقولة “مغرب الهامش” ويعمق الفوارق المجالية ويحرم فئات عريضة من المواطنين من الاستفادة من الخدمات الضرورية، وعلى رأسها الصحة والتعليم والنقل والشغل، والماء والكهرباء والطرق التي تعد عصب الحياة، خاصة في المجالات النائية والجبلية، التي تصارع قوى الطبيعة وجبروتها، بعيدا كل البعد عن دوائر الاهتمام السياسي والإعلامي، ويكفي النظر إلى الفاجعة الأخيرة التي كانت قرية “إجوكاك” بإقليم الحوز مسرحا لها قبل أيام، لتلمس حقيقة “المغربي المنسي” وحجم ما تعيشه الساكنة من خصاص في الطرق والمراكز الصحية والمؤسسات التعليمية والماء والكهرباء والمرافق العمومية وغيرها. وهي صورة مؤلمة عبر عنها جلالة الملك بقوله : ” ويعلم الله أنني أتألم شخصيا، ما دامت فئة من المغاربة، ولو أصبحت واحدا في المائة، تعيش في ظروف صعبة من الفقر أو الحاجة ” مضيفا في نفس الإطار ” لن يهدأ لي بال، حتى نعالج المعيقات، ونجد الحلول المناسبة للمشاكل التنموية والاجتماعية “.
ولم يكتف الملك محمد السادس بتوجيه البوصلة، نحو مكامن الخلل والقصور، بل كان أكثر موضوعية وجرأة في مساءلة النموذج التنموي القائم، الذي تبين بالملموس أنه أصبح متجاوزا، ولم يعد قادرا على تحقيق الأهداف والمقاصد التنموية، وقد أكد في هذا الصدد :” لقد أبان نموذجنا التنموي، خلال السنوات الأخيرة، عن عدم قدرته على تلبية الحاجيات المتزايدة لفئة من المواطنين، وعلى الحد من الفوارق الاجتماعية، ومن التفاوتات المجالية”، ونموذج تنموي مختل ومرتبك وقاصر، يفرض التعجيل في التفكير في بلورة “مشروع تنموي جديد” يحمل تنموية شاملة، تستثمر ما تم إنجازه من إصلاحات وما تم فتحه من أوراش تنموية كبرى، ويحمل رؤى وتصورات جديدة، تتأسس على “القدرة على فهم نبض المجتمع وانتظاراته، واستحضار المصلحة الوطنية العليا” بشكل يجعل جميع المغاربة على قدم المساواة أمام الفعل التنموي، وبروح مواطنة، قرر الملك إحداث اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي، قائلا في هذا الصدد : “قررنا إحداث اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي، التي سنقوم في الدخول المقبل، إن شاء الله، بتنصيبها، وقد راعينا أن تشمل تركيبتها مختلف التخصصات المعرفية، والروافد الفكرية، من كفاءات وطنية في القطاعين العام والخاص، تتوفر فيها معايير الخبرة والتجرد، والقدرة على فهم نبض المجتمع وانتظاراته، واستحضار المصلحة الوطنية العليا “.
وهذه اللجنة، ليست بحكومة ثانية ولا بمؤسسة رسمية موازية، وإنما هي هيئة استشارية، لها مهمة محددة في الزمن، وهي مطالبة كما أشار إلى ذلك الملك، بأن تأخذ بعين الاعتبار التوجهات الكبرى للإصلاحات التي تم أو سيتم اعتمادها، في عدد من القطاعات من قبيل التعليم والصحة والفلاحة والاستثمار والنظام الضريبي، في اتجاه تقديم الاقتراحات الضرورية القادرة على تجويدها والرفع من نجاعتها، وقد برزت مرة أخرى روح الملك/ المواطن، من خلال دعوة اللجنة أن ” تباشر عملها، بكل تجرد وموضوعية، وأن ترفع لنا الحقيقة، ولو كانت قاسية أو مؤلمة، وأن تتحلى بالشجاعة والابتكار في اقتراح الحلول. إن الأمر لا يتعلق بإجراء قطيعة مع الماضي، وإنما نهدف لإضافة لبنة جديدة في مسارنا التنموي، في ظل الاستمرارية. ويبقى الأهم هو التحلي بالحزم والإقدام، وبروح المسؤولية العالية، في تنفيذ الخلاصات والتوصيات الوجيهة، التي سيتم اعتمادها، ولو كانت صعبة أو مكلفة “، والاعتماد على “لجنة” لبلورة نموذج مشروع تنموي، ليس معناه القطع مع الماضي، ولكن هو إضافة لبنة جديدة في المسار التنموي في ظل الاستمرارية، التي تتأسس على تثمين التجارب الناجحة ودعمها بما يحقق نجاعتها، وفي نفس الآن تجاوز كل أشكال ومظاهر القصور والمحدودية، بالانفتاح على رؤى ومبادرات تنموية جديدة.
وقد ظل هاجس التنمية والارتقاء بالأوضاع الاجتماعية للمواطنين، حاضرا في صلب جميع الخطب الملكية، وفي هذا الصدد، ورغم دعوته إلى تنصيب لجنة تنظر في مشروع النموذج التنموي المرتقب، طالب الملك بأن يتواصل العمل بالمزيد من الالتزام والمسؤولية في تدبير الشأن العام والتجاوب مع قضايا وانتظارات المواطنين، محددا خارطة طريق تتأسس معالمها على الخصوص كما قال جلالته في ” الرفع من مستوى الخدمات الاجتماعية الأساسية، ومن أداء المرافق العمومية ” داعيا في هذا الصدد الحكومة ” للشروع في إعداد جيل جديد من المخططات القطاعية الكبرى، تقوم على التكامل والانسجام، من شأنها أن تشكل عمادا للنموذج التنموي، في صيغته الجديدة “، وليس المقصد الأساس أو الغاية المنشودة، هي تنزيل “مشروع تنموي جديد”، بل في أن يشكل هذا المشروع التنموي مدخلا للمرحلة الجديدة التي يتجه إليها المغرب تحت القيادة الملكية الرشيدة، قوامها المسؤولية والإقلاع الشامل واللحاق بركب البلدان المتقدمة.
مرحلة جديدة حبلى بالرهانات والتحديات الداخلية والخارجية، لامناص من كسبها، وقد حددها الملك، في أربعة، أولها “: رهان توطيد الثقة والمكتسبات” و “رهان عدم الانغلاق على الذات، خاصة في بعض ا لميادين، التي تحتاج للانفتاح على الخبرات والتجارب العالمية” و” رهان التسريع الاقتصادي والنجاعة المؤسسية ” وكذا ” رهان “العدالة الاجتماعية والمجالية”، وبما أن أية مرحلة جديدة تحتاج إلى نفس جديد وإلى جيل جديد من الكفاءات والقدرات، من أجل ضمان حسن التنفيذ والإنجاز والخلق والإبداع وإحداث التحول الجوهري المأمول، فقد كان هذا التوجه حاضرا في خطاب الملك محمد السادس، إذ أكد في هذا الاتجاه “فالمرحلة الجديدة ستعرف إن شاء الله، جيلا جديدا من المشاريع. ولكنها ستتطلب أيضا نخبة جديدة من الكفاءات، في مختلف المناصب والمسؤوليات، وضخ دماء جديدة، على مستوى المؤسسات والهيآت السياسية والاقتصادية والإدارية، بما فيها الحكومة”.
وهي رسالة واضحة المعالم موجهة للحكومة والأحزاب السياسية، في أن تتحمل مسؤولياتها المواطنة، بالتخلي عن منطق الصراعات الخفية والمعلنة، والابتعاد عن واقع الحسابات والمكاسب، وأن تفتح المجال للكفاءات والطاقات والقدرات الشابة، القادرة على مسايرة روح وفلسفة الإصلاح الملكي، بما يضمن نجاج “المشروع التنموي المرتقب” الذي يعول عليه، في تحقيق العدالة المجالية وقيادة المغرب نحو ركب البلدان المتقدمة، وعليه فاٌلإصلاح الحقيقي، يحتاج إلى مواطنين يستحضرون المصلحة العليا للوطن، وإلى سواعد أمينة وقلوب رحيمة ومبادرة، قادرة على الانخراط والإسهام الجماعي في بناء ورفع قواعد وطن جديد، يسع جميع المغاربة بعدالة ومساواة وإنصاف، وبالتالي، لامناص من القطع مع التعيينات التي تتحكم فيها الولاءات والمرجعيات الحزبية، وفتح الطريق أمام من تتوفر فيه شروط الكفاءة والاستحقاق وخدمة الوطن بصدق وأمانة وإخلاص.
وموازاة مع هاجس التنمية المجتمعية، يحضر هاجس الوحدة التراببة، الذي يكاد يحضر في مختلف الخطب الملكية، لذلك فقد خصص الخطاب الملكي حيزا زمنيا لملف الوحدة الوطنية والترابية، الذي تعزز بعدة مكاسب على الصعيد الأممي والإفريقي والأوربي، تفرض مواصلة التعبئة المجتمعية على كل المستويات، لتعزيز هذه المكاسب، و”التصدي -كما قال جلال الملك- لمناورات الخصوم. ويبقى المغرب ثابتا في انخراطه الصادق، في المسار السياسي، تحت المظلة الحصرية للأمم المتحدة. كما أنه واضح في قناعته المبدئية، بأن المسلك الوحيد للتسوية المنشودة، لن يكون إلا ضمن السيادة المغربية الشاملة، في إطار مبادرة الحكم الذاتي”.
وبرؤية ثاقبة، تستحضر الواقع وما يفرضه من تعاون واندماج مغاربي، وتقدر حجم مشاعر الأخوة المتبادلة بين الشعبين المغربي والجزائري، فقد التزم الملك بنهج “سياسة اليد الممدودة للأشقاء في الجزائر”، وقد أشار إلى ذلك بقوله ” ذلك أن التحديات الأمنية والتنموية، التي تواجهنا، لا يمكن لأي بلد أن يرفعها بمفرده. ومن هذا المنطلق، فإننا نؤكد مجددا التزامنا الصادق، بنهج اليد الممدودة، تجاه أشقائنا في الجزائر، وفاء منا لروابط الأخوة والدين واللغة وحسن الجوار، التي تجمع، على الدوام، شعبينا الشقيقين. وهو ما تجسد مؤخرا، في مظاهر الحماس والتعاطف، التي عبر عنها المغاربة، ملكا وشعبا، بصدق وتلقائية، دعما للمنتخب الجزائري، خلال كأس إفريقيا للأمم بمصر الشقيقة، ومشاطرتهم للشعب الجزائري، مشاعر الفخر والاعتزاز، بالتتويج المستحق بها، وكأنه بمثابة فوز للمغرب أيضا. فهذا الوعي والإيمان بوحدة المصير، وبالرصيد التاريخي والحضاري المشترك، هو الذي يجعلنا نتطلع، بأمل وتفاؤل، للعمل على تحقيق طموحات شعوبنا المغاربية الشقيقة، إلى الوحدة والتكامل والاندماج”، وهي رؤية حكيمة، لابد أن يكون لها صدى لدى الساسة في الشقيقة الجزائر، لأن ما يجمع البلدين الشقيقين وما يواجههما من رهانات وتحديات تنموية وأمنية، يفرض وضع اليد في اليد والجنوح نحو “مصالحة الأشقاء” وبناء جو من “الثقة”، بشكل يضمن الخير والنماء للبلدين الجارين .
هكذا إذن هي الخطب الملكية، يمكن أن تقرأ من عدة زوايا لما تحمله من مضامين ودلالات عميقة، وقد حاولنا من خلال هذا المقال، التفاعل مع خطاب العرش، الذي يصادف الذكرى العشرين، من خلال توجيه البوصلة نحو “الملكية: الوطنية والمواطنة”، وقدرتها على القرب المستدام من المواطن والاستجابة لقضاياه وتطلعاته، من منطلق الإحساس بعظمة الأمانة وجسامة المسؤولية، التي تشكل قوة دافعة، تجعل من “خدمة الشعب” الشغل الشاغل للملك محمد السادس، حتى ينعم جميع المغاربة، أينما كانوا، على قدم المساواة بالعيش الكريم، وهي دعوة إلى الإجماع الوطني حول ثوابت الأمة ومقدساتها، والتعبئة الجماعية في الانخراط الإيجابي في المرحلة الجديدة، التي سيؤسس لها “النموذج التنموي الجديد”، بما يتطلب ذلك، من مواطنة ومسؤولية وتحلي بالتضحية ونكران الذات، واستحضار المصلحة العليا للوطن، واستثمار ما ننعم به من أمن واستقرار وسكينة، من أجل بناء صرح وطن جديد يجسد “بيتنا المشترك”، وعلينا جميعا -كما قال جلالة الملك – ” أن نساهم في بنائه وتنميته، وأن نحافظ على وحدته وأمنه واستقراره.
مغرب يتسع لكل أبنائه، ويتمتع فيه الجميع، دون استثناء أو تمييز، بنفس الحقوق، ونفس الواجبات، في ظل الحرية والكرامة الإنسانية “، وهي فرصة للترحم على كل الشرفاء والأحرار الذين استشهدوا دفاعا عن الوطن ووحدته الترابية عبر التاريخ، ومناسبة لتحية كل من يرسم لوحات الرقي والتميز والإبداع والجمال،وتحية مماثلة، لكن من يتجند ويضحي من أجل وطن عزيز، نتقاسم فيه نفحات التاريخ وأريج الجغرافيا..
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.