الإيطالي 'لوتشيانو دارديري' يتوج بلقب النسخة 39 من جائزة الحسن الثاني الكبرى للتنس    عودة حركة الملاحة إلى طبيعتها بين طنجة وطريفة بعد تحسن الأحوال الجوية    شاطئ مالاباطا بطنجة يلفظ جثة شاب    رولينغ ستونز إفريقيا في قلب صحراء امحاميد الغزلان    عبد الإله صابر: إقصاء الوداد سقوط لمنظومة كاملة    وقفة تضامنية حاشدة في الحسيمة نصرة لفل سطين وتنديداً بالعدوان على غ زة    وزير الخارجية الفرنسي يعلن الاتفاق على بناء "شراكة هادئة" مع الجزائر    تشكيلة المنتخب الوطني المغربي لأقل من 17 سنة ضد منتخب تنزانيا    آلاف المعتمرين المغاربة عالقون في السعودية    جدل الساعة الإضافية : كلفة نفسية على حساب اقتصاد طاقي غير مبرر    "أساتذة الزنزانة 10" يعلنون الإضراب    مسيرة ضخمة بالرباط تندد بجرائم الاحتلال الإسرائيلي وحرب الإبادة في غزة    لوبن تدين "تسييس القضاء" بفرنسا    الذكاء الاصطناعي.. سوق عملاق يُهدد العدالة الرقمية    الوكالة الوطنية للمياه والغابات تواجه رفضا واسعا للتعديلات القانونية الجديدة    بوزنيقة: المكتب الوطني المغربي للسياحة: افتتاح أشغال مؤتمر Welcom' Travel Group'    المغرب يحدد منحة استيراد القمح    سطاد المغربي في ربع نهائي الكأس    تأجيل تجمع "مواليد 2000 فما فوق"    إنريكي: حكيمي لاعب متعدد الأدوار    الإقصاء من كأس العرش يجمع إدارة الوداد بالمدرب موكوينا    بيانات: المغرب ثاني أكبر مستورد للقمح الطري من الاتحاد الأوروبي    العربية للطيران تطلق خطا جويا جديدا بين الناظور ومورسيا    الرصاص يوقف هائجا ويشل حركة كلبه    القضاء الهولندي يصدر حكما غير مسبوق ضد زعيم شبكة مغربية للابتزاز    توقيف مروجين للمخدرات الصلبة بحي الوفاء بالعرائش    بعد انخفاض أسعار المحروقات وطنياً.. هذا هو ثمن البيع بمحطات الوقود في الحسيمة    لاف دياز: حكومات الجنوب تستبعد القضايا الثقافية من قائمة الأولويات    وزان تحتضن الدورة الأولي لمهرجان ربيع وزان السينمائي الدولي    الجسد في الثقافة الغربية 11- الجسد: لغة تتحدثنا    سجل عشاق الراكليت يحطم رقمًا قياسيًا في مدينة مارتيني السويسرية    دش الأنف يخفف أعراض التهاب الأنف التحسسي ويعزز التنفس    "قافلة أعصاب" تحل بالقصر الكبير    محمد نوفل عامر يوسم وسام الاستحقاق الكشفي    الرباط تصدح بصوت الشعب: لا للتطبيع..نعم لفلسطين    أوبك بلس تؤكد عدم إجراء أي تغيير على سياسة إنتاج النفط    السفارة الأمريكية توجه تحذيرا لرعاياها بالمغرب    لسعد الشابي: الثقة الزائدة وراء إقصاء الرجاء من كأس العرش    أمن طنجة يوقف أربعينيا روج لعمليات اختطاف فتيات وهمية    من التفاؤل إلى الإحباط .. كيف خذل حزب الأحرار تطلعات الشعب المغربي؟    توضيحات تنفي ادعاءات فرنسا وبلجيكا الموجهة للمغرب..    مدريد تحتضن حوار الإعلاميين المغاربة والإسبان من أجل مستقبل مشترك    وزارة الزراعة الأمريكية تلغي منحة مخصصة للمتحولين جنسيا    توقعات أحوال الطقس اليوم الأحد    ترامب يدعو لخفض أسعار الفائدة: الفرصة المثالية لإثبات الجدارة    المغرب يتوعد بالرد الحازم عقب إحباط محاولة إرهابية في المنطقة العازلة    يوم غضب أمريكي تحت شعار "ارفعوا أيديكم".. آلاف الأميركيين يتظاهرون ضد ترامب في أنحاء الولايات المتحدة    "لن أذهب إلى كانوسا" .. بنطلحة يفضح تناقضات الخطاب الرسمي الجزائري    طنجة .. وفد شبابي إماراتي يطلع على تجربة المغرب في تدبير قطاعي الثقافة والشباب    دعم الدورة 30 لمهرجان تطوان لسينما البحر الأبيض المتوسط ب 130 مليون سنتيم    بحضور عائلتها.. دنيا بطمة تعانق جمهورها في سهرة "العودة" بالدار البيضاء    الوديع يقدم "ميموزا سيرة ناج من القرن العشرين".. الوطن ليس فندقا    تكريم المغرب في المؤتمر الأوروبي لطب الأشعة.. فخر لأفريقيا والعالم العربي    العيد: بين الألم والأمل دعوة للسلام والتسامح    أجواء روحانية في صلاة العيد بالعيون    طواسينُ الخير    تعرف على كيفية أداء صلاة العيد ووقتها الشرعي حسب الهدي النبوي    الكسوف الجزئي يحجب أشعة الشمس بنسبة تقل عن 18% في المغرب    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



هل يغير مجلس كبار علماء السعودية موقفه من الأشاعرة بعد مؤتمر غروزني؟
نشر في العمق المغربي يوم 07 - 09 - 2016

لقد نزل بيان مؤتمر الشيشان على علماء السعودية كالصاعقة، لأنه نزع منهم صفة الانتماء لأهل السنة والجماعة، وهي الصفة التي احتكروها لعقود ونفوها عن غيرهم من التوجهات العقدية المتواجدة في هذه الأمة المعاصرة [1]، وهذه الصفة التي تعني الانتماء للفرقة الناجية وردت في الحديث النبوي الشريف الذي يحذر فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمة من أن تزيغ عن ما كان عليه هو وأصحابه صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه عبد الله بن عمرو حيث يقول فيه عليه الصلاة والسلام: " وإن بني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة، وتفترق أمتي على ثلاثة وسبعين ملة، كلهم في النار إلا ملة واحدة، قالوا: ومن هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي" رواه الإمام الترمذي وقد روي الحديث من طرق أخرى.
وكان أكثر أهل العلم يدعون الله تعالى بأن يميتهم على مذهب أهل السنة والجماعة، فيقول بعد الحمدلة والتصلية على النبي صلى الله عليه وسلم ما نصه: " اللهم بفضلك العميم عمنا، واكفنا اللهم شر ما أهمنا وأغمنا وعلى الإيمان الكامل والسنة والجماعة توفنا نلقاك وأنت راض عنا" فكانت أمنيتهم الموت على عقيدة أهل السنة والجماعة، الذين عناهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله:" لا تجتمع أمتي على ضلالة" في الحديث المتواتر معنى، والمتواتر في المعنى كالمتواتر في اللفظ.
وهو نفس المعنى الذي ذهب إليه الإمام الشاطبي في الاعتصام حيث قال: " لزوم الجماعة هو مقصد إسلامي كبير"
إن الأمر إذن خطير غاية الخطورة، وكل طرف أقصي من هذه الجماعة معناه الحكم عليه بالنار انطلاقا من الحديث النبوي الشريف، وهو، بمعنى من المعاني، أشبه بتكفيره.
ولهذا السبب ثارت ثائرة مجلس كبار علماء السعودية، وضاقت بهم الأرض بما رحبت، لإدراكهم لخطورة الموقف الذي قد يعني عزل السعودية وإقصاؤها والحكم عليها بالضلال والابتعاد عن جادة الصواب وتحميلها كل تداعيات الفكر الإرهابي والتطرف الفكري والمنهج التكفيري الذي تتبناه مجموعة من الجماعات الإرهابية في العالم العربي والتي تعتمد على فكر محمد بن عبد الوهاب أساسا.[2]
علماء السعودية قبل مؤتمر غروزني وبيان الدكتور يوسف القرضاوي:
إن علماء السعودية بهذه الغضبة الشرسة التي صدرت عنهم كرد فعل تجاه إقصائهم من أهل السنة والجماعة، يكونون قد اكتووا بنفس النار التي طالما استعملوها لحرق الأشاعرة، وقبل إعطاء بعض الأدلة على هذا التوجه الذي نهجه علماء السعودية نقدم شهادة من أحدهم وهو حاتم العوني الداعية السعودي الذي حضر المؤتمر حيث قال: أعلم أن عامة السلفية لن يرضوا حتى لو أدخلوهم معهم في لقب أهل السنة والجماعة؛ لأنهم كانوا - وما زالوا - يحتكرون هذا اللقب، ويبدعون ويضللون، وربما كفّروا مخالفهم، فهم لن يرضوا إلا أن يكونوا هم وحدهم أهل السُّنة والجماعة".
وتابع يقول: "لا يحق لمن مارسوا التبديع والتضليل والإقصاء لعقود أن يعيبوا من قابل إقصاءهم بإقصاء وتضليلهم بتضليل، ولكن يحق لمن كان يتسع معتقدُه وتقريره وإنصافُه للجميع أن يكونوا تحت مظلة أهل السُّنة والجماعة أن يعتب على البيان بأنه قابل الإقصاء بإقصاء، والتبديع بتبديع".[3]
وسنقدم فقط بعض الأمثلة من الكتب الأكثر اعتمادا في السعودية لتتضح الصورة جلية على ما قلناه، من ذلك قول صاحب موارد الظمآن لدروس الزمان عبد العزيز السمان حيث يقول: " أهل البدع مرضى القلوب ويخشى على من خالطهم أو اتصل بهم أن يصل إليه من ما بهم من هذا الداء العضال، لأن المريض يعدي الصحيح ولا عكس، فالحذر الحذر من أهل البدع الذين يجب الابتعاد عنهم وهجرانهم: الجهمية والرافضة، والمعتزلة، والماتريدية، والخوارج، والصوفية، والأشاعرة، فينبغي للمسلم أن يحذرهم ويحذر منهم"[4] فهذا العالم السعودي الكبير والمعتبر يحذر العالم الإسلامي من المغاربة والتونسيين والمصريين والسودانيين والشاميين واليمنيين والأردنيين والأتراك وغيرهم أي من تسعة أعشار أهل الأرض من المسلمين...ويحذرهم من الإمام ابن حجر العسقلاني والإمام النووي والرازي والباقلاني والغزالي وابن رشد والذهبي والسبكي والهيثمي والإيجي والباقلاني وابن فورك والبيهقي والباجي والجويني ومحمد الفاتح وصلاح الدين الأيوبي والقرضاوي والعلامة مصطفى بن حمزة واسماعيل هنية...إذن هي دعوة إلى تقسيم الأمة وتكفيرها والتحذير من علمائها قديما وحديثا.
ومتى كان الأشاعرة والماتريدية من أهل البدع وهم الذين ناصروا السنة ونافحوا عنها؟ وإذا كان المالكية والشافعية والحنفية وبعض فضلاء الحنابلة أشاعرة هل نحذر أبناء الأمة الإسلامية من الأمة الإسلامية نفسها ؟.
وقد صنف أستاذ العقيدة بجامعة أم القرى سفر الحوالي كتابا سماه "منهج الأشاعرة في العقيدة" يصف فيه الأشاعرة بأنهم مبتدعة وأصحاب هوى ولا علاقة لهم بأهل السنة والجماعة كما أنه يصفهم بأنهم جهمية [5]، وقد رد عليه غير واحد من علماء الأشاعرة على رأسهم الدكتور عبد العزيز الإدلبي بكتاب علمي رصين سماه: "عقائد الأشاعرة في حوار هادئ مع شبهات المناوئين"
وعلى غرار ما كتبه الدكتور سفر الحوالي، ألف عديد من علماء السعودية مؤلفات في تكفير العلماء قديما وحديثا، وحتى الأمين العام لرابطة علماء المسلمين الدكتور يوسف القرضاوي، الذي دافع عنهم بعد مؤتمر غروزني، لم يسلم من ذلك حيث كتب العلامة الشيخ مقبل بن هادي الوادعي كتابا سماه: إسكات الكلب العاوي يوسف القرضاوي، وكتب الشيخ المدخلي كتابا سماه: العواصم مما في كتب سيد قطب من القواصم والذي يصف فيه سيد قطب بالمنحرف عن الإسلام لكونه يقول بنظرية وحدة الوجود... وأما الشيخ الجليل محمد الغزالي رحمه الله فقد أبكوه غير ما مرة، حتى أن وفاته كانت بسبب دبحة صدرية تسبب فيها أحد تلامذة هؤلاء وهو يتهم الشيخ الجليل بمحاربة السنة، فانفعل الشيخ وعلا صوته موضحا وشارحا ومدافعا عن موقفه من السنة حتى خر ميتا. إن كتابات علماء السعودية تكاد لا تخلوا من هكذا فكر واقرأ إن شئت كتابات محمد بن عبد الوهاب وعمر الأشقر وابن العثيمين وغيرهم كثير.
وقد هالني ما وجدته من حذر علماء السعودية وتحذيرهم من العقيدة الأشعرية وأنا أقارن بين النسخة الأصلية من كتاب رسالة الشرك ومظاهره للعلامة مبارك الميلي الجزائري أمين مال جمعية علماء المسلمين وبين النسخة التي تم مسخها وتحريفها وذلك بحذف العقيدة الأشعرية من الكتاب، وما استهواهم في الكتاب هو الاهتمام الكبير بموضوع الشرك لكونه أسهل طريق نحو التكفير. يقول مدير دار النشر في مقدمة الطبعة الأولى: " وجدنا أن به بعض الملاحظات (هذه الملاحظات هي العقيدة الأشعرية) ، فبدا لنا أن نعرضه على بعض المشايخ، وكان كذلك أن أرسلنا نسخة إلى الشيخ بكر أبو زيد، وأرسل إلينا ملحوظاته على الكتاب، وتمت مراجعة الكتاب ثانية من قبل أبي الهيثم إبراهيم بلجنة التحقيق بالدار وتم عمل تقرير إضافي وأرسلنا كليهما للشيخ أبو عبد الرحمان محمود محقق الكتاب، وثم أرسل إلينا النسخة بعد التصحيح وبعد مراجعة لجنة التحقيق بالدار تم تقرير آخر باستدراكات أخرى وتم إرساله للمحقق، وضبطت النسخة وأعيدت للصف لتجهيز الطباعة"
كل هذه التحركات والاتصالات و الاستدراكات وكل هذه التقارير من أجل إدخال التحريفات وتغيير فكر صاحب الكتاب دون أدنى أمانة ولا خوف من الله لأنه أشعري العقيدة. والقارئ إذا قرأ النسخة الأصلية وقارنها بما نشرته دار الراية السعودية يرى عجبا وتحريفات خطيرة وقعت في مضامين الكتاب الذي يتحدث عن الشرك مخاطبا المسلمين من أجل معالجة سلوكيات تدل على الشرك الأصغر فتحول إلى كتاب يخاطب الأمة وكأنها كفرت بعد إيمانها.
وتعقيبات المحقق مغرضة تنسف ما لا يتوافق مع توجهها وسنضرب أمثلة على ذلك. يقول مثلا في الصفحة 49 في الهامش معلقا على الشيخ الميلي: " المراد بأهل السنة عند البيهقي وابن عساكر الأشاعرة والماتريدية، فكلاهما اشعري، والانحراف عندهم أشد." وفي الصفحة 52 يقول متحدثا عن الإمام السبكي رحمه الله: "والسبكي أشعري قبوري" أي يذم الأشاعرة ويعتبرهم قبوريين، والقبوريون عند هذا الصنف من الدعاة مشركون، لكونهم يزورون القبور ويبنون فوقها.. وكما لا يخفى، هذا فكر يؤسس للتكفير بل وقد فعلوا لأنهم لا يعتبرون العديد من علماء الأمة كابن حجر والنووي من أهل السنة والجماعة لأنهم أشاعرة.
ما بعد مؤتمر غروزني وبيان الدكتور يوسف القرضاوي:
إن الضربة القاضية التي تلقاها مجلس كبار علماء السعودية وذلك بالتشطيب عليهم من لائحة المنتمين لأهل السنة والجماعة من خلال بيان المؤتمر، داوى جراحها الأمين العام للإتحاد العالمي لعلماء المسلمين الدكتور يوسف القرضاوي بسرعة فائقة، مما جعل الكرة الأرضية ترتج وتدخل في نقاشات هستيرية ومراطونية الإيجابي فيها أن الأشعرية والماتريدي من جديد أخذت الصدارة في الحوار والنقاش وهو عامل إيجابي سيعيد لهذا التوجه العقدي منزلته الحقيقية التي تبوأها على مدى قرون، كما سيتم فتح نقاش واسع جديد يتناول بالبحث والتقصي والغربلة في أفكار ابن تيمية وحقيقة دعوة محمد بن عبد الوهاب، كما تعتبر فرصة سانحة للعلماء العاملين الصادقين في السعودية لمراجعة العديد مما كانوا يظنونه إلى حد قريب هو الحق والصواب وما دونه الخطأ والباطل.
ولكن بعد بيان الدكتور يوسف القرضاوي، كنا نعتقد أن علماء السعودية أجمعون سيتماهون مع الهدية النفيسة، غير المتوقعة، التي تقدم بها الدكتور يوسف القرضاوي لعلماء آل سعود، وذلك بدعوته إلى توحيد الأمة وجمع شملها ونبذ كل الخلافات في وقت تكالبت فيه الأمم على الأمة الاسلامية كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها.
وفي الوقت الذي يدعو فيه بيان علماء السعودية إلى وحدة الصف وعدم تشتت الأمة نجد البعض منهم لا يزال يعزف على السمفونية القديمة وهي القذح في الأشاعرة وكأن أبا الحسن الأشعري أو الإمام الباقلاني أو ابن فورك أو ابن عساكر هم الذين ترأسوا مؤتمر غروزني ودعوا إلى إخراج السعودية من الملة.
فإذا بأستاذ الفقه في جامعة أم القرى السعودية، الدكتور محمد بن السعيدي، يصف مؤتمر غروزني بكونه يهدف إلى إعادة العقل المسلم إلى الخرافة وسدنة القبور، أي هي عودة للتنقيص والسب والشتم في الأشاعرة والصوفية من جديد، في الوقت الذي يخطئ الدكتور محمد البراك، عضو رابطة علماء المسلمين، في التعبيير فيقع في تفريق المسلمين وتقسيم صفهم حيث قال: في مؤتمر الشيشان أراد المتآمرون إخراج أهل السنة فأخرجوا أنفسهم. وهو تصريف لا يزال يتغذى بمنطق الاحتكار والإقصاء، أما حاكم المطير فوصف المؤتمر بأنه توظيف للطرق الصوفية في حرب روسيا الصليبية في سورية.
ربما نجد الخطأ الذي ورد في بيان مؤتمر غروزني هو حصر أهل السنة والجماعة وتضييقها دون فتح الباب لكل من وافق الكتاب السنة ونهج نهج السلف الصالح من صحابة وتابعين، أي خير القرون، كما قال الإمام الجلال الدواني رحمه الله " الفرقة الناجية وهم الأشاعرة أي التابعون في الأصول للشيخ أبي الحسن الأشعري فإن قلت: كيف حكم بأن الفرقة الناجية هم الأشاعرة؟ وكل فرقة تزعم أنها ناجية؟ قلت سياق الحديث مشعر بأنهم – يعني الفرقة الناجية – المعتقدون بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وذلك إنما ينطبق على الأشاعرة، فإنهم متمسكون في عقائدهم بالأحاديث الصحيحة المنقولة عنه صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه، ولا يتجاوزون عن ظواهرها إلا لضرورة، ولا يسترسلون مع عقولهم كالمعتزلة" والشاهد عندنا هو قوله: "والإقتصار على الأشاعرة في نصوص الأئمة وأهل العلم إنما لكونهم أغلب أهل السنة، فلا يفهم منه إخراج غيرهم من طوائف أهل السنة من الفرقة الناجية، فمن لم يكن منهم متبعا للإمام الأشعري فهو موافق له"[6]. وكان الإمام ابن عجيبة يقول: " أما أهل السنة فهم الأشاعرة ومن تبعهم في اعتقادهم الصحيح، كما هو مقرر في كتب أهل السنة"[7]
أي إن تحديد فئات معينة بالضبط على سبيل الحصر يعد خللا جسيما لم يقل به الأولون من علماء الإسلام. وإنما بالإضافة لتحديدهم لأكثر الفرق اتباعا لكتاب الله وسنة رسول الله وعلى ما كان عليه صحابته الكرام وتابعوهم بإحسان، حددوا معايير الانتماء بأهل السنة والجماعة، أي إن أي فرقة رأت في ذاتها أنها تنهج نهج هؤلاء فهي منهم، وأي فرقة رأت أنها تنأى عن عقيدة هؤلاء فهي مطالبة بتقديم مراجعات عميقة في عقيدتها وفكرها.
وبعيدا عن القراءات السياسية التي تلت مؤتمر غروزني، يمكن القول بأن الذين دعوا إلى هذا المؤتمر والذين انتقوا له عنوانا هو " من هم أهل السنة والجماعة؟" إنما عقدوه من أجل رد الاعتبار إلى العقيدة الأشعرية[8] التي ظلت تجلد ويقصى أهلها من أهل السنة والجماعة فرموا بشتى النعوت فتارة بالقبوريين وتارة بالمؤولة وتارة بأهل البدع والضلال، وأحيانا بالجهمية، وأحيانا بأهل الشرك والتوسل بالأولياء والأنبياء والصالحين.
وبما أن مجلس كبار علماء السعودية قد خرج ببيان يدعو فيه إلى وحدة الصف ولم الشمل وغض الطرف عن الاختلافات التي ما هي إلا نتيجة اجتهادات يصيب فيها من يصيب ويخطئ فيها من يخطئ، وأن الأمة في هذه المرحة في اشد الحاجة لتكون أمة واحدة.
فإن علماء السعودية مطالبون الآن بتقديم مراجعات جوهرية، وفتح المجال للدخول في حوارات مطولة تكون فيها مكاشفات ومناظرات ومطارحات تنال بالحوار والنقاش كل المسائل العقدية التي كانوا يعتبرونها إلى حد قريب من المسلمات، وإن الاختلاف فيها تم تحويله إلى سهام ترمي المخالفين بالكفر والبدع والخروج عن أهل السنة والجماعة. إن الادعاء بحتمية توحيد الأمة الإسلامية مراعاة للتحديات الجسام التي تعترضها، والخطوب والمخاطر التي تحيط بها، يجب أن يكون له ما يبرره على أرض الواقع أقله الكف عن تكفير العلماء قديما وحديثا و الكف عن رميهم بما لا يليق في حقهم وهم الذين تصدوا لأعتى الفرق الكلامية في وقت لم يجرؤ أحد على حوارهم أو الدخول في نقاش معهم، إن أي طعن في علماء الأمة وإخراجهم من معتقد أهل السنة والجماعة لا يزيد هذه الأمة إلا تمزقا وتفرقا أكثر مما هي عليه.
1- مدارس أهل السنة و الجماعة عند التيار السلفي الوهابي هي كما يراها ابن تيمية الذي يعمل على تقسيم أهل السنة إلى قسمين : أهل السنة بالمعنى الأعم و يقصد به الاتجاه العقدي المقابل للشيعة، وأهل السنة بالمعنى الأخص، ويقصد به أهل الحديث والاتجاه الحنبلي السلفي، وبهذا التقسيم يقصي ابن تيمية الاشعرية والماتريدية، ، وهو تقسيم خطير لأنه يقصي نصف العالم الإسلامي، ومن شأن هذا الإجراء أن يفرق الأمة و لا يجمعها، بمعنى أن علماء السعودية كانوا سباقين إلى الإقصاء وإخراج العديد من الفرق من دائرة أهل السنة والجماعة.
2--منه قول محمد بن عبد الوهاب في كتابه " كشف الشبهات في التوحيد" شرح محب الدين الخطيب ص 4: "إن شرك الأولين أخف من شرك هؤلاء في زماننا" ويقول: إن جهال الكفار أعلم بلا إلاه إلا الله من هؤلاء، ولا خير في رجل جهال الكفار أعلم منه بمعنى لا إلاه إلا الله. وهو نفس الفكر التكفيري الذي استشرى في أتباعه المعاصرين من العديد من علماء السعودية حيث يقول أحدهم وهو أحمد باشميل في كتابه كيف نفهم التوحيد مطبعة الرياض السعودية، ص 16:" أبو جهل وأبو لهب أكثر توحيدا وأخلص يمانا به من المسلمين الذين يقولون لا إلاه إلا الله محمد رسول الله ويتوسلون بالأولياء والصالحين"
3- سامح أبو الحين، مجلة المجتمع عدد 3شتمبر 2016
4- عبد العزيز السلمان، موارد الظمآن لدروس الزمان، المجلد 1، ص 7.
5- هذه الصفة كان يستعملها ابن تيمية الذي كان يعتبر الأشاعرة وبعض الفرق الأخرى جهمية مع وجود الفوارق الكبيرة بين الأشاعرة والجهمية منها أن الأشاعرة يثبتون الصفات والجهمية ينفونها كما أن الجهمية يقولون بالجبر خلافا للأشاعرة.
6- شرح العقائد العضدية الجزء الأول، ص 34
7- تفسير الفاتحة الكبير المسمى " البحر المديد"، ص 607
8- يتم الاكتفاء بذكر الأشاعرة دون الماتريدية على أساس أن الماتريدية والأشعرية في العقيدة واحد لكون الاختلافات التي كانت بينهما معدودة وهي اختلافات بسيطة أكثرها لغوي.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.