عفوكم يا سادة، لكنني لا أتفق مع ما تذهبون إليه، في مقالاتكم وحواراتكم، من أن أحزابنا الوطنية، لم تعد صالحة لقيادة المرحلة القادمة، التي أفرزتها التطورات الأخيرة، ابتداء بالثورات العربية، وحركة 20 فبراير، وخطاب 09 مارس، والدستور الجديد، والانتخابات السابقة لأوانها التي ستجرى في ال25 من يونيو القادم. أحزابنا الوطنية جميعها، تلك المنحدرة من الحركة الوطنية، أو التي كانت توصف ب”الإدارية”، الأحزاب الصغيرة، أو الحديثة النشأة، تقوم بمجهودات جبارة من أجل القيام بواجبها الوطني في التنزيل الأمثل لمضامين الدستور الجديد... ورغم كل ما يقال عن ترهلها وعجزها أو تقادم زعاماتها.. لا يزال في جعبتها الكثير مما يمكنها أن تفاجئنا به. ألا ترون العمل الجبار الذي تقوم به هذه الأيام، وبرلمانييها يخوضون الاجتماع وراء الاجتماع، لمناقشة وتعديل والمصادقة على حزمة القوانين اللازمة لإنجاح الانتخابات المقبلة، حتى أن الحكومة سحبت مشروع قانون المالية للسنة المقبلة، لما لمسته من إرهاق أصابهم.. ألم تنتبهوا لتحركاتها الأخيرة، وهي تسعى إلى عقلنة المشهد الحزبي بتشكيل تكتلات واسعة، كان آخرها الإعلان عن مولود جديد بثمانية رؤوس، ورغم كل ما يمكن أن يقال عن هذا التحالف فإنها خطوة في الاتجاه الصحيح... اعلموا، أن الأمور ليست بالبساطة التي تتصورون، “أو لي كال الطعام بارد يدير يديه”، ليقيس سخونة الوضع الداخلي للوطن، وكلكم تعرفون هذا الوضع الكارثي لا في الميادين الاقتصادية أو الاجتماعية أو غيرها. ستقولون أن جزء كبيرا من هذه المشاكل تتحملها هي، فأقول، ولذلك لم تترك المعترك وتنسحب بهدوء، فهي تريد تحمل مسؤولياتها حتى الرمق الأخير... ولا تعتقدوا أنني بدفاعي عنها، طامع في منصب أو امتياز مما ترون أو تسمعون عنه، من مثل السيارة “الأودي”، التي كان يكتريها السيد بلخياط، فكل هذا، لا يتناسب مع المعاناة والضرر الذي يتحمله وزراؤها من أولئك العاطلين عن العمل، الذين لم يعد يكفيهم التظاهر في الشوارع، بل أصبحوا يقتحمون عليهم مكاتبهم الفارهة، وبناياتهم المكيفة، ويوقفون مواكبهم الباذخة.. ورغم كل هذا، فهم صامدون في أماكنهم، فاتحين صدورهم لانتقاداتهم ومطالبهم المشروعة، واعدين بتحقيقها كلها، إذا تحقق المراد بتصدرهم قائمة الانتخابات، وفوزهم برئاسة الحكومة... في الحقيقة، إن كل ما ذكرته أعلاه، عن الجهود التي تبدلها أحزابنا، لا يمكن أن يقنع أحدا، برغبتها، خاصة الكبيرة منها، في القطع مع ثقافتها البائدة، والكل يرى كل يوم تهافتها منذ الآن على كراسي البرلمان بغرفتيه، بكل ما أوتيت من “صنطيحة وتخراج العينين”. فبدل أن تهتم بتأهيل هياكلها الداخلية وتنظيم مؤتمراتها وصياغة برامجها، تتصدى لمسائل تقنية مرتبطة بالقوانين التنظيمية لمجلسي البرلمان، واللائحة الوطنية، وهلم جرا من قوانين وتشريعات، تبقى في الأخير مجرد وسيلة للوصول إلى الأهم: انبثاق برلمان وحكومة قادرة على رفع التحديات الآنية والمستقبلية التي تواجهها بلادنا. الأحزاب في الديمقراطيات العريقة، تعد قاطرة لطموحات الشعوب، وآلية لبلورة المشاريع، التي ينتجها المجتمع، من خلال صراع مكوناته الحية، وإفراز النخب القادرة على تنزيل هذه المشاريع على أرض الواقع. في المغرب، ارتبطت الظاهرة الحزبية بالحركة الوطنية، في صراعها مع المستعمر والنضال من أجل الاستقلال، ثم استخدمت بعده (الاستقلال) كآلية من آليات الصراع مع القصر حول السلطة، لذلك، فهي لم تهتم ببلورة مشاريع مجتمعية متكاملة، واعتمدت التجييش والديماغوجية، وقد ظهر جليا ذلك أثناء قيادتها لتجربة التناوب، التي اعترضتها عوائق موضوعية، حالت دون نجاحها في مهمتها، لكن، لا يمكن كذلك السكوت عن المعيقات الذاتية التي كان لها نصيب وافر في إخفاقها. هي إذا لم تأت نتيجة لتناقضات مجتمعية أو صراعات طبقية، يكون الحزب الممثل لها، بل جاءت نتيجة التحديث السياسي الذي فرضه المستعمر، وهذا ما لاحظه الأنتروبولوجي المغربي “عبد الله حمودي” في كتابه “الشيخ والمريد”، حين أقر، أن الأحزاب المغربية، رغم أنها ذات هيكلة حديثة، فهي تشتغل وفق ذهنية تقليدانية. فما هو الحل إذا، فإما أن نعترف بعجزها ونقوم بتجاوزها، أو إصلاحها بشكل عميق؟ بالنسبة لي، أعتقد، أنه لا مناص من إعطائها فرصة لكي تتقوى وتنضج، خاصة في ظل المتغيرات السياسية الطارئة، أما القفز عليها، فلن يؤدي في آخر المطاف، إلا لاجترار التجار السابقة، دون التأسيس لتقاليد حزبية تدخلنا في صميم الدولة الحديثة... إذا كان الشعار السياسي الذي ساد في مرحة سابقة، هو: “النضال الديمقراطي من داخل المؤسسات”، فإنني أقترح شعارا يصلح للمرحلة القادمة: “النضال الديمقراطي من داخل الأحزاب”.