المغرب وطن واحد يحتضن أبناءه جميعًا، بمختلف أصولهم وانتماءاتهم الجغرافية، وكل فرد فيه يحمل حبًا صادقًا لترابه ويسعى لنهضته. الوطنية ليست شعارًا أجوف، بل إحساس متجذر في قلوب المغاربة، يتجلى في ارتباطهم العميق بوطنهم وسعيهم الدائم إلى خدمته. لكن إلى جانب هذا الانتماء الوطني الجامع، يظل لكل فرد جذور ضاربة في تربة مدينته أو قريته، ذلك المكان الذي شهد خطواته الأولى، احتضن ذكرياته، وشارك في صقل شخصيته وهويته. تزنيت.. عشق لا يشيخ تزنيت ليست مجرد نقطة على الخريطة، بل هي مدينة ذات تاريخ ضارب في القدم، وموروث ثقافي غني، وهوية أمازيغية متجذرة. أهلها لا يعتبرونها فقط مكانًا للعيش، بل قطعة من أرواحهم، تعكس قيمهم وعاداتهم، وتشكل امتدادًا وجدانيًا لهم حيثما حلّوا وارتحلوا. لذلك، من الطبيعي أن يعبروا عن اعتزازهم بها، وحرصهم على مستقبلها، مثلما يفعل أبناء فاس مع مدينتهم العريقة، أو أبناء مراكش مع عاصمتهم التاريخية. لكن، ما يثير التساؤل في المشهد المحلي، هو واقع التدبير الذي تعيشه تزنيت. فهل من المنطقي أن يتولى شؤون المدينة بعض من لا علاقة له بها وجدانيًا أو مجتمعيًا؟ كيف لشخص لا يحمل همَّ هذه الأرض ولا يفهم تفاصيلها وتاريخها أن يكون مؤهلًا لاتخاذ قرارات مصيرية تخصها؟ الأسوأ، أن نجد بعض هؤلاء المسؤولين، بدلًا من خدمة المدينة، يسعون إلى إقصاء أبنائها الحقيقيين، والتضييق على كل من يرفع صوته دفاعًا عنها أو يتساءل عن مستقبلها. تزنيت ليست غنيمة سياسية الحديث هنا ليس رفضًا للآخر، ولا دعوة للانغلاق على الذات، لكن من المنطقي والبديهي أن يكون من يدير أي مدينة شخصًا يعرفها عن قرب، ويدرك احتياجاتها، ويشعر بانتماء حقيقي لها. أما أن تتحول المناصب إلى مجرد مكاسب ظرفية، أو إلى أوراق تُلعب في سياق حزبي ضيق، فهذا ما يرفضه كل من يملك ذرة غيرة على تزنيت. تزنيت، مثل باقي المدن المغربية، تستحق أن تُدار بكفاءة ونزاهة، لا وفق الولاءات السياسية أو المصالح الفئوية. التنمية الحقيقية لا تتحقق بالشعارات، بل بقرارات نابعة من إرادة صادقة لخدمة الساكنة، لا لخدمة أجندات خفية أو طموحات شخصية. الساكنة مطالَبة باليقظة إذا كان هناك من يرى في تزنيت مجرد فرصة للوصول إلى منصب أو تحقيق مكاسب ظرفية، فإن مسؤولية التصدي لهذه الظواهر تقع أولًا على عاتق أبناء المدينة. لا يمكن أن يستمر نهج اللامبالاة أو الصمت أمام ما يحدث، لأن المدينة ليست مجرد بنايات وشوارع، بل هوية وتاريخ ومستقبل أجيال. الساكنة مدعوة إلى المشاركة الفعالة في رسم مستقبل مدينتها، سواء عبر مساءلة المسؤولين، أو من خلال المشاركة الواعية في الاستحقاقات الانتخابية، واختيار من يستحق الثقة فعلًا، وليس من يبيع الوعود في موسم الانتخابات ثم يختفي بعد ذلك. تزنيت أولًا.. الوطن أولًا حب الوطن لا يتعارض مع حب المدينة، والانتماء المحلي ليس نقيضًا للوحدة الوطنية، بل هو إحدى ركائزها الأساسية. لا يمكن الحديث عن تنمية وطنية عادلة دون احترام خصوصيات كل منطقة والاعتراف بحق أبنائها في المساهمة في تسيير شؤونها. تزنيت ليست عقارًا للبيع، ولا إرثًا قابلاً للقسمة، بل هي مسؤولية يتقاسمها كل من يحبها بصدق. لذلك، يبقى السؤال الأهم: من يدير المدينة اليوم، ولمصلحة من؟ والإجابة عنه، لا بد أن تتجاوز الشعارات، لتصل إلى جوهر الحقيقة التي تعيشها المدينة يوميًا.