نظمت البعثة الدائمة للمملكة المغربية, اليوم الثلاثاء بجنيف , مائدة مستديرة حول الحكم الذاتي باعتباره أسمى مرحلة لنضج مبدإ تقرير المصير, وذلك في إطار الدورة ال15 لمجلس حقوق الإنسان التابع لمنظمة الأممالمتحدة. وخصص هذا اللقاء لتقديم ومناقشة خلاصات الندوة الدولية التي نظمت يوم سادس أكتوبر 2009 حول هذا الموضوع من طرف مركز الأمن السياسي الذي يوجد مقره بجنيف. وقام بتنشيط هذه المائدة المستديرة السيد عمر هلال السفير الممثل الدائم للمغرب لدى مكتب الأممالمتحدة بجنيف, بمشاركة آن مانديفيل , أستاذة محاضرة بجامعة تولوز , ومارك فينو , مدير المقررات بمركز الأمن السياسي بجنيف. كما تميز هذا اللقاء بمشاركة عدة سفراء ودبلوماسيين أفارقة وعربا وآسيويين وأوربيين , وكذا ممثلي منظمات دولية غير حكومية . وخلال هذا اللقاء, قدم السيد هلال توطئة حول نظام الحكم الذاتي وتطابقه مع مبدإ تقرير المصير , في ضوء "المبادرة المغربية للتفاوض حول نظام للحكم الذاتي لجهة الصحراء". وأوضح أن المبادرة المغربية للحكم ذاتي تشكل استجابة بناءة لنداءات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة من أجل حل سياسي نهائي ومقبول للنزاع حول الصحراء المغربية. ويتعلق الأمر بحل توافقي لا غالب فيه ولا مغلوب, يحفظ سيادة المغرب ويقر في الوقت ذاته حق الساكنة المحلية في تدبير شؤونها الخاصة بشكل ديمقراطي. وقال السيد هلال إن هذه المبادرة تستمد شرعيتها من أربعة أبعاد , وهي المشروعية الديمقراطية التي تندرج في إطار الخيارات الديمقراطية للمملكة والتي لا رجعة فيها ومشروع المجتمع الحداثي الديمقراطي الذي أراده صاحب الجلالة الملك محمد السادس لفائدة كافة جهات المملكة, والمشروعية القانونية بالنظر لتطابقها مع القانون الدولي وقرارات مجلس الأمن حول قضية الصحراء المغربية. وأضاف أن المبادرة المغربية تحظى كذلك بالمشروعية الشعبية من خلال مسلسل تضمن إشراك سكان الصحراء المغربية في بلورتها والتفاوض بشأنها عبر المجلس الملكي الاستشاري للشؤون الصحراوية , وتنفيذها من خلال الهيئات الديمقراطية بالجهة . كما يحظى هذا المشروع بمشروعية دستورية, لكون المبادرة المغربية تنص على إجراء مراجعة للدستور لإدراجها بطريقة تضمن استمراريتها وعدم التراجع عنها . وهكذا - يؤكد السيد هلال - فإن المقترح المغربي هو الحل التوافقي الوحيد الذي يمكن , مع الالتزام الصادق للأطراف الأخرى , من وضع حد لهذا النزاع الإقليمي ويضمن بالتالي الاستقرار والأمن لمنطقة المغرب العربي وتشجيع اندماجها الاقتصادي من جهتها, قدمت السيدة آن ماندفيل الخلاصات التي خرجت بها ندوة مركز السياسة الأمنية بجنيف حول هذا الموضوع , وأشارت إلى أن المشاركين أكدوا بالإجماع على أن الحق في تقرير المصير ليس مرادفا للاستقلال , وأن الإصرار على تطبيق هذا المبدأ بشكل مطلق في السياق الدولي الراهن أمر غير المقبول وغير بناء . وقالت السيدة ماندفيل إن أجندة عدد متنام من الفاعلين في النظام الدولي أصبحت تجعل "الحق في تقرير المصير" في مرتبة أدنى أمام ضرورة "نشر الحكامة الديمقراطية". وحذرت من أن عمليات الاستفتاء قد تتحول إلى عقبات كأداء أمام اتفاقات لنقل السلطات, متسائلة عما إذا كان النظام الدولي "الحداثي" لا زال في إمكانه تحمل المزيد من عدم الاستقرار, في مناخ من التفكك الفوضوي وتنامي التهديدات الشاملة التي تبعث على القلق . وأكدت أن الحكم الذاتي يمكن من التغلب على هذه التوترات, مذكرة بأنه تم إبرام أزيد من 70 اتفاق حول الحكم الذاتي منذ سنة 1945. وأضافت السيدة ماندفيل من جهة أخرى أن الندوة توقفت كثيرا عند الشروط العملية التي تمكن من نجاح أي نظام للحكم الذاتي وليس عند المبدإ المكتسب المتمثل في تطابقه مع القانون الدولي. وأبرزت أن هذا النجاح يتوقف على العديد من العوامل, منها على الخصوص مدى قابلية البنية المؤسساتية للحكم الذاتي للحياة وواقعيتها , والتوزيع الواضح للاختصاصات, واحترام حقوق الإنسان والموارد المالية والاقتصادية للمنطقة. وذكرت بأن الندوة خلصت إلى أن الحكم الذاتي يستجيب بالتأكيد لمبدأ تقرير المصير, وأن شروط نجاحه متوفرة بشكل كبير في المبادرة المغربية للحكم الذاتي من الناحية القانونية والعملية. ومن جهته, قدم الأستاذ مارك فينو عرضا أبرز فيه على الخصوص الطابع الأكاديمي المفتوح للنقاشات خلال ندوة أكتوبر 2009 , مبرزا كفاءة واستقلالية وحياد الخبراء الذين شاركوا في هذا اللقاء, في توافق تام مع الشروط العلمية والأكاديمية المطلوبة من قبل مركز السياسة الأمنية بجنيف. وهذا هو ما يفسر, حسب مارك فينو, اختلاف وجهات النظر المعبر عنها وغنى العبر المستخلصة من حالات الحكم الذاتي العديدة والمختلفة التي تم تقديمها.وعلى الرغم من المحاولات اليائسة للعناصر الانفصالية للتشويش على النقاش, فإن هذه المائدة المستديرة التي جرت بقصر الأمم, عرفت نجاحا كبيرا سواء على مستوى عدد أو مكانة المشاركين فيها, أو على مستوى النقاشات التي شهدتها .