لا تريد عصابة الكوكايين الحاكمة في الجزائر أن تستوعب التحولات الكبيرة والمتسارعة الجارية في العلاقات الدولية، ولا أن تدرك قواعد العلاقات الديبلوماسية الدولية اليوم، ولا أن تضع مسافة بين أيديولوجيتها الانفعالية البائدة وواجب التحفظ على الخرجات المجانية غير المحسوبة العواقب، ومن ثمة الوقوع في خطيئة التدخل في الشأن الداخلي للدول وفي سياداتها واختياراتها الديمقراطية، وتصر في كل تطور للعلاقات بين المغرب ودول شقيقة وصديقة على إطلاق تصريحات عدوانية واستفزازية ضد هذه الدول وصلت إلى حد تهديدها وقطع العلاقات معها وإلغاء اتفاقيات ومعاهدات ووقف كل أشكال التعاون الديبلوماسي والتبادل التجاري معها، فقط لأن هذه الدول تتقارب مع المغرب وتتبادل المصالح معه، ومن ثمة فهي عرضة لعقوبات العصابة التي تستعمل ورقة النفط والغاز في الضغط والابتزاز واستمالة الدول إلى أجندتها السياسية المعادية للمغرب، مثلما تستعمل عائدات هذه المحروقات في تمويل الميليشيات الانفصالية المسلحة والجماعات الإرهابية الدموية التي تهدد أمن شمال إفريقيا وغربها، حيث تنشط بقوة النخاسة الجزائرية في كل أبعادها السياسية والعسكرية والتجارية، دون أن نغفل عن التهديدات والمخاطر على أوروبا وعلى المحيط الدولي، والتي سبق لحلف "الناتو" أن نبه إليها في تقريره منتصف يونيو من العام الماضي، عندما تعرضت إسبانيا لحملة انتقامية من العصابة الجزائرية باستخدام الغاز كسلاح في جيوسياسي في سياستها الخارجية وعلاقاتها الدولية، جراء اتخاذ مدريد قرارا سياديا تعترف بمقتضاه بوجاهة ومصداقية وموثوقية مقترح الحكم الذاتي للأقاليم الصحراوية المغربية. مناسبة التذكير بهذه الواقعة أن عصابة الكوكايين الحاكمة في الجزائر ومنذ هذا التحول الإسباني التاريخي في السياسة الخارجية للدولة في اتجاه مزيد من تمتين علاقات الصداقة والشراكة والتعاون مع المغرب، وهي تسعى إلى ضرب المصالح الإسبانية، دون أن تجني من ذلك نتائج تذكر اللهم إلا ما انقلب على قراراتها العشوائية والعدوانية من كشف لوجهها القبيح والابتزازي للدول، وضرب العصابة لمصالح الشعب الجزائري ومعاقبته. ولم تيأس العصابة من ترديد أكاذيبها وتوقعاتها الخاطئة لمداراة فشلها الذريع في إدارة ملف علاقاتها بالدولة الإسبانية، خصوصا ادعاؤها الحالم أن القرار الإسباني القاضي بدعم الحكم الذاتي للأقاليم الصحراوية المغربية هو قرار انفرادي وأحادي ومعزول جازف به رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز، ويعارضه في ذلك حزبه كما تعارضه باقي المكونات السياسية والحزبية الإسبانية، وأن الجزائر تنتظر سقوط سانشيز ليسقط معه موقفه الجديد من ملف النزاع حول الصحراء، وأن الجزائر تعول على خليفة سانشيز والحزب الشعبي اليميني للعودة بإسبانيا إلى الأطروحة الانفصالية البائدة حيث تنتهي قصة "الاعتراف التراجيدي" بجرة قلم جديدة تدعم الانفصال وتعود عقارب الساعة إلى الوراء، وإلى استضافة إسبانية جديدة لابن بطوش في هوية أخرى مزورة ومحشوة بما لذ وطاب من ريع المحروقات والمسحوقات المخدرة. ظلت العصابة تعيش على هذه الأماني إلى أن بلغت إلى مسامعها بشائرها ونذرها، على إثر السقطة الانتخابية المحلية والإقليمية للحزب الاشتراكي العمالي الحاكم في إسبانيا، وقرار سانشيز تنظيم انتخابات عامة مبكرة، بعد كشف هذه الانتخابات المحلية عن تراجع شعبيته وشعبية حزبه اليساري، وصعود نجم الحزب الشعبي اليميني… وهنا زفت العصابة إلى شعبها وميليشياتها وكافة شعوب المعمور ودوله، خبر نجاح "عقوباتها" على إسبانيا، وحولت هذا الشأن الانتخابي الداخلي الإسباني إلى استفتاء لتقرير مصير البوليزاريو، والعودة بإسبانيا إلى سابق عهدها في موالاة الأطروحة الانفصالية الجزائرية، والتنسيق مع العصابة في مؤامرات وابتزازات جديدة للمغرب. فرح العصابة لم يدم طويلا لأن الأحزاب المتنافسة سواء في الانتخابات المحلية المنتهية أو الانتخابات التشريعية العامة المقبلة، بما فيها الحزب الشعبي اليميني المرشح لقيادة الأغلبية الحكومية الإسبانية الجديدة، الذي تراهن العصابة الجزائرية على إرجاعه عقارب الساعة إلى الوراء، لم تسعف العصابة بدليل أو حتى بمعطى بسيط يؤكد نواياها بالتراجع عن القرار السيادي للدولة الإسبانية بشأن نزاع الصحراء. كل التصريحات التي تدلي بها المكونات الحزبية الإسبانية المتنافسة على مقاعد تدبير الشأن العام في بلدها، تتحاشى التطرق إلى موضوع الرجوع بالعلاقات المغربية الإسبانية إلى الوراء، خصوصا بعد نجاح إسبانيا / الدولة في تخطي الاستفزازات الجزائرية، ومضي مسلسل توقيع اتفاقيات وازنة وبناء شراكات استراتيجية حقيقية ومثمرة ورابحة وواعدة مع المغرب في مختلف الميادين الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والأمنية والرياضية إلى الأمام، ووسط هذا الزخم الكبير أو النفس القوي الجديد للعلاقات المغربية الإسبانية الذي أطلق ديناميته التحول الإيجابي لإسبانيا في ملف النزاع حول الصحراء المغربية، فإنه وحسب أغلبية المراقبين والمحللين يستحيل أن تتلاعب أي أغلبية إسبانية حاكمة جديدة، بقرار حاسم وحازم اتخذ على أعلى مستوى، ومكن الدولة الإسبانية من التحرر كلية من إرث ثقيل من التوتر الدائم مع شريكها الأول في المنطقة، وكانت تحسب قبل ذلك حسابات الخسارة والربح في هذا القرار، قبل أن تقرره وتتخطى مخاطره بنجاح، وأن تحصل مكتسبات للمستقبل ولشعبها، من المستبعد جدا أن تجازف بها من أجل سواد عيون بوليزاريو زمن يمسك بخيوطه من أزلام العصابة الموتورة الحاكمة في الجزائر. كان على العصابة الحاكمة في الجزائر وهي تسوق لشعبها الأوهام والبطولات الوهمية ولساكنة المخيمات مسكنات ومهدئات وأحلاما وردية، أن تعود إلى هذا الرجل نفسه وإلى حزبه الذي تتهمه بخيانة قضية الصحراء والتواطؤ مع المغرب للاعتراف بشرعية الحكم الذاتي للصحراء المغربية، لتتأكد أن موقفه الجديد الذي هو الموقف المتطور للدولة الإسبانية ولعدد كبير ومتواصل من دول العالم، لم يكن إلى وقت قريب موقفه ولا موقف الدولة الإسبانية، وأن هذا التحول جاء بعد مخاضات عسيرة، وبعد أن جربت ضد المغرب كل أسلحة المواجهة الديبلوماسية وتشكيل الأحلاف، والابتزاز الاقتصادي والصراع الثقافي والتحريض الإعلامي والحقوقي، وكانت حربا ضروسا بكل معنى الكلمة لكسر العظم وقهر المغرب، خرجت منها إسبانيا بخلاصات ودروس وعبر، وخسارات كذلك لا زالت تجتر ذيولها ومخلفاتها، وليست إسبانيا من يسلك سبيل دولة العصابة في هدم البيت على أهلها وعلى أبنائها وشعبها في سبيل قضية خاسرة، تواصل خسارتها وتتجه فيها نحو الحائط، بل إن إسبانيا، دولة وحكومة وأحزابا ومجتمعا مدنيا وشعبا، باتت أكثر من أي وقت مضى مدركة للمخاطر الحقيقية المحدقة بها، ولأهمية التنسيق مع جارها الجنوبي في كل المجالات المشتركة لاحتلال مقعدها المتقدم المستحق في سياق التحولات الدولية الراهنة. وما سلكه سانشيز وحزبه وأغلبيته من مسارات تحولية إيجابية في علاقتهم بالمغرب وبقضية الصحراء المغربية، لصالح الشعبين الإسباني والمغربي، هو المسار الصحيح الذي سيسلكه خلفه في الأغلبية البرلمانية الحاكمة المرتقبة، هذا إن لم يخلف سانشيز وحزبه نفسيهما في الأغلبية القادمة. العصابة الغبية الحاكمة في الجزائر التي لا تفقه شيئا لا في السياسة الدولية المبنية على المصالح، ولا في تاريخ العلاقات المغربية الإسبانية، ولا في كيفية وطبيعة وتعقيدات القرارات السيادية المتخذة على أعلى مستوى في الدولة، تراهن على سقوط سانشيز لسقوط الاعتراف الإسباني بالسيادة المغربية على الصحراء، وكأن الأمر مزاج شخصي وقرار فردي، ومغامرة معتوه، ونزوة تبون، ولعبة شنقريحية متهورة بدون تبعات ولا عواقب ثقيلة على مصداقية الدولة الإسبانية وموثوقيتها. أما المغرب وإسبانيا فيراهنان على الأمن والاستقرار، وعلى تقوية شراكاتهما العميقة في التدبير المشترك لملفات الهجرة والإرهاب والاتجار في الممنوعات وأمن الحدود، وعلى تنزيل المشاريع الضخمة والكبرى والمربحة التي شرعا في إقامتها، ومن بينها مشروع النفق البحري والربط القاري أوروبا إفريقيا، ومشروع أنبوب الغاز نيجيريا المغرب الذي سيعبر إسبانيا نحو أوروبا، والملف المشترك بين البلدين والبرتغال لتنظيم كأس العالم… وغيرها من المشاريع الواعدة التي تلقى قبولا وترحيبا دوليا ودعما وتمويلا من أقطاب المال في العالم. لقد أحاط المغرب وإسبانيا شراكتهما الاستراتيجية القوية بكل ضمانات نجاحها وتطورها ونمائها، وعلى رأس هذه الضمانات احترام الوحدة الترابية للبلدين، ولا نعتقد أن هذه النقطة الجوهرية تطرح مشكلا في السياسة الخارجية لأي حزب إسباني حاكم أو أغلبية حكومية جديدة، أو تكون مناط استشكال ومخاوف أو عرضة للانقلاب والتراجع والتردد من أي جهة إسبانية كيفما كانت، اللهم إذا اختارت هذه الجهة التضحية بمصالح دولتها وشعبها والعصف بمكتسبات الشراكة الحق مع شريكها الأول الموثوق والداعم. انتهى الكلام.