قبل ما يقارب العشر سنوات أدين رئيس حكومتنا آن ذاك عبد الإله بنكيران بتهمة الإساءة إلى موظف أثناء مزاولة عمله، وكان الأمر يتعلق بصحفي يشتغل في القطب العمومي شتمه بنكيران أمام الحضور والكمرات وفي حضرة خاله وهو نبيل بنعبدالله زعيم حزب التقدم الاشتراكية. طبعا كلفت الإدانة خزينة الدولة مبلغا ماليا تجاوز 500 ألف درهم، وقعها رئيس الحكومة صاغرا، وكانت رزقا للصحفي الذي يعيش آخر سنوات مساره المهني قبل التقاعد، فاشترى قبر حياته بالمبلغ، طبعا لن أخوض في كوالس الواقعة بظهر الغيب. اليوم يقع ضحية نفس الشطحة صحفي مستخدم لا موظف ولا خال له زعيم حزب ولا وزير! الزميل الصحفي خالد فاتيحي يشتغل رئيس تحرير مؤسسة العمق التي يرأسها الزميل محمد لغروس الذي كان يشتغل ضمن فريق الوزير السابق الشوباني. السؤال الذي يطرح نفسه اليوم، هل بنكيران بغى التنكيل بوزيره السابق في شخص زميلنا خالد فاتيحي !؟ وإن صح هذا التخمين.. هل هذا يفضح حقدا يثقل كاهل بنكيران من أيام المؤتمر الذي رقص فيه من سماه "داك خيي ولي معاه"!؟ هل هذا ما تجنب الوزير السابق إدريس الأزمي الحديث عنه في الحوار إياه على مؤسسة العمق!؟ هل فعلا حزب المصباح تجاوز الأزمة الداخلية أم ما نراه اليوم ماهو إلى دخان نار تحرق فتيل اللامبا !؟ الرجل استضاف وزيرا سابقا ذو قامة سياسية وعلمية وازنة، وقبِل هذا الأخير، وتلقى أسئلته المستفزة وشراسة أسلوبه بصدر رحب، وتماهى معها بشكل إيجابي... تدخل بنكيران بهذا الأسلوب ليس له إلا معنى واحدا، هو أن "ادريس الازمي مامعمرش ليه عينيه"، على الأقل كان الأولى أن يضرب الذِّكر صفحا عن مضامين الحوار أو أن يستخدم أسلوب "ما بال قوم" احترما لمكانة رجالات حزبه ! والحاصل أن أجوبة الأزمي لم تكن أقل شراسة من أسئلة فاتيحي، وكان مقنعا إلى حد كبير بل كاد أن يحشر فاتيحي في زوايا قاتلة لولا سرعة بديهة الأخير وتمرسه. جميل.. على هامش هذا كله، دعونا نعود إلى الصحفي والصحافة.. المؤسف والمضحك في الواقعة، هو أن الصحفي هو المستخدم الوحيد الذي تُمزق ذمته لأنه يتقاضى راتبا شهريا وفق عقد قانوني مع مؤسسة وطنية أو دولية! اليوم إن لم تصبك لعنة تهمة العمالة لجهة أجنبية، ستصيبك لعنة تهمة "شراوك" لجهة داخلية. وعلى الصحفي أن يختار أي التهمتين تناسب مقاسه. إما أن يقال عنك لحاس أو طبال، أو يقال عنك عميل غير وطني جاسوس... نتا وشطارتك! والحاصل أن كل هذه التهم ليس المستهدف بها الصحفي بالأساس، وإنما المؤسسة أو لنقل خط تحريرها الذي يتماهى مع جهة سياسية أو اقتصادية معينة، ولأن الأغلبية لا تقوى على مواجهة الجهة المنبع، تحاول صب جام غضبها على الحلقة الأضعف و"الحيط القصير" أي الصحفي، وهذا ما عودنا عليه بنكيران. والحاصل أن "قشابة" هذا الأخير أصبحت لا تتسع لرأي يرى في ولايته مجموعة أخطاء، وربما أشار إليها الرجل في حديثه بفاس بتعبير "مابقاش لي بزاف.. شي تصبينة ولا زوج". ما اقترفه بنكيران في حق زميلنا لا يعدو إلا أن يكون "تبرهيشا" سياسيا لا أقل ولا أكثر. (وصفا وليس قدحا) فإن كان يقصد بكلمة "برهوش" بمعنى هجين، فبنكيران أولى بها، كون أن السياسة عالم "التبرهيش" في المواقف والاصطفافات، ولولا "التبرهيش" لما أُجلس في حضرة الرميد الجلسة إياها. وإن كان يقصد بها صِغر الحجم (عادة تطلق على الأطفال) فبنكيران أولى بها أيضا، بدليل أنه أصبح يقيم مهرجان خطابيا وطنية في قاعات محدودة الطاقة الاستيعابية، بعد أن كان يقيم مهرجانات خطابية جهوية بل محلية فقط في ساحات عامة. يومها كنا نقول أن بنكيران يمارس نوعا من البهرجة والراواج السياسي، وهذا جيد في العموم لحاجتنا يومها للرواج السياسي، لكنه اليوم أصبح يمارس كل أنواع التبرهيش السياسي المقبول والمرفوض .