كلما جرت مقابلة دولية بين الفريق الوطني وفريق دولة أخرى كلما صعدت درجة حرارة المواطنة المغربية بين صفوف عامة المواطنين، واتخذت أشكالا عديدة وصورا توحي بشعب متماسك ومتحاب لدرجة لا تتصور ، فالكل يتراهن مع الكل على فوز الفريق المغربي "اسود الأطلس" كما يحلو للمعلقين عبر الأثير أن يصيحوا ، ولو أنهم لا يلتزمون الموضوعية في عملهم الصحفي ويطلقون العنان لعواطفهم لدرجة المس بالفريق الزائر في بعض الأحيان. فرحة الشعب المغربي في يوم المبارة تنسيه كل الهموم والمعانة ، البطالة ، مصاريف التمدرس ، والمتطلبات اليومية من علاج وكراء ومأكل وملبس .الكل يخفق قلبه لفريق يجمعهم ويعكس حماسهم ويثبت وجودهم ، لكن بمجرد ما تنتهي المقابلة تنقلب الفرحة وتخبو شعلتها عندما يأتي وقت إثبات الذات عبر الشغل الذي لا يوجد والمشفى الذي يصعب إدراكه لعدم توفر الغطاء الصحي وال"رميد" الذي يأتي أو لا يأتي ،والأبناء الذين يدخلون ويخرجون من البيت الى الدرب لأن لا شغل لهم ولا تكوين وخشية تحولهم الى ضحايا المخذرات أو سقوطهم في يد عصابات والسجن وعذاب القفة وو.. الكرة التي أفرحتنا لن تدوم فرحتها سوى ثلاث ساعات واليوم فيه أربعة وعشرون ساعة ، سبعة عشر ساعة من القلق والضجر ليصبح الصباح ، مغاربة نحن حتى النخاع ولكن مغربيتنا نريد لها أن تكون مستمرة طيلة الأيام نفرح في المعمل والمدرسة ، في المستشفى ، في الحقول والمزارع ،لا نريد فرحة طائرة في السماء مع كرة القدم ، نريدها فرحة جماعية شعبية ننعم بها في كل أرجاء الوطن ، في الإدارة لا عراقيل ولا مساطير معقدة ، في المدرسة كل مستلزمات الدرس المادية والبشرية والتأطيرية موجودة ولا أحد ينغص علينا سير التعليم والتعلم والتربية لجيل سيقود السفينة لبر الأمان ،في السياسة رسم لقرارات تمحو المعناة وتبني الجسور والتواصل مع المواطنين لا هراوة تتبع شبابنا المعطل بين شوارع الرباط في صور مهينة لكرامة المثقف في بلد الكل فيه يتحدث عن ا لديموقراطية وحقوق الإنسان والحريات ، في الاقتصاد السياسي توزيع للخيرات والكف عن نهب الثروة العامة وتقنين النفقات والتمتع بالروح الوطنية العالية والترفع عن الذات والتفكير في الآخر المحتاج لجرعة ماء صافية قريبة منه ولسقف يقيه من تقلبات الزمن . لست ضد كرة القدم ولعبها في كل ملاعب الأحياء الغير الموجودة ، ولا ضد انتشار تلك الهواية الشعبية ولكن ضد تسييسها وجعلها حجابا لمشاكل سياسية وتنفيسا لشعب تحت ضغوط الزمن السياسي المغربي تبهدل لأنه لا يشتغل ولا يجد ما يضمن به مستقبل أبنائه ،فتلك المواطنة التي تدفع بالمغاربة للحديث عن كرة القدم وضرورة فو ز الفريق الوطني وتشجيعهم له تتصاعد كلما اقترب موعد المقابلة وترى الناس تسرع لمعانقة الشاشة الصغيرة وتتزاحم في المقاهي وتحتفل باليوم الذي جمعهم لفرح جماعي هم في حاجة اليه، لأن باقي الأيام لا تظهر على وجوههم سوى علامات من اليأس والبؤس والبطالة التي تمتص من شبابنا رحيقه ، فلا ابتسامة ولا تحية في الدرب كما في العمارة ، كأن حربا قادمة على وشك الاندلاع، فالفرحة الجماعية ليست حاضرة في حياة المغاربة ،فبالرغم من كثرة المواسم والأعياد الدينية الجهوية والوطنية ، تبقى الفرحة التي تشمل كل المغاربة تنقصنا ،اللهم ما جادت به كرة القدم لو تركوها بين أقد ام أصحابها ولم يلفوها بسياسة رياضية عجزت على مر السنين تخطي شبكة الفرق المنافسة ، فالكرة المغربية لم تعد دائرية الشكل في ذهن سياسينا بل عمودية لأنها ترسم خططها من فوق في مكاتب لها ستائر سميكة ويحضرها من لهم في مثل هذه الخطط باع طويل وقرب من الدوائر التي تتحكم في مصير كرة القدم ومصائر أخرى من هذا الوطن ، فكم من مدرب أجنبي جمع المال ورحل دون أن يترك لنا تراكم كروي وفريقا يعتمد عليه يوم التباري ؟ وكم من ميزانية خصصت للرياضة من مال الشعب صرفت في فنادق فخمة في اجتماعات غذاء وعشاء دون أن تكون هناك نتائج تدفع بالتطور لكرة قدم أصبحت في عالم اليوم صناعة وسياحة ومكانة سياسية بين الدول وتقارب بين الشعوب . لقد استطاعت كرة القدم أن تترك الروح الوطنية تتنفس بين ضلوع المواطنين ولكنها سرعان ما تخبو بمجرد انتهاء المقابلة ؟ هل نبرمج المزيد من المقابلات حتى نبقي على جذوة الوطنية مشتعلة؟ لا بل لابد من تربية على المواطنة من خلال الممارسة السلوكية لمسؤولينا ،الآباء والأمهات في البيوت وفي عملهم والأساتذة في المدارس والكليات ، والموظفين في إداراتهم ، والوزراء في وزاراتهم ، كل على حدة ، بقيامه بعمله وفق القواعد الموضوعية والعلمية المرسومة له على أحسن وجه، وبذلك سوف يساهم بتنمية وطنيته ووطنه ولن يسمح لأنانيته بالنظر للغير إلا والابتسامة على الوجه مطبوعة والاحترام المتبادل سلوك ينبع من تربية على مواطنة حقة مستمرة ودائمة ومتأصلة في كينونة المواطنين لا ممارسة عابرة تنتهي بانتهاء المقابلة الكروية وتعود حليمة لعادتها القديمة . ولكي ننمي وطنتينا وتترسخ لدينا هويتنا، علينا السعي وراء التربية والوعي والقضاء على الجهل بتعليم وتكوين على المواطنة عبر برامج مكثفة يعرف من خلالها كل مواطن حقوقه وواجباته وطرق الوصول للحق والدفاع عنه والتمسك به والاستمتاع به، ضمن منظومة اجتماعية عادلة ومنصفة يكون فيها للمواطن نظامه الخاص لا تطأه قدم جائر أومعتد مهما كان لأن القانون يجب أن لا يحابي أحدا ، عندئذ يمكننا أن نلعب كرة القدم وكل الكرات لما تكون مواطنتنا وهوياتنا غير منقوصتين في الحقوق وفي التكوين ، وحينذاك للفرحة أن تقام في مقالبة كرة القدم وفي سائر الأيام . والى ذلك الحين فلنلعب كرة القدم ونحن في كامل وعينا بواقعنا حتى لا نستلب ونتفتت كالرماد الذي تذره الرياح. .