لا يجادل أحد في أهمية رمضان، ودور الصيام والقيام في التزكية النفسية والخلقية للمسلم؛ لكنه أيضا فرصة للتنمية العقلية، وتوطيد الأواصر الاجتماعية، فالشعوب الإسلامية عبر مناطق تواجدها أضفت على أيامه ولياليه ألوانا من التقاليد والممارسات، يحضر فيها الجانب الروحي، متجليا في الإقبال على العبادات في جو احتفالي، لما يرافقها من موائد وأزياء في مواكب جماعية؛ كما جعلت منه بعض الشعوب فرصة لترسيخ مبادئ الدين وأساسيات العقيدة في نفوس الناشئة، وفرصة لتمتين الصلات الاجتماعية بين المسلمين، وبينهم وأصحاب الديانات التي يتعايشون معها. رمضان شهر تعليم وتعلم: إن الله يعبد بعلم، وتعلم أحكام العبادات يلازم أبناء المسلمين في الدول الإسلامية منذ ولوجهم مؤسسات التربية والتعليم، حيث التربية الإسلامية مكون أساسي ضمن المنهاج الدراسي. وتحرص وسائل الإعلام والمساجد والمجتمع المدني على الرفع من منسوب التثقيف الديني خلال الشهر الفضيل، بالانفتاح على العلماء والمفكرين للرفع من الزاد المعرفي الديني لأفراد المجتمع، ومقاربة مختلف القضايا الاجتماعية والأخلاقية والاقتصادية... من زاوية الرؤيا الدينية الإسلامية. كما تنشط الحركة الثقافية، وتقريب الإبداع كتابة وتشكيلا ولحنا من المتلقي. فخلو البطن ينعش الفكر.. «البطنة تذهب الفطنة». أما الأقليات المسلمة المتواجدة عبر بقاع العالم، والتي يتلقى أبناؤها تعليما خاليا من أي مضمون إسلامي، يستغل الدعاة بركة هذا الشهر لربط الأجيال بينبوع عقيدتهم، بتأسيس المفاهيم العقدية والأحكام التعبدية، والمبادئ الأخلاقية. ففي الصين حيث يتواجد أكبر عدد من المسلمين في دولة غير إسلامية، تتحول المساجد إلى منارات ومحج للمسلمين الراغبين في طلب العلم الشرعي، حيث تنظم حلقات في اللغة العربية، ومسائل العقيدة والأخلاق، مع تخصيص علوم القرآن بحظ وافر، من خلال برنامج يومي، تستهدف فقراته مختلف الفئات: النساء بعد صلاة الفجر، المسنون قبل الظهر، الشباب بعد العصر، والأطفال في نهاية الأسبوع..مع تنظيم فعاليات ثقافية دينية في الخطابة والعلوم الإسلامية بالصينية...كما تصدر الحكومة الصينية مجلات تتناول الدين الإسلامي وأديانا أخرى ك: المسلم الصيني، الأديان الصينية... وفي ماليزيا، حيث يمثل المسلمون حوالي 56%، فالمساجد مفتوحة على مدار الساعة، يتولى فيها الأئمة العرب أو من درسوا في البلاد العربية تعليم الناس والصلاة بهم. والاعتكاف يبدأ من أول يوم من رمضان.. ويزداد عدد المعتكفين مع مرور أيام الشهر، وهي أيام تعبدية وتعلمية طيلة مدة المكوث في المسجد، ما يجعل صاحبه يظفر بنصيب وافر من الثقافة الإسلامية، لا يتيسر له الظفر به طيلة السنة. وفي الهند تنشر المقالات والدراسات التي تتخذ القرآن الكريم وعمق معانيه موضوعا لها. رمضان طقوس احتفالية ممتدة: تمتزج العبادة بالعادات الاحتفالية، وتتلبس بها، فلا تكاد تتميز الواحدة عن الأخرى بكل ما يرمز إليه الاحتفال من إعداد للأطعمة الخاصة، والأزياء التقليدية التي يقبل عليها المسلمون بشكل منقطع النظير في هذا الشهر. والاحتفالات تسبق مقدم الشهر، ففي منتصف شعبان، تحتفل الكثير من الشعوب الإسلامية بهذه الليلة التي تدعى ب«النسخة»، فيقصد الكثيرون الأضرحة، وخصوصا ضريح مولاي عبدالسلام بن مشيش، لإحياء أيام به للذكر والتبضع وإقامة المأدبات...وفي الهند تسمى «ليلة براءة» أو «الليلة المباركة»، حيث تعتبر الليلة التي تقدر فيها الأرزاق للعباد. ويحتفل الصينيون في الرابع عشر منه بعيد فاطمة الزهراء الذي يصادف يوم وفاتها، فيخصص لذكر مناقبها ومكانتها في تاريخ الدعوة الإسلامية من طرف الأئمة. وتعد ليلة السابع عشر ليلة احتفالية لكل مسلمي العالم، تغتنم للتذكير بفضل الله على المسلمين بأن اعزهم بعد ذل، وقواهم بعد ضعف. وهي مناسبة لترسيخ أحداث السيرة النبوية في نفوس الناشئة، في بهجة وحبور. بالإضافة إلى ليلة القدر، التي يحتفل فيها بالصائمين الصغار، وتعد مناسبة للتزاور وارتداء أفخر الثياب التقليدية، وتناول الوجبات «البلدية» الدسمة. ويعد الإفطار الرمضاني بوجباته الخاصة، المعدة والمقتناة، وبشكله الجماعي داخل البيوت التي تضم العائلات، أو في المساجد التي تفطر روادها طيلة الشهر بتمويل من المحسنين، أو من الحكومة في الهند، حيث تخصص الأيام العشرة الأولى للاحتفال بالشباب والأطفال، والثانية للكبار والوالدين، أما الثالثة فتخصص للجدود والجدات. وفي ماليزيا تنصب موائد إفطار جماعي تضم مسؤولي الدولة والمواطنين، إحياء لسنة التآلف والتراحم، بالإضافة إلى موائد للأيتام والعجزة وكبار السن. وهكذا تشمل بهجة الاحتفال جميع شرائح المجتمع، ويُكفى الفقير عناء التفكير في ما يسد به رمقه، حيث يحرص الكثيرون على إخراج زكاة مالهم في هذا الشهر، بالإضافة إلى زكاة الفطر التي تتوج المهرجان الاحتفالي ليلة العيد. من مركزية المسجد إلى مركزية المنزل: يعد المسجد مركز الرحى الذي تدور حوله وفيه معظم الأنشطة الرمضانية، تعبدية وتعليمية واحتفالية؛ لذا فهي تحظى باهتمام خاص قبيل مقدم الشهر الفضيل. فبالإضافة إلى تنظيفها وتجديد تجهيزاتها، يتم الحرص على اختيار الأئمة والقراء والوعاظ، القادرين على إحياء الإيمان في النفوس، والتحفيز على القيام والمشاركة في أعمال البر والإحسان. إلا أن للضرورة أحكامها، ف«الحفاظ على الأبدان مقدم على صحة الأديان». فقد فرض الوباء على المسلمين في أكثر البلدان رد الاعتبار للمنزل في أن تشهد رحابه حلقات الذكر والفكر تجمع ساكنيه، وأن تردد بين جدرانه صدى تراتيل القائمين، ودعاء المستغفرين. فحزن المسجد لفراق الساجدين عزاؤه سعادة البيوت وعمارتها بقيام المخلصين. وقد تكفلت وسائل الاتصال الرقمية بجمع لفيف من الناس، في طقوس قرائية أو فنية أو رياضية، قد تسد نقصا وتلبي حاجة في الاجتماع والاحتفال بشكل أو آخر. كما استعاد البيت دفأه وحرارة اجتماع أهله الذين كانوا يتفرقون في أماكن شتى للسمر وإهدار الوقت؛ فبدلا عن ذلك وجد الإنسان سعة للمكوث والتقرب من أبنائه، خصوصا إذا انقطع ولو للحظات عن الهاتف والشاشات. وإحياء متعة القراءة في شهر القرآن.