تتعرّض بعض المؤسسات الإعلامية في الجزائر لما يصفه الإعلاميون ب" التضييق"، خاصة بعد حجب صحيفتين لتغطيتهما الحراك الشعبي الذي شهدته البلاد لمناهضة ترشح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لولاية رئاسية خامسة قبل أن يعلن عن عدم ترشحه. وقال نزيه بن رمضان، إعلامي سابق برلماني مستقل، لوكالة الأنباء الألمانية (د.ب.أ)، إن "التضييق على الإعلام في الجزائر ظاهرة قديمة تتجدد أساليبها بشكل غير مباشر، حيث تستعمل السلطة الإشهار وسيلة ضغط رغم ما عرفته الساحة الإعلامية من انفتاح منذ تسعينات القرن الماضي". وأضاف: "تراجعت الجرائد اليومية والأسبوعية التي أزالت احتكار الدولة للإعلام، ليصل عدد اليوميات الإخبارية إلى نحو مئة فقط في ظرف قياسي، خاصة في الفترة الأخيرة". وأعرب بن رمضان عن أسفه بسبب "ضغط السلطة على المؤسسات الصحفية باستخدام الإشهار، الذي تحتكره مؤسسة عمومية، إلى جانب استخدام تعليمة رئيس الحكومة الحالي أحمد أويحيى سنة 1996 بإجبار كل المؤسسات العمومية والوزارات والهيئات على منح إعلاناتها إلى المؤسسة الوطنية للنشر والإشهار". وحسب بن رمضان، كانت هذه التعليمة أول خطوة لتراجع السلطات العمومية عن حرية التعبير، خاصة وأن سوق الإشهار لدى الخواص ضئيل جدا وكل وسائل الإعلام بحاجة لإعلانات وصفحات إشهارية عمومية كي تستمر. وأشار إلى أن السلطة في بلاده "حفظت درس انفتاح الصحافة المكتوبة، فوضعت استراتيجية محكمة في فتحها للمجال السمعي البصري سنة 2012"، مبرزا أن "القانون السمعي البصري ظل حبرا على ورق". وأكد بن رمضان أن الأغلبية العظمى من القنوات التلفزيونية الخاصة بالجزائر هي في نظر القانون مجرد مكاتب أجنبية "تأخذ الإشهار من خلال الجرائد التابعة لها، وليست للقنوات مباشرة". ولم يستغرب بن رمضان الصعوبة التي واجهتها القنوات الخاصة الجزائرية لنقل المسيرات الشعبية الرافضة لترشح بوتفليقة لعهدة رئاسية جديدة، على اعتبار ما وصفه ب "تعرضها للتهديد والابتزاز بفضل سياسة تكميم الأفواه والتجويع". من جانبه، أكد ياسين فضيل، مدير التوزيع بجريدة "الشروق" الخاصة، منع الجريدة من الإشهار في الجزائر إلى جانب عدم التصريح لها بالطباعة في المطابع الحكومية، وبالتالي عدم صدورها، مشيرا إلى أن المنع جاء بعد إصرار إدارة المؤسسة الإعلامية مع طاقمها الصحفي على "العمل بضمير". وقال فضيل ل"د. ب. أ" إنه بعد منع الإشهار والطبع لدى المؤسسات الحكومية، "لم تبق خيارات أخرى متاحة بالنسبة لهذه المؤسسة الإعلامية سوى غلق أبوابها والغياب عن المواطن، مجبرة لا مخيّرة". وأضاف أن الإشهار العمومي يتم بالهاتف في بلاده، قائلا: "بعد إصرارنا على تغطية الحراك الشعبي بشفافية، قيل لنا صراحة: ليس لكم الحق لا في الطباعة أو الإصدار أو الإشهار، حيث تلقت وكالة النشر والإشهار أوامر فوقية عبر الهاتف لمنع الشروق". وتابع: "تمارس السلطة، من خلال محاولة قطع رزق 1600 عامل، سياسة التجويع مع المؤسسات الإعلامية للضغط عليها". واستنكر فضيل ما يتعرّض له "مجمع الشروق"، الذي ينتمي للقطاع الخاص، قائلا: "نحن نتعرض لتضييق رهيب وتشديد للخناق من كل جانب، وهذا منذ أن بدأ الحراك الشعبي، حيث حاولنا نقل انشغال الشارع للسلطة من خلال أداء واجبنا المهني، ليس أكثر". وتساءل عن الدّوافع التي جعلت الجهات المعنية في بلاده تحرم مؤسسة إعلامية من حقها الدستوري (الممارسة الإعلامية) قائلا: "هل يعقل أن يتم منع صحيفة من الصدور ومن الإشهار العمومي فقط لأنها أدت مهمتها؟". وأكّد فضيل أن مؤسسته "لم تختلق أحداثا أو قامت بخطأ مهني، وتهمتها الوحيدة هي نقل الحقيقة"، مضيفا: "هذا ظلم واعتداء على الدستور لأن المواطن يملك الحق في المعلومة ونحن من واجبنا نقل صرخة الشعب، كيفما كان الحال وعلى اختلاف الزّمان والمكان". وأرجع فضيل تعرّض المؤسّسة الإعلامية التي يشرف على إدارة توزيعها للتضييق "لأنها واحدة من أكبر الجرائد في الجزائر"، مشيرا إلى أن هناك رغبة للتأثير عليها فقط لممارستها مهامها القانونية. وقال فضيل: "لا لتكميم الأفواه ولا للتعتيم، نحن نريد أن نعيش أحرارا فلا عبودية إلا لله، نتمنى أن تخرج الجزائر منتصرة من هذه الأزمة التي سقطت ضحيتها الأقلام الشريفة التي حاولت أن تؤدي عملها النبيل في نقل المعلومة". وشدد فضيل على ضرورة خروج الصحافة والإعلام في الجزائر منتصرين من هذه الأحداث والإصرار على قول الحق، قائلا: "لن نبقى مكتوفي الأيدي، سنناضل من أجل استرداد حقوقنا في الطبع والإشهار، لأننا صوت الشعب المسموع، سنقاوم بالطرق السلمية". من جهته، قال رئيس الاتحاد الوطني للصحافيين والإعلاميين الجزائريين، مصباح قديري، في تصريحات لوكالة الأنباء الألمانية: إن "وسائل الإعلام الوطنية تتعرض لمضايقات، وهو ما نعتبره مساسا بحرية التعبير والصحافة في بلادنا، رغم التعديلات التي طرأت على الدستور والتي رفعت سقف الحرّيات، إلا أن الواقع يقول عكس ذلك". وطالب قديري، بضرورة وضع حد لما وصفه ب"انتهاكات حقوق الإنسان من خلال التضييق على الصحافيين ومحاولة خنق حرية التجمع والتظاهر السلمي، في تناقض للاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها الجزائر". واستغرب قديري التشديد الأمني في التعاطي مع حرية التعبير والصحافة، وخاصة في مجال حماية الأمن على حساب الحق في الإعلام، رغم تقدم الجزائر بعدة نقاط في مجال حرية الصحافة والتعبير، ورغم تعديل الدستور الذي مكنها من تحسين ترتيبها في هذا المجال. وعبر عن قلقه إزاء تفاقم التضييق على الصحافة في بلاده، خاصة بعد إجراءات غلق بعض القنوات ومنع الإشهار عن صحيفتين على الأقل، ومحاولة الضغط على باقي القنوات الإخبارية بطريقة غير مباشرة، وهو ما اعتبره في حد ذاته "انتهاكا للحق في حرية الرأي والتعبير والصحافة". ويشكّل الإشهار الحكومي في الصحف الجزائرية المورد الأساسي، على اعتبار أن المبيعات لا تغطي إلا جزءا بسيطا من تكلفة الطباعة، في الوقت الذي تحتكر فيه الحكومة المطابع الكبرى في البلاد، حيث تلجأ نسبة 99 بالمئة من الجرائد للمطبعة الحكومية. ويشترط قانون الصفقات العمومية بالجزائر ضرورة نشر إعلانات أي مناقصة تجري في البلاد عبر الجرائد الوطنية، حتى تكون قانونية، ويمر هذا الإعلان عن طريق المؤسسة الوطنية للنشر والإشهار، التي تعمل بدورها على توزيع الإعلانات على مختلف الجرائد، مع العلم أن معظم المطابع في الجزائر حكومية. *د.ب.أ