تصنيف "الفيفا".. المنتخب المغربي ل"الفوتسال" يصعد بمركز واحد    تقلبات جوية متوقعة اليوم الجمعة.. أمطار ورياح قوية بالمملكة    توقيف شخص ومطاردة آخرين من المتورطين في تبادل العنف باستعمال الأسلحة البيضاء بالجديدة    السياسي الفرنسي روبرت مينار يصف النظام الجزائري بالفاسد واللصوصي    زيارة وفد من برلمان الأنديز إلى العيون تعزز التعاون المغربي – اللاتيني وتؤكد دعم مبادرة الحكم الذاتي    بشرى حجيج رئيسة الكونفدرالية الإفريقية للكرة الطائرة تشرف على حفل افتتاح بطولة إفريقيا للأندية في أبوجا    بنعلي تجري مباحثات مع وفد فرنسي رفيع المستوى من جهة نورماندي    أسعار النفط تواصل التراجع عالميا بعد قرارت ترامب الجمركية    مباحثات أفرو-مغربية على هامش القمة العالمية للاعاقة المعقدة ببرلين    النفط يواصل تراجعع بعد رسوم ترامب وبرميل برنت يبلغ أدنى مستوياته منذ 2021    كيوسك الجمعة | حكومة مدريد تطلق دراستين جديدتين للنفق البحري مع المغرب    النيابة العامة تقرر متابعة صاحب أغنية "نضرب الطاسة"    النفط يواصل التراجع بعد رسوم ترامب وبرميل برنت يبلغ أدنى مستوياته منذ 2021    الرباط تحتضن اجتماعا لتتبع مخطط تنزيل القانون المتعلق بالعقوبات البديلة    دونالد ترامب يدعم زعيمة اليمين المتطرف الفرنسي مارين لوبان بعد إدانتها أمام القضاء    مسيرة حاشدة مرتقبة في باريس لدعم انفصال جمهورية القبائل    نقابيون يتهمون المدير الإقليمي للتجهيز بأزيلال بالتمييز بين الموظفين على أساس الانتماء النقابي    المنتخب المغربي لأقل من 17سنة يتعادل مع نظيره الزامبي (0-0)    سوق الأسهم السعودية تتفاعل مع رسوم ترمب الجمركية وتخسر 1.2 في المئة    الاتحاد الأوروبي يرغب في تعزيز شراكته الاستراتيجية مع المغرب    بوادر تحوّل في الموقف البريطاني تجاه الصحراء المغربية    المغرب والأمم المتحدة يستعدان لافتتاح مركز دولي بالمغرب لدعم عمليات حفظ السلام    الصين تطلق قمرا اصطناعيا جديدا    إسرائيل تواصل حرب إبادتها بلا حدود.. يوم آخر دامٍ في غزة يؤدي بحياة 112 شهيدا وسط صمت ولا مبالاة عالميين    وزير خارجية فرنسا يجدد دعم بلاده لسيادة المغرب على الصحراء أمام البرلمان الفرنسي    حادثة مروعة بطنجة.. شاب يفقد حياته دهساً قرب نفق أكزناية    "أشبال U17" يتعادلون مع زامبيا    التعادل السلبي يحسم مواجهة المنتخب الوطني المغربي لأقل من 17 سنة أمام نظيره الزامبي    تكريم المغرب في المؤتمر الأوروبي لطب الأشعة.. فخر لأفريقيا والعالم العربي    طقس الجمعة.. تساقطات مطرية مرتقبة بالريف وغرب الواجهة المتوسطية    طنجة.. النيابة العامة تأمر بتقديم مغنٍ شعبي ظهر في فيديو يحرض القاصرين على شرب الخمر والرذيلة    مجلس الحكومة يصادق على مشروع قانون يتعلق بالتعليم المدرسي    سقوط 31 شهيدا على الأقل بضربة إسرائيلية على مركز للنازحين في غزة    المغرب يعتبر "علاقاته الاستراتيجية" مع الولايات المتحدة سببا في وجوده ضمن قائمة "الحد الأدنى" للرسوم الجمركية لترامب    الاتحاد الاشتراكي المغربي يندد ب"تقويض الديمقراطية" في تركيا ويهاجم حكومة أردوغان !    إطلاق نسخة جديدة من Maroc.ma    تقرير.. هكذا يواصل مستوردو الماشية مراكمة ملايير الدراهم من الأموال العمومية في غياب أثر حقيقي على المواطن ودون حساب    الجسد في الثقافة الغربية -27- الدولة : إنسان اصطناعي في خدمة الإنسان الطبيعي    أعلن عنه المكتب الوطني للمطارات ..5.4 مليار درهم رقم معاملات المطارات السنة الماضية و13.2 مليار درهم استثمارات مرتقبة وعدد المسافرين يصل إلى 32,7 مليون مسافر    سفارة السلفادور بالمغرب تنظم أكبر معرض تشكيلي بإفريقيا في معهد ثيربانتيس بطنجة    نقابي يكشف السعر المعقول لبيع المحروقات في المغرب خلال النصف الأول من أبريل    الوداد يعلن حضور جماهيره لمساندة الفريق بتطوان    هيئة مراقبة التأمينات والاحتياط الاجتماعي تطلق برنامج "EMERGENCE" لمواكبة التحول الرقمي في قطاع التأمينات    المنتخب المغربي يرتقي إلى المركز ال12 عالمياً في تصنيف الفيفا    بورصة الدار البيضاء تخسر 0,45 بالمائة    دراسة: الفن الجماعي يعالج الاكتئاب والقلق لدى كبار السن    اجتماعات تنسيقية تسبق "الديربي"        بين الحقيقة والواقع: ضبابية الفكر في مجتمعاتنا        دراسة: استخدام المضادات الحيوية في تربية المواشي قد يزيد بنسبة 3% خلال 20 عاما (دراسة)    خبراء الصحة ينفون وجود متحور جديد لفيروس "بوحمرون" في المغرب    بلجيكا تشدد إجراءات الوقاية بعد رصد سلالة حصبة مغربية ببروكسيل    العيد: بين الألم والأمل دعوة للسلام والتسامح    أجواء روحانية في صلاة العيد بالعيون    طواسينُ الخير    تعرف على كيفية أداء صلاة العيد ووقتها الشرعي حسب الهدي النبوي    الكسوف الجزئي يحجب أشعة الشمس بنسبة تقل عن 18% في المغرب    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الثورة قادمة. ماذا أعددنا لها؟
نشر في هسبريس يوم 28 - 12 - 2017

هذه بعض الاخبار والمستجدات التي طلعت علينا بها الصحف والمجلات المتخصصة والعامة في الأشهر الأخيرة:
- اختراق البريد الالكتروني لكلينتون وللحزب الديموقراطي أثر بشكل مباشر على نتيجة الانتخابات الأمريكية وأدى الى صعود ترامب. فالحروب الجديدة والتأثير على مراكز القرار يمر عبر الحواسيب والاسلاك. وهو ما رأيناه كذلك في تسريبات ويكيليكس وبناما بيبرز.
- الدانمارك فتحت في شهر أكتوبر الماضي سفارة لها في وادي السيليكون.silicon valley مما يعني أن هناك ديبلوماسية جديدة وجهتها الشركات التكنولوجية.
- المملكة العربية السعودية تمنح الروبوت صوفيا الجنسية السعودية وهو وان كان من باب الفرجة الاعلامية فانه مؤشر على تغير مفهوم المواطنة والعلاقات المجتمعية.
- أبل apple لديها احتياطي نقدي أكثر من 4 دول مجتمعة منها فرنسا والكويت مما يعني أن مؤشرات وتوجهات الاقتصاد تصنعها شركات الرقمية
- الذكاء الصناعي يعيد رسم خارطة سوق الشغل ويعلن ميلاد ثورة صناعية رابعة تغير بشكل جذري المهن والكفائات الضرورية للاندماج في سوق العمل
- البيتكوين bitcoin يصبح عملة رقمية عالمية مع صعود رهيب في قيمته والبلوكشين (سلسلة الكتل وهي التكنولوجيا التي تدعم البيتكوين) يؤسس لعهد جديد من المعاملات
- أبو ظبي تفتتح أول مكتب متكامل تم انشاءه بالكامل بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد وهو ما يعيد النظر في قطاع البناء والمقاولات.
- تشغل الشركة الصينية الذائعة الصيت علي بابا في أحد مخازنها (مساحته 3000 متر مربع) 60 روبوت تقوم بأكثر من 70% من أعمال التخزين والنقل واللوجستيك
- تيسلا تطلق سيارة رياضية كهربائية ذاتية القيادة بمبلغ 35 مليون سنتيم في 2018 وتعلن عن شاحنة للبضائع بدون سائق. ونفس الشركة تطلق قطار فائق السرعة هيبرلوب يربط دبي وأبو ضبي في دقائق معدودة. وهكذا يستعد قطاع النقل لتحول نوعي وجذري.
- جيف بيزوس مؤسس أمازون يصبح أغنى رجل في العالم بثروة تفوق 100 مليار دولار بعد المبيعات القياسية لامازون في نهاية سنة 2017.
- فيسبوك، جوجل وأبل تطلق الانترنت المجاني المغطي في الثلاث سنوات المقبلة عبر تقنيات تعتمد على الطائرات بدون طيار (درون) والاقمار الصناعية الصغيرة والبالونات.
تبدو هاته الاخبار في بعض الاحيان غريبة وفي مرات أخرى مزعجة بل مخيفة لكن المستقبل قد يكون أكثر رعبا ان لم ننتبه الى المتغيرات ولم نصبح فاعلين فيها ومبدعين لها. فالابتكار والحس الابداعي لم يعد أمرا اختياريا بقدر ما صار ضرورة ملحة بل أصبح في كثير من الاحيان مسئلة حياة أو موت للافراد والشركات وللدول كذلك.
الثورة الصناعية والأزمة المالية
هنا لا بد للاشارة بأن معظم النظريات والمفاهيم المعمول بها حاليا هي نتيجة بشكل مباشر أو غير مباشر للثورة الصناعية وبعدها للأزمة المالية لسنة 1929. فالنظام التعليمي الحالي هو وليد الثورة الصناعية والصناعة الدوائية والنظام الصحي أفرزته متطلبات الثورة الصناعية. والانظمة المالية والمحاسباتية هي نتاج للأزمة المالية. بل حتى الانظمة السياسية الحالية ومفاهيم الديموقراطية، والعدالة وحقوق الانسان هي نتيجة تفاعلات مرحلة الثورة الصناعية.
قبل الثورة الصناعة كان الانسان يعيش في تجمعات محدودة حول الانهار والأسواق واهل العلم مما يفسر أسماء المدن والقرى في المغرب وفي العالم والتي تدور حول اسم النهر ويوم السوق ولقب الولي الصالح. كانت الحاجيات بسيطة لا تحتاج الى وظائف ووزارات وحكومة ثقيلة وكانت الأعمال تتمحور حول الزراعة والصناعة التقليدية والصيد والتجارة مع بعض مهام الأمن والعدالة والتعليم والتطبيب البسيطة.
ثم جاءت الثورة الصناعية نتيجة لتحرير العبيد في الولايات المتحدة الأمريكية وتحرر الأنظمة السياسية في أوربا من ربقة الكنيسة والنبلاء. فتغير نمط ونظام الحياة حيث تركزت مجموعات بشرية كبيرة في حيز جغرافي ضيق حول المصانع مما أفرز تحديات في الحكامة والصحة والتعليم والنقل لم تكن معهودة من ذي قبل. قام الانسان حيال هاته التحديات بابتكار منهجيات ونظريات في الحكامة والعدالة والاقتصاد والتعليم والصحة. وهي النظريات التي لا زالت تحكمنا في أساسياتها الى الآن رغم أن الواقع تغير بشكل كبير وطبيعة الأجيال الجديدة والتحديات المستقبلية تفرص علينا اعادة النظر فيها.
الثورة الرقمية والتقنيات الحديثة
فمن المؤكد أننا نعيش على أعتاب ثورة جديدة منطلقها ومفتاحها وعنوانها الرقمية والتكنولوجيا. ورغم أن كثيرا من المتتبعين يظنون أن التقنيات الحديثة في معظمها موضات زائلة سرعان ما تختفي او يخف وهجها مع الوقت. الا أنه في السنوات الأخيرة نشهد تقلبات -أو لعلها انقلابات وثورات- تحدثها التقنية و تؤثر بها في مجالات السياسة والاقتصاد والعلاقات الاستراتيجية والمجتمعية بالاضافة الى تأثيرها النفسي والصحي على الفرد وتأثيرها على العلاقات المجتمعية وعلى مجالات كبيرة كالصحة والتعليم والشغل بشكل غير مسبوق.
حينما نتحدث عن الرقمية والتكنولوجيا الحديثة فنحن نتكلم عن مزيج من التقنيات تنصهر في بوثقة ما أصبح يصطلح عليه "التحول الرقمي". من هذه التقنيات المؤثرة في الوقت الحالي :
- البيانات الضخمة big data : وهو مجال خصب واساسي يعتمد عل اعتبار المعطيات هي النفط الجديد والعملة الجديدة وهو المحدد الأساس لقوة وسطوة الأفراد والشركات والدول. هذا المجال ليس وليد اليوم بل يرجع الى بداية سبعينات القرن الماضي لكنه عرف طفرة مؤخرا بسبب تطور مستوى أداء المعالجات processors ويعتمد على استنطاق المعطيات المتوفرة من أكثر من مصدر وبجميع الاشكال لاستنباط المعرفة والذكاء باستخدام نماذج رياضية. وتم استخدامها بداية في المجال الامني لتعمم وتصبح تقنية اساسية في الصحة والفلاحة والمجال المالي.
- الذكاء الصناعي artificial intelligence وهو المحرك الاساسي للجيل الرابع من الصناعة المعتمدة بشكل كبير على الربوتات والدرونات. صارت تقنيات التعرف على الاشكال والأشياء والأصوات فائقة الكفاءة مع امكانيات للتعلم التلقائي machine learning تساهم في تطور مطرد لكفاءة و دقة الربوت وبالتالي محاكاته للتصرف البشري وهو ما يفتح الباب على مصراعيه لاستخدامات كثيرة منها المفيد في مجالات الصناعة والصحة والتعليم ومنها الخطير كاستعمالها في الجرائم والجنح. هذا الجانب يفرض اعادة نظر في تركيبة القوانين وأشكال تطبيقها
- سلسلة الكتل blockchain ورديفتها العملة المشفرة أو البيتكوين وهي العملة التي أصبحث حديث الصحف والمواقع الالكترونية والمنتديات بعد ارتفاعها بشكل كبير والاعتراف بها من طرف دول وشركات ومؤسسات وازنة. وسلسلة الكتل تقنية تهدف الى الغاء الحاجة لوسيط في المعاملات باعتماد تصديق موزع عليها من طرف أشخاص يستحيل تواطئهم ومن خلال شفرة لا مركزية.
- الجوال والتطبيقات المحمولة mobile وهي تقنيات أصبحت الآن جزءا من حياتنا بما هو مرافق وصديق وجليس. تطبيقات الجوال سمحت بتوزيع خلق المحتوى وانتاج القيمة التي أصبحت بيد الجميع عبر هواتفهم ولوحاتهم الالكترونية. كما فتحت أبوابا للتواصل والتعلم والعمل لم تكن قط موجودة. ومن نتاجاتها تطور نوع جديد من الاقتصاد يسمى الاقتصاد التشاركي يعتمد على الغاء الوسيط، والتشارك عوض البيع والشراء وتحويل الخصوم (liabllities) ) إلى أصول (assets)).
- السحابة الالكترونية (أو الحوسبة السحابية) cloud computing وهو نظام يسمح بتخزين المعطيات والبيانات و معالجتها بشكل مركزة في خوادم بحيث تصبح متاحة في كل مكان ومن أي جهاز. هذه التكنولوجيا تؤسس لتحويل المعلوميات والحواسيب والبرامج من منتجات الى خدمات متاحة حسب الطلب مثل الماء والكهرباء والهاتف.
- الطباعة ثلاثية الأبعادD printing 3 : وهي تقنية تسمح بطباعة أشياء كالمفاتيح والأواني انطلاقا من نماذج في الحاسوب مع اختيار الأشكال والأحجام والمواد. وهو ما يتيح جعل التصنيع البسيط وفي بعض الأحيان المعقد عملية ذات جهد بسيط من حيث الانتاج ويحول المجهود المطلوب لانتاج النماذج. هذه التقنية تطورت بشكل سريع لتصبح الطباعة ثلاثية الابعاد قادرة على طباعة منازل ومكاتب كاملة.
- الشبكات الاجتماعية social networks وهي الآن مصدر المعلومة ومورد المتعلم ونافذة المتواصل ومقصد البائع والداعي والسياسي. صار انتاج المعطيات والمحتوى غزيرا عبر هذه الشبكات كما فقدت الخصوصية معناها واصبحت مجالا لتسويق الأشخاص والأفكار والمنتجات تحت شعار ان لم تؤدي ثمن المنتج فاعلم بأنك أنت المنتج والبضاعة والسلعة.
مجالات ومستويات التأثير
بتظافر هاته التقنيات تحدث تغيرات بنيوية في كثير من المجالات وعلى عدة مستويات بفضل الرقمية وتكنولوجيا المعلومات. من هاته المجالات :
-على مستوى الصحة
معظم الشركات الكبرى في مجال التكنولوجيا كجوجل وفيسبوك تستثمر في مجال الصحة والمعلوماتية الحيوية والانسان المدمج augmented human. وهي مجالات تخترق فيها تقنية المعلومات مجال الصحة. نرى كذلك كيف أن العلاقة بين المريض والطبيب تتغير على ضوء اطلاع المرضى وتتبعهم للمعلومات الطبية و امكانية الكشف الشخصي والكشف عن بعد بل واستخدام الذكاء الصناعي في الكشف والعلاج.
-على المستوى المالي والاقتصادي
من المتغيرات الكبرى في السنوات الأخيرة هو الصعود المطرد للتجارة الالكترونية التي أصبحت تمثل 2,5 مليار درهم في سنة 2017. (للمقارنة أمازون حققت 10 مرات هذا الرقم في يوم واحد هو آخر جمعة في نونبر black friday). ) كذلك تجدر الإشارة إلى أن البيتكوين صنفت العملة العالمية رقم 20 من حيث رقم المعاملات في هذه السنة. طبعا ستصاحب هاته المتغيرات التخفيف من دور البنوك المركزية والجهات الرقابية وتعويضها بسلسلة الكتل blockchain
-على مستوى التعليم
أصبح المحتوى التعليمي متاحا للجميع بحيث يستطيع كل طالب متابعة دروس عبر الانترنت في أرقى الجامعات ومن طرف أكفأ الاساتذة فينتقل التعليم من مركزية الاستاذ الى مركزية التعلم التشاركي مع أهمية تطوير كفاءات المستقبل كالبرمجة وتحليل المعطيات وتتبع المؤشرات عوض الكفاءات اللغوية و الحسابية.
-على مستوى التشغيل
كثيرة هي المهن التي هي في طور الانقراض بسبب تعويضها بالربوتات والذكاء الصناعي ومنها مراكز الاتصال والمهن اللوجستيكية البسيطة وكثير من المهن الصناعية. في المقابل تظهر مهن جديدة كعالم المعطيات data scientist، ومنقب البيتكوي bitcoin miner ومشغل الربوت robot controller. كذلك من المنتظر اختفاء الوظائف الحكومية والانتقال من الأجرة الى المقاولة الذاتية، الاجتماعية أو العادية. كذلك من الجدير بالملاحظة أن الرقمية تعيد صياغة مقر العمل وتفعل العمل عن بعد والعمل العرضي والدقيق micro jobs .
-على مستوى السياسة
يبدو أن النظام الديموقراطي وصل الر طريق مسدود مما أدى الى وصول outsiders كماكرون و ترامب الى سدة الحكم في أعتى الديموقراطيات.ولعل نموذج الديموقراطية التمثيلية يعيش آخر سنواته حيث لم يعد مستساغا للجيل الجديد أن تكون علاقته الوحيدة بحاكميه هي فترة الانتخابات وان تكون الطريقة الوحيدة التي يعبر بها عن رأيه هي الاقتراع. في هذا السياق من المفيد اعادة النظر في دور الاحزاب والنقابات والجمعيات ومؤسسات المجتمع المدني.
المفاهيم وما بعدها وراء هاته المتغيرات الظاهرية هناك تغيرات أعمق. فالثورة الرقمية الحالية تقلب و تخلخل مفاهيم أساسية في المجتمع :
- مفهوم الثقة حيث توضع الثقة في البرامج والشيفرات الموزعة عوض المؤسسات المركزية للرقابة أو المؤسسات الوسيطة. وهو ما يجعل المجتمع أكثر أمانا وثقة لكن أكثر هشاشة.
- مفهوم الملكية الذي يؤدي الى التحول المنتجات الى خدمات حسب الطلب مما يفقد الملكية أهميتها لان الملكية التشاركية أصبحت أقل كلفة وأكثر فعالية منالملكية الملكية الفردية.
- مفهوم العلم والمعلومة التي أصبحت متاحة ومتوفرة بشكل كبير مع تكسير حواجز الوصول الى العلم مع توفر المصادر المفتوحة. لا بد من الاشارة هنا الى أن كثرة المعلومة تقتل المعلومة حيث يؤدي توفرها ووفرتها الى فقدان قيمتها
- مفهوم الخبرة والتخصص يصبح مبنيا على الخبرة الجماعية لا الفردية وعلى التخصص التشاركي في اطار شبكة الممارسين. تجدر الاشارة هنا أن الحرب المقبلة ستكون حرب كفاءات وخبرات حيث وضعت معظم تلدول المتقدمة برامج تأشيرات خاصة وسريعة لاستقطاب المتميزين والمبتكرين ورواد الأعمال.
- العلاقات المجتمعية والتي أصبح فيها البعيد قريبا والقريب بعيدا مع تفسخ العلاقات الكلاسيكية وبناء انماط جديدة من العلاقات. علاقات العمل تعرف بدورها تطورا كبيرا نحو علاقات اكثر تحررا وأفقية.
- مفهوم الانتاج والاستهلاك حيث ننتقل الى مرحلة الاستهلاك المطلق مع تكسير جميع حواجز الاستهلاك (و منها الاتصال بالانترنت والدخل الاساسي المعمم) والانتاج الموزع الخصوصي حسب الطلب.
المواد الأولية وعلاقاتها بالتطور التكنولوجي
يبدو هذا التقدم التكنولوجي مثل قطار بدون فرامل او كوابح. فمع قانون مور يعتقد البعض انه لا نهاية للتقدم التكنولوجي من حيث سرعة المعالجات وصغرها لكن يبدو أن الامر أكثر تعقيدا من الظاهر. اذ أن معظم التقنيات الحالية تعتمد على توافر مواد أولية أساسية كالنحاس والكوبالت والماء والطاقة بشكل عام. وهي مواد أساسية لتصنيع وتشغيل البطاريات والحواسيب والربوتات. ولذلك فان هناك حرب خفية بين الشركات الكبرى على مصادر هذه المواد الأولية ( للاشارة لم تستطع فولكسفاجن التعاقد مع شركات انتاج الكوبالت نظرا لتسابق منتجي السيارات الكهربائية كتيسلا عليها).
لذلك يمكن الجزم أن هذا التقدم سيصطدم قريبا مع ندرة المواد الأولية ومع متطلبات التنمية المستدامة وبالتالي مع اساسيات حياة الانسان كما سيصطدم مع اعتبارات أخلاقية وقانونية خاصة بالاستخدامات الضارة للتكنولوجيا.
ما يجب فعله نستنتج مما سبق أنه مع هذه الثورة الجارفة لا بد من:
- متابعة الجديد و التمييز بين ما هو موضة عابرة مما هو تغيير بنيوي أصيل
- المشاركة في تطوير و تصميم التكنولوجيات الحديثة. وعلى عكس ما يظن البعض فهذا الامر أصبح أكثر سهولة مع امكانية الوصول للمعلومة و توفر البرمجيات والنظم التقنية المفتوحة المصدر.
- رصد المتغيرات على مستوى الفرد والمجتمع والدول لفهمها ومحاولة التأثير فيها
- تخليق التطور التكنولوجي وضبطه باولويات التنمية المستدامة وبمستقبل عيش الانسان وتوازن محيطه وعلاقاته.
كما أنه في خضم هاته المتغيرات لا بد أن نتشبت بقيم ومبادى أساسية تقينا من الانحراف بالتقنية من كونها وسيلة الى جعلها غاية. ومن هاته القيم :
- قيمة تحقيق العبودية لله سبحانه وتعالى عز وجل وهو مدار وجودنا وهدف خلقنا وميزان تفاضلنا.
- قيمة التنمية المستدامة والحفاظ على الموارد لتحقيق الاستخلاف وعمارة الأرض
- قيمة الأخوة والعمران الأخوي،مع مقاربة تدفع بالمشاركة و التشاركية عوض الفردية والأنانية.
- قيمة بناء الانسان وأهمية العامل البشري وتطوير القدرات مع تحقيق النفع للبشرية ودفع الضرر.
- قيمة التواصل والتعارف الذين يمثلان أحد مرتكزات وجود الانسان على الأرض وحافزا لبقائه و تطوره.
- قيمة الابتكار والابداع عل اعتبار أن العقل البشري (الذي هو نعمة من الله سبحانه وتعالى) ليس عقلا معيشيا فقط بل هو عقل منظم منظم صانع مبتكر.
*أستاذ باحث، مستشار دولي ومقاول في مجال التحول الرقمي


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.