من ذا الذي يقبض على سَيْرِ الناس؟ من ذا الذي يصنع ما العالم اليوم؟ قد يسعفنا الوقت و الحال لحلٍّ. كتابة التاريخ محفوف بالمزالق، و قد نعثر على شيء مفيد. لكننا لا نكاد نطمئن لما نحفل به فيتغير. نستطيع التفكير في كل شيء بداهة غير أننا نادرا ما نتحمل مسؤولية هذا التفكير. نمنح مصائرنا لأناس نثق بهم إلا قليلا، و مع ذلك لا نكاد نعنى بمستقبلنا. لقد مرّ بنا زمن طويل و لم نتجرأ على تأملِ فيما يصيبنا من إهمال و هشاشة و عبث، و فضّلنا الركون و استهلاك ما يتيحه لنا من نسميهم "النخبة" أو "المتخصّصون" أو "الخبراء" أو "المنتخبون" بلغة الديمقراطية. لا أدري لماذا لا نتساءل عن معايير اختيار هؤلاء… من الخير لنا إذا أردنا أن نحيا أن نُقلّب طرائق تفكيرنا. ألم يأنْ لنا أن نغير موضوعات عقولنا؟ ألم يأنْ لنا أن نمتعض من الإحساس بالهوان؟ ألم يأنْ لنا أن نغيّر ما بأنفسنا؟ لا خير في كثير من نجوانا إلا من تبيّن في أمره. و قليل ما هم. إن تبيّن الأمر يبدأ بالشعور بالإدانة. و العاقل من دان نفسه و أعاد التفكير في كل شيء. لقد مرّ على إنساننا أوقات، و لم يتغير كثير شيء فيها. و بلغة الاقتصاد و التنبؤ فالمؤشرات قوية، إلا أن الفاهم قليل. لا يسأم صناع القرار في بلداننا من صناعة قوالب جاهزة لنا، و ما معظم ما نتلقاه في بيئاتنا إلا انعكاس لقرارت مبيّتة، و نحن لا نتبيّن. أصبح من يرسم معالم مستقبلنا هم الساسة و رجال المال. لم يعد للنقد أو المراجعة حظ في عقولنا، فقد سلّمنا حيواتنا لأناس حسبناهم على علم بما نحتاج، و قبلنا خياراتهم على تناقضها، و عذرناهم لما جاؤوا به من بهتان. إننا في هذا العالم لا نؤكد حقائق و لكننا مطالبين بأن نفند أخطاءً. و من الصائب أن لا نُقَولَب في نماذج نمطية مكررة، بل لنا أن نبحث عن بيئات و عوالم جديدة تتيح لنا العيش الكريم، فالمستقبل مفتوح. لقد دأبنا على موضوعات اخْتيرت لنا، لم نتريث في تبيّن طبيعتها و سمحنا لها باختراق عقولنا. و كان أكبر هذه المضوعات السياسي، فالديني. انطلقنا نكرر و نستعمل اللغة في محاولة معالجة قضايا تهمّ أمتنا، أو إيجاد حلول لمشاكل مستعصية. لم نُرد أن نحيد عن هذين الموضوعين. النقاش الأكاديمي و نقاش المقهى لا يأخذ مداه في أهوائنا و متخيلنا إلا إذا سيّسناه أو صبغناه بمسحة دينية. لم نبالي بقدرتنا على خلق مسافة بين الموضوع و الذات، و خضنا في تفاؤل التغيير، و لم ننتبه لمسألة التعقيد. نناقش الموضوع من داخلنا و لا نتجاوز ذلك إلا قليلا. من الصحّي أن نبحث عن موضوعات تُسعفنا في سلامتنا العقلية. إن مفهوم التغيير أخذ منحى غير مستقيم في أذهاننا. التغيير يبدأ ببناء الإنسان لَبناتٍ. الاعتماد يكون على جيل في رؤية تنبؤية صبورة. مغامرةُ التغيير لا تقل شأنا عن مغامرة الحياة. لكن من يعيش الحياة بمنطق المغامرة؟ كلنا نبحث عن استقرار حيواتنا على مرسى الأمن، و يرتابنا الفزع عند ذكر التغيير. هذا من بقية آثار التربية الفقيرة. ما أحوجنا لمن يذكرنا همّةَ أجدادنا. شرط التغييرِ تغييرُ قبلتنا من استهلاك الصورة و الصوت إلى استهلاك الكلمة. و قد يصيب عقولنا حظ عظيم يوقظ فكرنا و يصحح فهمنا. إننا و مواقفنا نتائج مواجهات و نقاشات لا نهاية لهما. و إذا رجعنا قليلا للوارء فقد نفهم أنه من غير الممكن أن نصل إلى توافق سريع لمواجهاتنا و نقاشاتنا. لأن الحقيقة صعبة المنال. لكننا في المقابل إذا استطعنا خلق علامات تفكير نقدي مبتكر و استطعنا إعادة تقدير نظرياتٍ ركائزَ اعتمدنا عليها كثيرا في إدراكنا و تصورنا لأنفسنا و لما نريده، فقد نصل إلى ابتكار نظريات خلاّقة و تصورات حلومة. ما أحوجنا إلى حلم كوني بنكهات محليّة.