يلاحظ المتتبع في الآونة الأخيرة لما يكتب حول الأمازيغية في الجرائد والمواقع المغربية، غلبة هاجس الخوف مما يمكن أن يخلق، أو يتشكل في الأفق، إذ تحدث بعض الكتاب عن ثقافة الحقد والكوطا ( أ عبدالمجيد جحفة)، في مقابل حديث آخرين عن التوظيف السياسي لما هو ثقافي ( أ المختار لعبدلاوي )، في حين عبر بعضهم عن أمازيغيته بطريقة لم تتجاوز التعبير المألوف لدى الكثيرين منا ( أ مصطفى تاج الدين )، باعتبارنا مغاربة تجتمع في دواخلنا وتتمازج ثقافات مختلفة، وذلك عنوان مغربيتنا. لا نختلف وأحقية كل كاتب في التعبير عن تصوراته، إن كان لنا في الأصل حق اتخاذ مثل هذا الموقف، وإنما نحن أمام أفكار ترجمها كتاب عبر مقالاتهم أقل ما تستحقه منا تقديرها بالقراءة والنقد والمراجعة، لكن قد نختلف إلى حدود التنافي حينما تسيطر هواجس السياسي على الباحث، فتتحكم في أفكاره وتأملاته. إذ قد نتقبل موقف التشنج والارتهان للمصلحة حسب مفهومها السطحي داخل واقعنا السياسي المغربي – ولا خلاف لنا مع المصلحة– بينما لا يمكن أن نتفهم عدم قدرة باحثين - نقدر ما يقدمونه - في أن تنحبس لديهم القدرة في تقبل " خلق الإمكان "، إن لم نقل انحباس قدرتهم للإسهام في التأسيس لنقاش ناضج لا يحاول تقديم وصاية، أو نفورا من وهم/شيء يمكن أن يدخلنا في اتجاهات – وفق المنطق السياسي المسطح- قد تقلب البلاد وتؤسس لانقسامها وما إلى ذلك، في تكريس لخطاب ألفناه داخل قنوات سياسينا وضمن خطبهم البالية. في نقد إمكان التأسيس للغة الأمازيغية الجامعة، قدم الكثيرون شروحا وتحاليل للواقع اللغوي الأمازيغي والانقسامات التي تتخلله، كما أدخلوا الاقتصادي والعبئ الذي سيكلف نفقات الدولة دائرة النقاش، دون أن نجد أي استدراك – على الأقل – في أحقية أي منا في خلق أمله، وأحلامه وأفكاره وما إلى ذلك مما يعتبر قيمة الإنسان الأولى وضميره الذي يضمن دائما عدم وثوقيته وثباته ويحفظ انسيابيته المستمرة. لا نود الدخول في نقاش اللغة الأمازيغية وإمكانات نجاح دسترتها من عدم ذلك، لكننا نحاول تتبع – ما نعتقده – مرجعا تحكم في كتابات الكثيرين – إن لم نقل تخوفاتهم – إذ سيسوء الأمر حين يقدم بعض باحثينا فصلا للسياسي عن الثقافي لا يتجاوز كونه وهما، إذ هما كما نعتقد وجهان لعملة واحدة لا يمكن الحديث عن أحدهما دون الآخر، إن لم نقل بأولوية الثقافي باعتباره محددا للهوية السياسية وموجها للكثير من رمزياتها وأبعادها، ومؤطرا للعلاقات التي قد تنسجها خارجيا مع بقية الأمم، كما تعد إطارا ومرجعا لسلوكات العقل السياسي وبنيات وعيه/ولا وعيه لدينا. وأعتقد أننا لهذا الغرض – ربما - نرهق أنفسنا بمحاضرات حول أولوية التغيير الثقافي والتركيز على قيمة هذا المكون في التأسيس لمجتمع الحداثة ... إلخ. إننا كثيرا ما نحاول الدخول في نقاش الكثير مما نصوره راهنا وطنيا ونحاول ما أمكن دفع عدم تسيسه أو عدم انحيازه أو إمكان خلقه لأي انقسام ....، بينما نقدم تحليلنا في قالب يلبس في غالب الأحيان لباس ما ينتقده إن لم نقل يثير ما يعتقده محذورا. وقد كنت أتوقع مما كتب وممن كتب؛ أن لا يدخلنا في لغة الاتهام لأي طرف كان، أو يضعنا موضع اليأس، أو يحاول إفزاعنا وكأن الأرض قد تصير غير الأرض. كنت أتوقع أن يقدم الكثيرون مبررا تحليليا لردود الأفعال التي نراها والتي يذهب بعض متبنيها في اتجاه يبقى محط نقاش. ولذلك أعتقد بأننا أمام مثل هذا الوضع مدعوون لتمالك النفس ما أمكن، والدربة على المسير إلى أقصى درجة ممكنة في تقبل اختلافنا الذاتي قبل اختلافنا مع الآخرين، إن لم نكن مدعوين لتجاوز أنفسنا - لا سلبا وإنما إيجابا - دون أن ننفي قيمة ما سنقدم من تحليل ونقاش، ودون أن نصيره وصاية، أو تأكيدا على ما نعتقده موضع اختلاف وتناف. فلم أجد في كل ما قرأت حديثا عن الإمكان اللغوي " الأمازيغي"، وما يمكن أن يعيده من اعتبار للذات المغربية من خلال إحياء بعد من أبعادها، أو لنقل – حسب تصوري- يسهم في بعث عمقها التاريخي الذي ظل دائما يحاول الحديث والتسرب من خلالنا بطلاقة وحرية، فهل يأتي باحثونا ليقفوا أمام كل هذا الأمل، في حين يتقبله – على أفضل تقدير- بعض سياسيينا. ولذلك ليس مقبولا أن يضيق صدر الباحث وافقه بهذا الإمكان اللغوي، كما ليس مقبولا عدم اندماجه في التأسيس لتسامح وتفاهم يكون محور خطابه، بدل تقديم ما يستبطن عنفا رمزيا وقسريا سيبحث عن أشكال تجلياته في كل لحظة ممكنة. ألا يحق لنا أن نتساءل حول ما نكتب، أنكتب لنتجاوز حوارنا الداخلي، واستنساخ ذواتنا، أم أننا نكتب لتأسيس واقع تقبلنا لآخرنا، والوفاء لحقه في وجود ملؤه الوجود بكل مقتضياته، أنكتب بنفس الباحث أم بنفس الغالب وصاحب الحظوة. هل نحاول من خلال ما نكتب تخويف من ننتقد من أنفسهم وتحسيسهم بخطورتهم، أم تخويف الغير منهم، أم نحاول وإياهم تحليل ما يطرأ حولنا ومحاولة الفهم لا اقل ولا أكثر. هل بطرحنا للتساؤل حول التكلفة الاقتصادية للتعدد اللغوي أو الدسترة نتجاوز المشكل، ألا يمكننا تدبيره وفق ظرفية تتماشى وأولوياتنا، وطبيعة النقاش الذي يمكن أن نثيره، أم المسألة تحتمل اعتبار كوننا لسنا في وضع يؤهلنا بعد لذلك . إستفهامات كثيرة أعتقد أن الاقتصادي يبقى أقلها أهمية إن لم يتجاوز الكثيرون حدود التسامح في تقبل/فهم مثل هذا التساؤل والنظر إليه لا باعتباره نقاشا وإنما موقفا رافضا بالإطلاق أو ملغيا لفرضية هذا الإمكان اللغوي في الأصل. ألا نستطيع أن نؤسس من خلال ما نكتب لفهم مفاده أن تثبيتنا للآخر إنما هو تثبيت للأنا، هذا إن سلمنا بتواجد آخر هنا وأنا.