أكثر من 120 جريحًا في ضربات صاروخية إيرانية على مواقع إسرائيلية.. ونتنياهو يتحدث عن "ليلة صعبة للغاية"    الجيش الملكي إلى نصف نهائي إفريقيا.. والجامعة تنوه ب "العمل الكبير" للعساكر    تحركات عاجلة لإطلاق سراح الجماهير العسكرية بالقاهرة    "كلمات" عمل جديد لمنال يمزج بين الحس العاطفي والإنتاج العصري    شيماء عمران تطلّ بإصدار جديد يمزج التراث بالحداثة في "عييت نكابر"    المنتخب الوطني لأقل من 23 سنة يواجه كوت ديفوار في مباراتين وديتين    47 مصابا بديمونا الإسرائيلية في رد إيران على قصف "نظنز"    طارق السكتيوي يقدم استقالته للقجع.. فهل هو غاضب؟    بطولة إيطاليا.. ميلان يستعيد توازنه والوصافة في انتظار خدمة من فيورنتينا    انخفاض مفرغات الصيد البحري بميناء الصويرة        إغلاق مستشفى أكادير يثير الجدل    جيش أمريكا يقدم حصيلة ضرب إيران    قتيل و8 جرحى في حادثة بجرسيف    إضراب جهوي للمساعدين التربويين بسوس ماسة احتجاجا على تعثر صرف المستحقات المالية ورفض التسوية.    أنفوغرافيك | 9 شركات مغربية ضمن ضمن قائمة "فوربس" لأكبر 100 شركة في الشرق الأوسط    12 ألف مقاولة جديدة بجهة مراكش في 2025    مديرة الأكاديمية الجهوية تشرف على تنصيب المدير الاقليمي لجديد بالحسيمة    حلحال: أتطلع لفرض نفسي مع المنتخب المغربي    شغب الملاعب .. توقيف متورط في اعتداءات بالحجارة والأسلحة البيضاء وتخريب سيارات    توقعات أحوال الطقس ليوم غد الأحد    مقاييس الأمطار المسجلة بالمملكة خلال ال 24 ساعة الماضية    معدل ملء السدود المغربية يتجاوز نسبة 72% في أول أيام فصل الربيع    تفاصيل البحث القضائي في وفاة شرطي    تقرير دولي: المغرب يحتل مراتب متأخرة في مؤشر سعادة الشباب    عريضة تتجاوز 50 ألف توقيع لإلغاء التوقيت الصيفي بالمغرب    جنرال فرنسي: انخراط أوروبا في حرب ترامب ضد إيران مثل شراء تذكرة رخيصة على متن سفينة تايتنك بعد اصطدامها بجبل الجليد (فيديو)    الاتحاد الاشتراكي.. الجثة التي ترفض الدفن!    أسعار تذاكر الطيران نحو الارتفاع.. شركات أوروبية تُحذر من صيف مكلف    اليوم الدولي لمناهضة العنصرية يضع "لسان المغاربة" تحت مجهر الفحص    وفاة الممثل الأمريكي نيكولاس برندون عن 54 عاما    النيران تأتي على منزل أسرة معوزة في يوم العيد نواحي اقليم الحسيمة    الاقتصاد العالمي وضغط "الحرب الإيرانية" .. طاقة ملتهبة وأسواق مضطربة    محلفون يدينون إيلون ماسك بتهمة "تضليل تويتر"    قاض أميركي يلغي قيود البنتاغون على الصحافة: أمن الأمة يتطلب صحافة حرة ورأيا عاما مطلعا    "العدالة والتنمية" بأكادير يسجل ملاحظات على تدبير قطاعات محلية قبيل الاستحقاقات التشريعية    نقابة تدعو الحكومة لاتخاذ إجراءات عاجلة لضبط أسعار المحروقات    "ريمونتادا قانونية" في المغرب تدفع الإعلام الجزائري إلى نصب خيام العزاء    ترامب يدرس "تقليص" العمليات العسكرية فيما إسرائيل تواصل قصف طهران وبيروت    فتح باب الترشيح للاستفادة من دعم المشاريع الثقافية والفنية في مجال المسرح برسم الدورة الأولى لسنة 2026    يحيى يحيى: السيادة المغربية على سبتة ومليلية لا تقبل "المزايدات الأجنبية"    تداعيات الحرب على إيران تنبئ باتخاذ إجراءات تقييدية لحماية اقتصاد المغرب    "الماص" يهنئ الرجاء بذكرى التأسيس    مصادر من وزارة الصحة: إعادة بناء المركز الاستشفائي الحسن الثاني بأكادير يتم بروح من المسؤولية والإنصات والتشاور    وفاة تشاك نوريس صاحب أشهر مبارزة سينمائية ضد بروسلي    رياض السلطان يختتم برنامج مارس بعرضين مسرحيين    خبراء يحذرون من "صدمة الجسم" ويدعون لانتقال غذائي تدريجي بعد رمضان    السُّكَّرِيّ: العِبْءُ النَّفْسِيُّ لِمَرَضٍ لا يَمْنَحُ مَرِيضَهُ أَيَّ اسْتِرَاحَةٍ    ظل الأفعى    قصف "المركز الثقافي للكتاب ببيروت"    رسميا.. تحديد مقدار زكاة الفطر بالمغرب لهذه السنة    كيف تتغير مستويات الكوليسترول في جسمك خلال الصيام؟    دراسة: الإفراط في الأطعمة فائقة المعالجة يهدد صحة العظام    إحياء ‬قيم ‬السيرة ‬النبوية ‬بروح ‬معاصرة ‬    خمس عادات تساعدك على نوم صحي ومريح    لا صيام بلا مقاصد    الريسوني يحذر من تصاعد خطاب التكفير والطائفية بعد العدوان على إيران    عمرو خالد يقدم "وصفة قرآنية" لإدارة العلاقات والنجاح في الحياة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



دَسترة 'الأمازيغيّة' والتضليل الشَّعْبانيّ
نشر في هسبريس يوم 18 - 04 - 2011

قد يَكفي في نظر سِرَاع الفِكْر وأهل الأهواء أنْ تأتي، في عنوان هذا المقال، عبارةُ "دسترة الأمازيغيّة" مقرونةً إلى "التضليل الشَّعْبانيّ" (بما هو أمر سَلْبِيّ) لجعل مضمون المقال بِرُمَّته مجردَ تهجُّمٍ ليس فقط على "الأمازيغيّة" (قضيةً ولُغةً)، بل أيضًا على "الأمازيغ" (شعبًا وثقافةً وتاريخًا). إذْ لم يَعُدْ خافيًا أنَّ الحديثَ عن "الأمازيغيّة" يُوشِكُ أنْ يَصير، بين ظَهْرانَيْنا، مثلَ الحديث عن "مِشْواة اليهود" من جرّاء النازيّة ؛ بحيث لا يُقبَل كلامٌ فيها أو عليها إلا مِمَّنْ أُذِن لهم من أصحاب القضية الأُصلاء. ذلك بأنّ "الأمازيغيّة" أصبحت قضيةً شديدةَ الحساسيّة بفعل مَيْل بعض "المُتمزِّغين/المُتمازِغين" إلى عَرْض كل ما يتصل بها على نحو مُلتبسٍ ب"الِاستثارة"، خصوصا حينما يَحرصون على تقديمها كمثال على "المظلوميّة" و"العنصريّة" اللَّتَيْن يقع "الأمازيغُ" (وهم وحدهم) ضحايا لهما (طبعا، على أيدي المُستوطِنين "العرب"!)، بل لا يتردَّدُ بعضُهم في وصم وثَلْب كل رأيٍ مُخالِفٍ -بهذا القدر أو ذاك- بأنّه يُعبِّر عن "الكراهية العنصريّة"!
ولمنع أيّ ٱلتباس أو تلبيس بهذا الصدد، يَجدُر تأكيدُ أنَّ "دسترةَ الأمازيغيّة" ليست على الإطلاق مُشكلةً من الناحية المبدئيّة. إذْ لو كان الأمرُ يتعلق بالأمازيغيّة كشأنٍ يَهُمّ "الشعبَ المغربيّ" وحده في تدبيره لشؤونه وقضاياه، لَمَا جاز الِاعتراض عليها إلا بقدر ما يكون الِاعتراض على أيّ أمرٍ يَحُوم حوله خلافٌ بهذا القدر أو ذاك. وبالتالي، فإنّه يبقى من حق المغاربة -وَهُمْ وحدهم بما هُم شعبٌ حُرّ بِوُسعه أنْ يُمارِس كُلّ سيادته- أنْ يُدَسْتِروا ما يَرونه ضمانًا لحقوق المُواطنين، حتى في الحالة التي قد لا يَعني ذلك إلا أقليّةً منهم.
لكنّ مسألةَ "دسترة الأمازيغيّة" تُمثِّل، في الواقع، جِماعَ قضايا تُتَّخذ ذرائعَ -من قِبَل جهاتٍ في الداخل والخارج- للتضليل بخصوص تاريخ "المغرب" وهُويَّته وعلاقته ب"المشرق" (العربيّ) ومصيره المُستقبليّ والسعي، من ثم، إلى تحقيق جُملةٍ من المآرب التي من شأنها أَنْ تُضِرّ بوحدة "المغرب" وٱستقلاله وتطلُّعه إلى الِازدهار. وبالتأكيد، لنْ يرى بعض "المُتمزِّغين/المُتمازغين" في هذا القول نفسه سوى كونه تضليلا يُريد الِالتفاف على "دسترة الأمازيغيّة" بتوسُّل ذريعةِ التدخُّل الأجنبي و/أو إثارة الفِتَن (سواء أكانت عرقيّةً أم لغويّةً أم عقديّةً) ضمن "مُغالَطة المُؤامرة" الممجوجة والمُتهافِتة. غير أنَّ نفيَ إمكان ذَيْنِك الخَطرَيْن أو وجودهما ليس مسألةً خِطابيّةً أو بلاغيّةً، وإنّما هو ضربٌ من الِاستخفاف الذي لا يُجْدِي في مقامٍ كُلّ الأدلة والقرائن تُثبِتُ أنَّ "المغرب" (وليس وحده) كان ولا يزال مُستهدَفًا من قِبَل قُوًى عالميّة وإقليميّة تعمل، بالأساس، على دعم "ٱلْبَلْبَلة" تمهيدًا لإضعافه وتقسيمه وطلبًا للسيطرة عليه وٱستتباعه.
وإذا كان لا يَصِحّ أنْ يُتَّخذَ ذلك سببًا كافيًا لمنع أيّ مطلب دِمُقراطي، فإنه لا يَصِحّ كذلك أنْ يُطرَح داخليًّا أيُّ مَطلبٍ على نحو من شأنه تعزيز فُرَص الأعداء والخُصوم في النَّيْل من المُقوِّمات المُحدِّدة لوجود وٱستمرار "الأُمّة المغربيّة". ولهذا، فإنَّ الدعوةَ إلى "دسترة الأمازيغيّة" لا يُمكن أنْ تَكتسب كاملَ معناها إلا إذا أُثْبِتت جدارتُها عموميًّا في إطار العمل على تقوية وتنمية غايات "الاستقلال" و"الوحدة" و"التقدُّم". ولأنّ الأمر بهذه الخطورة، فإنه لا بُدَّ أنْ يكون موضوعًا لنقاشٍ عُموميّ مسؤول وعميق، بحيث إنّ كل مُحاولةٍ تُغيِّب المُساءلةَ النقديّةَ أو تَختزلُها في مجرد "التسفيه" و"التسخيف" تَصيرُ داخلةً ضمن "التَّسايُس الشَّعْبانِيّ" الذي قد يتوسَّل ب"الترهيب" و"التخوين" فيقترب من "التضليل الظَّلامي" حتى إِنْ حَرَص أصحابُه على رفع شعار "التنوير الحداثي"!
إنّه لا يخفى أنَّ ٱزديادَ ٱنحسار المُمكِنات بمجالِ المُمارَسة السياسيّة صار يُضيِّق فُرص الِابتكار والتجديد على مستوى الرُّؤى والوسائل بنحوٍ يجعل طُلَّاب السياسة والعاملين عليها لا يتردَّدُون في تعاطي كل ما من شأنه أنْ يَكْفُل لهم التقرُّب من مُختلِف فئات الشعب وٱستغلال حاجاتها وٱنتظاراتها، بل التلاعُب بتناقُضاتها. ومن هنا، فإِنَّ الدعوةَ إلى "دسترة الأمازيغيّة" باعتبارها "اللغةَ الأصليّةَ" و"لُغةَ الهويّة" و"لُغةَ الأُمِّ" و"لُغةَ الأكثريّة" ليس سوى تَسايُسٍ شَعبانِيٍّ (أو "تَشاعُب") يَأْبى الإفصاح عن نفسه فلا يَلبث أنْ يتحوَّل إلى "تضليل ظَلاميٍّ" يُلبِّس على الناس برفع الشعارات الكبرى ("التنوير"، "الحداثة"، "الدمقراطيّة"، "العَلْمانِيّة") ويَخْلط بين المُطالَبة الدمقراطيّة والمُزايَدة الغَوغائيّة.
ذلك بأنَّه لا "لغةَ أصليّةَ" إلا تلك التي تَكلَّمها "الإنسان الأوَّل" (جَدّ البشر أو آدم)، حيث إنّه كُلَّما ٱمتدّ التَّراجعُ عميقًا في الماضي البشري، صَعُب معه تحديدُ ملامح الإنسان بدقَّةٍ فاستحال، من ثم، الإمساكُ بذلك "الأصل" المزعوم، سواء أكان عرقيًّا أمْ لُغويًّا أمْ ثقافيًّا. وإذا كان لا بُدّ من الحديث عن "أصلٍ لُغويٍّ"، فإنّه لن يكون سوى هذه "القُدرة الطبيعيّة" المُعطاة إلى كل الناس والمُتجسِّدة في الِاستعداد الفطري لاكتساب وٱستعمال "اللغة". فليست ثمة، إذًا، لُغةٌ تختص بالهويّة فتتعيَّن لسانيًّا كلُغةٍ مُحدَّدة، وإنّما ترتبط "الهُويَّةُ" باللغة عُمومًا كآلياتٍ بِنائيّةٍ تَدْعَم فكرة "الوحدة/المُماثَلة/التناغُم" في خِضمِّ واقعِ "التغيُّر" و"التعدُّد" المُحيطَيْن ضرورةً بكل كِيانِ الإنسان الذي لا يَملك واقعيًّا أنْ يَشعُر ب"الِانتماء" و"الِاستمرار" إلَّا ٱجتماعيًّا وتاريخيًّا بفعل "اللُّغة" كوسيطٍ رمزيّ وناقِل ثقافيّ. وكل الألسن واللغات تُؤدِّي تلك الوظيفة التي تَتحدَّد بأنها -كما يُؤكِّد "بورديو"- جزءٌ من "السحر الِاجتماعي" الذي يجعل "الِاعتباطيّ" طبيعيًّا وبديهيًّا. وأما "لُغةُ الأُمِّ"، فليست ٱمتيازًا إلا مِن حيث أهميتُها في تيسير التنشئة الأُولى والتمهيد للتنشئة النِّظاميّة التي صارت، في إطار المجتمعات المعاصرة، مُتعلِّقةً ب"المدرسة" حيث يُعادُ إنتاجُها تهذيبًا وتنقيحًا في صُورةِ "لسانٍ معياريٍّ" و"لُغةٍ مشروعةٍ" يُعبِّران عن ٱشتغالِ آلياتِ "السيطرة" ٱجتماعيًّا وثقافيًّا في ٱرتباطها ب"العنف الرمزيّ"، أكثر مما يُعبِّران عن "لُغة الأُمِّ" في أوليَّتها وعفويَّتها، بحيث ليس هناك لِسانٌ يُعلَّم في "المدرسة" يَستحِقّ أنْ يُسمّى "لسانَ الأُمِّ" تمييزًا وتفضيلًا. ولهذا، فإنَّ "لُغةَ الأكثريّة" لا تكون أبدًا واحدةً ومُحْتَتِنةً إلا في المدى الذي تشتغل مُؤسَّساتُ "الدولة" (وعلى رأسها "المدرسة" و"وسائل الإعلام") بتنميطِ وترسيخِ "اللِّسان المعياريِّ" كلُغةٍ مشروعةٍ يُفترَض فيها أنْ تضمن لأكثريّةِ المُواطنين "كفاءةَ الكلام" المُناسِب واللائق الذي تَتحدَّد بالنسبة إليه، ودُونَه، رَطانةُ العوامّ الذين قد يكونون هم الأكثريّة في بلدٍ لم يُنْجِزْ بعدُ ٱلِانقلابَ المتعلق بتعميم "التعليم المدرسيّ". فلُغة الأكثريَّة مُتكاثِرةٌ ومُتبايِنةٌ في واقع التداول اللغوي على النحو الذي يجعلُ الحديث عن لسانٍ بعينه كما لو كان واحدًا ومُحتتِنًا حديثًا يُغْفِلُ أنَّ "اللغةَ" لانهائيّةٌ من الفُرُوق والتغايُرات الِاستعماليَّة بفعل التفاوُت الحاصل في شروط الوُجود والفعل البشريَّيْن، و"التعليم المدرسيّ" هو وحده الذي يُحاوِل تقليلَ وتلطيفَ تلك الفُرُوق والتغايُرات من خلال تثبيت وترسيخ "اللِّسان المعياريّ".
ومن أجل ذلك، فإنَّ كونَ "العربيّة" مُستعملَةً في "المغرب" (وفي شمال أفريقيا كُلِّه) على أكثر من مُستوى لا يجعلُها مُطلقًا أقلّ أصالةً من "الأمازيغيّة" كما يَتوهَّمُ (ويُوهِمُ) بعضُ الناس، وليست بالتالي أبعدَ عن هُويّةِ المغاربة ولا هي بأضعفَ تَغَلْغُلًا من غيرها في أوساط الشعب. فكيف يُقبَل، إذًا، أَنْ يُقال عنها بأنّها لُغةٌ أجنبيّةٌ وغريبةٌ وهي اللغة التي يَرجِع وجودُها الأكيد، بهذه المنطقة، إلى ٱثني عشر قرنا (وإلا فإنَّ وُجودَها البعيد يرتبط، على الأقل، باستيطان "بني كنعان" أشقاء "العرب" الذين شاعت تسميتُهم تحريفًا ب"الفنيقيِّين" خُضوعًا لتأثير اللغتين اليونانيّة والرُّومانيّة)؟! أليست "العربيّةُ"، من ثمّ، أقدمَ وأرسخَ في "شمال أفريقيّا" كُلِّها من "الإنجليزيّة" و"الإسبانيّة" و"البرتغاليّة" و"الفرنسيّة" في "القارة الأمريكيّة" (منذ خمسة قرون فقط)؟! هل يَصِحّ رفضُ هذه اللغات في تلك البلدان بدعوى أنّها أجنبيّة وٱستيطانيّة حتى يَصِحّ رفض "العربيّة" بصفتها هي أيضا كذلك في "شمال أفريقيا"؟! وكيف يُرادُ قطعُ "المغرب" (و"شمال أفريقيا" بكامله) في لُغته وهُويّته وثقافته عن "العربيّة" و"المشرق" (وأيضا، بل أَساسًا، عن "الإسلام")، إذا كان "الشرقُ" يَحضُر بقوةٍ حتى في أعماق "الغرب" كما ما فَتِئت الدراساتُ تُثبِتُه على أكثر من مُستوى (يُراجَع، مثلا، «الشرق في الغرب» ل"جاك غُودي")؟!
إِنَّ ما يَغْفُل عنه كثيرون هو أنّ الدعوةَ إلى ترسيم "الأمازيغيّة" دستوريًّا تَحمِل، رغم مشروعيّتها، حقيقةً نقيضيَّةً يَأبى بعضُهم تقبُّلَها والتعامُل معها، وهي حقيقةٌ تنطبق على "الأمازيغيّة" و"العربيّة" كلتيهما في حاجتهما إلى الترسيم الدستوري: إِذْ بما أنّ هذه اللغة أو تلك لا تستطيع، في الواقع الفعليّ، أَنْ تفرض نفسها بمجرد قوّة التَّداوُل (من خلال الِاستجابة لأهمّ الحاجات العمليّة والمُباشرة في الحياة اليوميّة)، فإنّها تستنجد بالسلطة العُموميّة (التي تُمثِّلُها "الدولةُ" بكل أجهزتها ومؤسساتها)، ٱبتداءً بالدستور وٱنتهاءً بالقوانين وتَبِعاتها المُلْزِمة قَسْرًا و/أو زَجْرًا. ولعلَّه لا شيءَ يَكشِفُ حُدود التمكين لِلُغةٍ بواسطة الدستور أكثر من تجربة "العربيّة" نفسها في واقع الِاستعمال بكل الدُّول التي تَعُدُّها لُغةً رسميّةً، حيث إنّ ضعف أو ٱنعدام أسانيد التفعيل التداوليّ لم يَشفعْ لهذه اللغة (ولا يُمكِنه، بالتالي، أنْ يَشفعَ لغيرها) على مستوى حيوِيّة وحركيّة الِاستعمال. ذلك بأنَّ إنتاجَ "اللغة" وٱستهلاكَها مَشروطان باقتصادٍ ماديٍّ ورمزيٍّ يتجاوزُ ما هو "لُغويّ" و"رسميّ" ويُلابِسُ ما هو "طبيعيّ" و"ٱعتباطيّ" على مُستوى الِاستعمال التداوليّ بكل سياقاته وأسواقه. وهذا ما يجعل تبريرَ أزمة "العربيّة" في واقع التداوُل فقط بانعدام الحماية القانونيّة مُماثِلًا للتعليل الذي يرى أصحابُه أنّها إنّما تَعيش الأزمةَ لأنّها ليست "لُغةَ الأُمِّ" و/أو لضعفها وقُصورها الذاتيَّيْن. ومن البيِّن أنَّ ما يجمع بين أصحاب هذين المَسلكَيْن في وصف وتفسير واقع ٱستعمال "العربيّة" إنمّا هو تغييب الشروط الواقعيّة (غير اللغويّة وغير الرسميّة) التي تجعل "اللغةَ" تُكتسَب وتُستعمَل بمُلازَمةِ أَنْفاس الناس وحركاتِهم المُختلفة وهم يعيشون وُجودَهم اليوميّ بكل مُغْرِياته وإكراهاته.
ومن ثم، فإنَّ "الدولةَ" لا تستطيع أنْ تفرضَ على الناس من "اللغة" إلا بقدر ما يُفرَض عليها، هي نفسُها، أنْ تُدبِّر أنواعَ ودرجات الِاختلاف والتفاوُت بالشأن العام، حيث ينبغي أنْ يبقى التداولُ اللغويُّ في حدود التفاعُل والتبادُل المدنيّ وبعيدًا عن ضمان الِاحتكار بشكلٍ مُتسلِّطٍ لوسيطٍ لُغويٍّ بعينه. فاللغةُ لا تَفرِض نفسَها -وبَلْهَ أنْ تُفرَض بسلطةٍ خارجيَّة- إلا على أساسِ قُوّةِ النَّوابِض التداوليّة التي تجعل للناس مصلحةً في ٱكتسابها وٱستعمالها. وإنّه لمن الدَّالِّ جِدًّا، بهذا الصدد، أنْ تكون "العربيّةُ" -رغم كُلِّ ما تَحظى به كلُغةٍ "معياريّةٍ" و"عالِمةٍ" و"دينيّةٍ" مُكرَّسةٍ مدرسيًّا وإعلاميًّا ودُوَليًّا- غير قادرة حتى الآن على فرض نفسها بشكل ناجِعٍ في سُوق التداوُل التي لا تزال تجعل الغَلَبةَ للُّغات الأوروبيّة باعتبارها، أساسًا، لُغاتِ "العلم" و"التقنية" و"الشُّغل" على النحو الذي يَكْفُل لها حاليًّا "نجاعةً تدوليّةً" لا تُضاهى.
ونجدُ، على مستوى آخر، أنَّ المَطلبَ الأساسيَّ للشعب المغربي قاطبةً كان ولا يزال بناءَ "الدولة الراشدة" قانونيًّا ومُؤسَّسِيًّا كقاعدةٍ موضوعيّةٍ للِاشتغال مَدنيًّا وعُموميًّا بقصد تدبير الشأن العام على نحوٍ يُحقِّق التوزيع العادِل والمُنصِف للموارد والخيرات والِامتيازات. ولهذا، فإنَّ مسألةَ تدبير التعدُّد والتفاوُت لغويًّا وثقافيًّا بالمغرب (وليس فيه وحده) لا معنى لها إلا في إطار دولةٍ "مدنيَّةٍ/راشدةٍ" صارت أكثريَّةُ مُواطنيها مُؤهلةً تعليميًّا لمُمارَسةِ حقّها في الِاختيار سياسيًّا وٱجتماعيًّا وثقافيًّا. ولَنْ يَتأتَّى ذلك في ظل مجتمع ما زال نحو نصف سُكّانه لا يعرفون القراءة والكتابة (وهم لا يعرفونها ليس بسبب أنَّهم "أمازيغ" أو "عرب" أو بفعل "التعريب" كما يُروِّج المُبْطلِون تضليلًا، بل لأنَّهم حُرِموا ٱجتماعيًّا وسياسيًّا حقَّهم الأساسيّ في "التعليم/التعلُّم" كما حُرِم معظمُهم من حقوقه الأخرى!). ومن الثابت أنَّ حسمَ ذلك الأمر لا يكون إلا بتمكين مجموع المُواطنِين من حقِّهم في "التأهيل الألفبائيّ" (المُسمَّى نشازًا "محو الأميّة"!) في إطار التراكُم المُشترَك وطنيًّا الذي ليس سوى "الألفباء العربيّ" (الذي يُسمِّيه المُبْطِلون تَنقُّصًا "الخط الآراميّ"، فيُثْبِتون بذلك مدى جهلهم ب"الخط النَّسَبِيّ" المُؤكِّد لقَرابة كل الخطوط التي تجد أصلها في "الألفباء الفينيقيّ"، بما فيها "الخط اليونانيّ" و"الخط اللاتينيّ"، وبَلْهَ "الخط الآراميّ" و"الخط السُّرْيانيّ" شقيقي "الخط النَّبَطيّ" الذي هو الأصل المباشر للخط العربيّ!) ؛ فهو الذي من شأنه أنْ يُعطيَ، على الأقل، الحدَّ الأدنى في تعليم/تعلُّم القراءة والكتابة (سواء بالعربيّة أو بالأمازيغيّة). ومن هنا، يأتي الخطأُ الشنيعُ الذي ٱقترفه الذين ٱصطنعوا ألفباء "تِفيناغ"، من حيث إنهم -بدعوى ٱسترجاع الخط الأصيل وضمان الكتابة المُكتمِلة- ٱنْتَهَوْا إلى تكريس القطيعة بين لُغتَيْنِ يَستحيلُ الفصلُ بينهما تاريخيًّا ولُغويًّا وثقافيًّا ومَجاليًّا بفعل تجذُّر وعُمق التداخُل والتكامُل بينهما تكوينيًّا وبنيويًّا ووظيفيًّا، وهي القطيعة التي من شأنها أنْ تُعزِّز التنافُرَ اللغوي، بل مآلُها أنْ تُعمِّق الحِرْمانَ من الحق في "التأهيل الألفبائيّ" نفسه!
وهكذا، فإنَّ تقديمَ "الأمازيغيّة" (أو أيضا إحدى "العاميّات") كما لو كانت هي "البديل" على المدى المتوسط أو البعيد، أو بأنَّها "النقيض" الواقعي أو المُفترَض للعربيّة يُعَدُّ مُحاولةً غير مُتبصِّرة وغير مُجدِيَة، ليس فقط لأنّها مُحاولةٌ تُصِرُّ على تجاوُز مُعطيات الواقع (بالأساس، توفُّر "العربيّة" على ما يَكفي تداوليًّا للانخراط الفعليّ في واقع الحداثة تجديدًا وٱبتكارًا)، بل لأنَّها لا تَمْلِكُ -من الناحية التداوليّة- أنْ تُعلِّل لُزُوم ٱستبدال لغةٍ بأُخرى خارج "الِاعتباطيّة" الأصليّة المُميِّزة لِلُّغة في العالم البشري وأنّها تبدو، بالتالي، مُضطرَّةً إلى ٱلِاستناد للإكراه السُّلطويّ ولو في ألطف وُجوهه ("الترسيم الدستوري") لتسويغ فَرْض هذا "ٱلِاعتباطيِّ ٱللغوي" من دون غيره!
يتبيَّن، إذًا، أنَّ العمل المُتنكِّر الرامِي إلى تقديم "الأمازيغيّة" بَديلًا أو نقيضًا للعربيّة في "شمال أفريقيا" ليس سوى ٱستدراج ماكر يَدفعُهما معًا نحو حربٍ لُغويّةٍ قد يكون هدفَها بالفعل، على المدى المتوسط، ٱستبدالُ "الأمازيغيّة" مكانَ "العربيّة" ؛ لكنّ هدفَها البعيد لن يَقِلّ، بالتأكيد، عن التَّمكين للعاميّات (على ٱختلافها وكثرتها) تكريسًا ل"ٱلتخلُّف ٱلمُستدام" (من حيث إنَّ "العاميّات" ستحتاج إلى عدّة عقود لكي تستوي كألسن معياريّة، ثم عقود أخرى لتصير كلُّها أو إحداها لغةً مُهيمِنةً كلغة مشروعة تُيِّسر "الإنشاء" الفني والثقافي في أرقى أشكاله!)، تخلُّف مُستدام سيُؤدِّي حَتْمًا إلى ٱستعمال إحدى اللغات الأجنبيّة، وهو الِاستعمال الذي لنْ يكون معناه شيئا آخر سوى التبعيّة الِاستعباديّة التي تَستعيد "الِاستيطان" مُجَدَّدًا ومُمَكَّنًا وتقتل "روح الِاستقلال" ٱبتكارًا ونُبوغًا. ولو تمّ هذا، فستجدُ "العربيّةُ" و"الأمازيغيّةُ" نفسيهما قد صارتا إلى متحف اللغات المُماتة! وحينئذ سيُدرِكُ تُجّار التضليل تَسايُسًا وتَشاعُبًا أنَّ تدبيرَ التعدُّد والتفاوُت لغويًّا وثقافيًّا يَحسُن فيه تعاطي "التَّوافُقات المعقولة" ولا يُجدِي معه إطلاقًا ٱلِانسياق وراء المُزايَدات المُتهاتِرة والمُغالطات المُتكاثِرة!
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.