أجواء باردة.. توقعات أحوال الطقس اليوم الأحد    القصة الكاملة لخيانة كيليان مبابي لإبراهيم دياز … !    حادثة سير مروعة بطنجة تودي بحياة فتاتين وإصابة شابين    الشاذر سعد سرحان يكتب "دفتر الأسماء" لمشاهير الشعراء بمداد الإباء    إصابة عنصر من القوات المساعدة بحروق خطيرة في حريق سوق بني مكادة بطنجة    المغرب ينجح في توقيف فرنسي من أصل جزائري مبحوث عنه دولياً في قضايا خطيرة    المغرب يعود إلى الساعة القانونية    التحولات الهيكلية في المغرب.. تأملات في نماذج التنمية والقضايا الاجتماعية الترابية" محور أشغال الندوة الدولية الثانية    الأسير الإسرائيلي الذي قَبّل رأس مقاتلين من "القسام" من أٌصول مغربية (فيديو)    افتتاح أخنوش رفقة ماكرون للمعرض الدولي للفلاحة بباريس يشعل غضب الجزائر    تذكير للمغاربة: العودة إلى الساعة القانونية    نهضة بركان يحسم لقب البطولة بنسبة كبيرة بعد 10 سنوات من العمل الجاد    فيروس غامض شبيه ب"كورونا" ينتشر في المغرب ويثير مخاوف المواطنين    مقتل شخص وإصابة عناصر شرطة في "عمل إرهابي إسلامي" في فرنسا    التعادل يحسم مباراة آسفي والفتح    الجيش والرجاء يستعدان ل"الكلاسيكو"    اختتام رالي "باندا تروفي الصحراء" بعد مغامرة استثنائية في المغرب    منتخب أقل من 17 سنة يهزم زامبيا    توقيف عميد شرطة متلبس بتسلم رشوة بعد ابتزازه لأحد أطراف قضية زجرية    الملك محمد السادس يهنئ العاهل السعودي    في أول ظهور لها بعد سنة من الغياب.. دنيا بطمة تعانق نجلتيها    انطلاق مبادرة "الحوت بثمن معقول" لتخفيض أسعار السمك في رمضان    توقعات أحوال الطقس ليوم الاحد    أخنوش يتباحث بباريس مع الوزير الأول الفرنسي    تجار سوق بني مكادة يواجهون خسائر كبيرة بعد حريق مدمر    المغرب بين تحد التحالفات المعادية و التوازنات الاستراتيجية في إفريقيا    السينما المغربية تتألق في مهرجان دبلن السينمائي الدولي 2025    مسؤول أمني بلجيكي: المغرب طور خبرة فريدة ومميزة في مكافحة الإرهاب    الرئيس الفرنسي يعرب عن "بالغ سعادته وفخره" باستضافة المغرب كضيف شرف في معرض الفلاحة بباريس    عجز الميزانية قارب 7 ملايير درهم خلال يناير 2025    "البيجيدي" مستاء من قرار الباشا بمنع لقاء تواصلي للحزب بالرشيدية    التخلص من الذباب بالكافيين يجذب اهتمام باحثين يابانيين    مساءلة رئيس الحكومة أمام البرلمان حول الارتفاع الكبير للأسعار وتدهور الوضع المعيشي    "الصاكات" تقرر وقف بيع منتجات الشركة المغربية للتبغ لمدة 15 يوما    مشروع قرار أمريكي من 65 كلمة فقط في الأمم المتحدة يدعو لإنهاء الحرب في أوكرانيا دون الإشارة لوحدة أراضيها    رئيسة المؤسسة البرازيلية للبحث الزراعي: تعاون المغرب والبرازيل "واعد" لتعزيز الأمن الغذائي    في حضور أخنوش والرئيس الفرنسي.. المغرب ضيف شرف في المعرض الدولي للفلاحة بباريس    رفض استئناف ريال مدريد ضد عقوبة بيلينغهام    بين العربية والأمازيغية: سعيدة شرف تقدم 'الواد الواد' بحلة جديدة    إحباط تهريب مفرقعات وشهب نارية وتوقيف شخص في ميناء طنجة المتوسط    الكوكب المراكشي يبحث عن تعزيز موقعه في الصدارة عبر بوابة خريبكة ورجاء بني ملال يتربص به    متابعة الرابور "حليوة" في حالة سراح    استثمار "بوينغ" يتسع في المغرب    السحب تحبط تعامد أشعة الشمس على وجه رمسيس الثاني    تحقيق في رومانيا بعد اعتداء عنيف على طالب مغربي وصديقته    الصين تطلق أول نموذج كبير للذكاء الاصطناعي مخصص للأمراض النادرة    رمضان 2025.. كم ساعة سيصوم المغاربة هذا العام؟    دراسة: هذه أفضل 4 أطعمة لأمعائك ودماغك    رفع الستار عن فعاليات الدورة الثالثة من مهرجان روح الثقافات بالصويرة    المؤتمر الوطني للعربية ينتقد "الجائحة اللغوية" ويتشبث ب"اللسانَين الأم"    حوار مع "شات جيبيتي".. هل الأندلس الحقيقية موجودة في أمريكا؟    "ميزانية المواطن".. مبادرة تروم تقريب وتبسيط مالية جهة طنجة للساكنة    الحصبة.. مراقبة أكثر من 9 ملايين دفتر صحي وتخوفات من ارتفاع الحالات    على بعد أيام قليلة عن انتهاء الشوط الثاني من الحملة الاستدراكية للتلقيح تراجع نسبي للحصبة وتسجيل 3365 حالة إصابة و 6 وفيات خلال الأسبوع الفارط    اللجنة الملكية للحج تتخذ هذا القرار بخصوص الموسم الجديد    أزيد من 6 ملاين سنتيم.. وزارة الأوقاف تكشف التكلفة الرسمية للحج    الأمير رحيم الحسيني يتولى الإمامة الإسماعيلية الخمسين بعد وفاة والده: ماذا تعرف عن "طائفة الحشاشين" وجذورها؟    التصوف المغربي.. دلالة الرمز والفعل    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الحَيَاةُ لَيْسَتْ غَاوِيَةً وَلاَ بَاغِيَة
نشر في هسبريس يوم 09 - 06 - 2015

بعد مسار من سبر أغوار الحياة، وبعد تدرج في مراحل وأطوار العيش، أدرك الأب " كريم " أن الواقع دفعه دفعا في اتجاهات؛ تفتقد لشروط تقدير الإنسان لذاته، وتنتفي فيها ظروف اعتزاز الفرد بنفسه أمام أغياره، وتُكتسَح من خلالها الفضاءات والعلاقات والتفاعلات بكل الممارسات والتصرفات والسلوكات الحاطة بالكرامة، والمكثِّفة للتعبير عن كل أشكال الإهانة.
وكانت رغبة الأم " حورية " قبل الأب، أن يُجَسَّد طموحُها هذا، وتشوقُها وتعطشُها لحفظ هذا التقدير، في اسم مولودتها، فكان اسم "حياة "، وحرصت كل الحرص على تنشئتها كي تكون ذات شخصية قائمة على الاحترام، وغير قابلة للإذعان.
نشأت " حياة " وترعرعت. تدرجت في مسالك الحياة مشمولة بالرعاية والحب والحنان، إلى أن استقرت، من حيث معالم شخصيتها، وتموقعها المهني، واندماجها الاجتماعي.
توفي الأب، وظلت الأم المسكينة لوحدها. فقد نال منها الدهر، وصارت تعيش على إيقاع انتظار إطلالة لابنتها بين الفينة والأخرى، وعلى أمنية أن تفلح بنتها في بناء أسرتها الصغيرة.
...............................
كانت " حياة " تحلم بحياة زوجية جميلة، سعيدة وممتعة، مثيرة ومتجددة، وبها من الفرحة واللذة ما تشتهي النفس وتطمئن إليه وترتاح، وتتخللها من اللحظات والأوقات ما يطيب لها الخاطر ويسبح، وتتفاعل فيها المشاعر والأحاسيس بما تفيض الأفئدة وتنضح، وتتعانق من خلالها الأحلام والآمال فيصبح المحال معها ممكنا والمتاح أوضح. حياة، بعيدة عن كل تلك العلاقات المتشنجة والمتوترة والمقرفة، التي ألفتها وخبرتها، في مختلف مراحل نشأتها وترعرعها، داخل الأسرة والعائلة والجيران، وكذا عبر أغلب المقربين والمبعدين.
كانت دائما تمقت تلك التجاذبات العنيفة فيما بين الذكر والأنثى، والاصطدامات المتكررة بين الرجل والمرأة. وتستغرب أيما استغراب لهذا التنافر الحاصل بينهما في العلاقات، ضدا على ما ينبغي أن يكون عليه أمر أقدم علاقة إنسانية؛ من ود ووئام، وحب وهيام، وعشق إلى حد الذوبان.
كان الطموح أو على الأقل هكذا كانت تتصور أن تحظى بزوج محب. تبادله رقة الشعور ورهافة الإحساس من كل أعماق فؤادها، وترتاح إلى دفئ ورحابة صدره، وتهمس له بين الفينة والأخرى بصوت خافت وبنبرة لاهثة لتقول له: أحبك. وتسترخي بعدها، وتتوجه إلى السماء بالحمد والشكر على أجمل وأمتع نعمة تلقتها في الحياة.
كم مرة فكرت في أن تطوي صفحة كل ما مضى من العمر، وتُوَقِّت عقارب الساعة على البداية التي ستجمعها بالزوج/الحبيب. وتستأنف الحياة بباقة من الورود، وسلة من المضادات الحيوية لكل ذلك الفتور الذي أحست به في السابق، والمقوية لذلك الشعور المتوهج والمتلهف إلى حب مغاير، غير حب الأب والأم، وغير حب الأهل والأصداقاء.
كانت متلهفة إلى أن تتواجد معه، ومشتاقة لأن تكون معتزة بالقول أمام الملأ: أنا سعيدة لأنه زوجي، ومتمنية لأن تكتب بنبضات قلبها على طريقة "برايل" عبارات الحب والعشق، وتؤثث فضاءات المكان الذي يجمعها به بأشهى أنواع العطر والرياحين، وتنثر في أرجائها أحلى الأزهار؛ الفل والياسمين.
كانت كلها شوقا لأن تجتمع به، وتُشعِره بأرقى مشاعر التقدير، وكلها تَطَلُّعا لأن تُحضِّر له كل ما تشتهيه النفس في هذه الحياة، وتظهر له مدى سعادتها وحمدها على ما أُنْعِمَت به من حميمية في قلب الحياة الزوجية، بالشاكلة التي لم تكن تقوى حتى على تَخَيُّلِها.
هذه هي الفكرة الحلوة التي كانت تُنَشِّط الدورة الحياتية لها، وهذا ما كان يدفعها أكثر إلى الاعتقاد الراسخ بأن دعواتها له من الآن مستجابة من رب العالمين. إلى درجة أنها وبشكل مسبق خطَّت على منديل جميل شهادة تقدير واعتزاز به، حتى قبل أن تتعرف عليه. وكان توقها أن تهديه في إطار أجمل، وتهديه له كما تهدي نفسها قربانا لهذه الحياة الكريمة المفعمة بالسعادة والمتعة.
...............................
هي لم تكن بهذه المشاعر والأحاسيس، وبهذا المخيال المتسع لكل هذا الأفق من الانتظار الشيق، سوى وعاء حب ممتلئ بالشعر والشاعرية، بالصفات والذات المرشوشة بأحلى أنواع العطر الباريسية، والموضوعة عنوة في بحر حياة مليئة بالأحلام المشروعة.
فعلا، لم تكن تنظر إلى نفسها إلا من زاوية الشمعة التي تضيء سبيله، والشاطئ الميسر لمقابلة كل ما هو جميل في هذه الحياة. يجمعها به بيت مفرط في الرومانسية، وتكبر فيه كل الأمنيات الحالمة. والحلم كل الحلم أن تشق طريقها إلى الوجود.
لم تكن أبدا، لتحتمل أو تتخيل في لحظة من اللحظات أنها قد تبعد عنه ولو لمدة قد تقصر قصر المسافة التي تفصلنا عن ذواتنا. كما لم تكن لتتصور أن يأتي عليها زمن ويقع الفتور في مَلَكَة الحب، أو أن تسكن حركية الشوق والمشاعر المتدفقة، أو أن تجف الأقلام وتعجز عن التعبير عن تلك الأحاسيس العذبة والمتجددة باستمرار.
لم تكن لتضع بذهنها تلك الصورة التي يمكنها أن تمثل نوعا من التوقف عن الإعلان الإنساني للعبارات الحلوة والأبيات الشعرية المتغزلة.
حرقة الشوق ذهبت بها بعيدا لتعتبر أن العمر بدونه لا شيء، وأن الغياب عن محيطه خذلان، وأن السفر في الحياة بعيدا عن نسمات شخصه وعطر وجوده خيانة عظمى.
فاللحظات السعيدة هي في قلب التواجد في تفاصيل حياته، والحياة السعيدة هي الاستقرار في عمق حركاته وسكناته.
...............................
" حياة "، تفور أنوثة طبعا، وتشع جمالا، وتتدفق حيوية، وتفيض حبا. فهي كانت دائما تحلم بالرجل الجذاب، الذى تَكْفُل معه حياة مليئة بالحركة، تحلم بالرجل الذي تأوي إليه فيحتويها، ويملآ الحياة بهجة وسعادة، وتشعره ويشعرها بالأمن والاطمئنان.
لم تكن لتطلب أكثر من أن يكون شريك حياتها ناضجا ورزينا ومستقرا وعاقلا، فهي أبعد ما تكون عن سمات الطيش، وأقرب من حبل العقل والواقعية في التعاطي مع تفاصيل وجزئيات الحياة بعلاقاتها وتفاعلاتها.
لها من الخبرة والتجربة كامرأة، لتكون أكثر قدرة على اتخاذ قراراتها، وأكثر ميلا إلى الاستقرار، وأكثر حيطة وحذرا من أن تسير الأمور في اتجاه غير الاتجاه. فهي على قدر غير قليل من المعرفة بكيفية احتواء شريكها بأنوثتها وعقلها معا.
" حياة "، تلك المرأة المتألقة المتوهجة، تلك المرأة الناضجة المتطلعة إلى الحياة، ذاك الإنسان المقبل على الحب والسعادة حد الثمالة، مع كل مرحلة كانت تمر بها في الحياة إلا واختلفت طريقة حبها للأشياء والموضوعات، بل حتى الأشخاص، وبذلك فقد تنوعت مظاهر جماليتها بتدرجها في سلم التعايش وتحسين طريقة تفكيرها ونضجها.
بخبرتها ومعارفها وألمحيتها، كانت مدركة لسنن التطور والتغير، وهي بذلك كانت على وعي تام بأن لكل مرحلة من حياتها ولكل سن من عمرها مقوماته وخصائصه، وتبعا لذلك كانت مؤمنة بأنها ستتغير، من حيث مميزات شخصيتها ورونق قوامها حسب تغير المراحل والسنين.
لكن، أحلى ما كان يروق ل " حياة " في هذا الوجود، هو تصورها للحب في معمعان هذه الحياة، فما كانت تُعرِّفه سوى بالحنان والأمان والحضن الدافئ، ولا كانت تُسمِّيه بغير الجرأة والجنون في الالتقاء والتعارف.
...............................
هكذا هي " حياة ". ما كانت لتستكين إلى تلك التعريفات المتخاذلة، أو تلك التسميات غير العابئة بكنه المعاني والدلالات التي قد يتخذها الحب في مختلف المراحل والأوضاع.
فالحب حسبها هو الطموح والعمل في مسار البحث عن التفاهم والانسجام، وهو الشوق واللهفة والحنين في كنف الحميمية، وهو الشكر والتقدير والعطف والحنان أثناء إنتاج آليات استدامة البعد الإنساني في الكائن البشري، وهو الرحمة والعطف حيث الصحة تخون والمشاعر والأحاسيس ذات شجون والعد العكسي لا يتراخى ولا يهون.
وبعد كل هذه التمثلات والصور التي علقت بذهن " حياة " لوقت طويل، استطاعت أن تتفاعل مع أحدهم، وتؤسس لعلاقة انتهت بالزواج، الذي لم يُعَمِّر سوى سنتين، كان العنف والإذلال هو العملة السائدة، تُوِّج في نهاية المطاف بتشويه وجهها وإلقائها خارج بيت الزوجية.
...............................
ملقاة هي " حياة " في إحدى زوايا بيت أمها العجوز. غير آبهة بما يدور في محيطها، ولا بما تقوله النساء المتحلقات حولها. فالمناسبة حزن، والأجواء أسى، والعبارات غير مسعفة للتعبير عن نوع من الإحساس بالآخر جراء ما تلقاه من إهانة واعتداء، ولا حتى في التعبير عن المواساة المخففة للآلام والجروح السارية في كل تفاصيل النفس قبل الجسد.
ما زالت بداخلها غصة مقهورة وصرخة مكتومة، وما زال الألم يعتصر ويعتمل. وبكلمة وجيزة: يصحو من النوم هدوؤها الظاهر، ليخدع فورة إنسانة مصدومة ومكلومة.
بينما يسود الصمت في الأرجاء، وتحلق مشاعر الحسرة في الأجواء، تلقي " حياة " بنظراتها العميقة إلى جدران الصالة وما علق بها من صور وندوب. وبين الفينة والأخرى تطلق آخر ما أنتجته البشرية في عالم التنهيدات المشحونة بكل معاني ودلالات الحسرة والألم تجاه ما وقع. وكأن لسان حالها يقول: (اليوم ستشنق الكلمة، اليوم سينتحر الحرف، وفيما تبقى من الأيام ستذرف السطور دموعا ودموعا).
" حياة "، ودون أن تكون قد متحت من دروس التدريب في مجال التمثيل، ولا نهلت من عِبَر التمرين على ركح المسرح، تجسد بالتأكيد حالة مَنْ نزل به بأس شديد، وهوى عليه ردم ثقيل، وبقي تحت وطأة ألم مسترسل في الجسد والنفس طول الزمن.
يعتصر الألم قلب المسكينة، يتلوى ويعتصر من جديد، يطرد الجرحُ النومَ من عيني " حياة "، ليفسح المجال لبروز معاناة أشد ضراوة مما يمكن تخيله.
وصاية.. عنف .. إذلال.. معاناة.. انكسار .. إحباط...
كل هذا، لا يمكنه أن يذهب بها إلا في اتجاه الاقتناع بإعادة النظر في معنى الوجود ذاته، وإعادة صياغة مدلول جديد لتلك العبارة الشهيرة لصاحبها الراحل محمود درويش: (الحياة جميلة يا صاحبي).
...............................
لم تجد " حياة " بدا من أن تستغرق في التفكير غير المرتب ولا المنظم، أو لنقل انساقت وراء لعبة "التدريب العقلي" من أجل تحفيز وعيها الداخلي، والحصول على مداخل ممكنة لاتخاذ قرار بشأن ما وقع.
لهذه اللعبة إفادة للنفس والعقل، لكن ماذا عساها أن تجدي بعد اكتوائها بنار الجرح المندمل في أعماق فؤادها؟ وما الذي يمكن للعبة كهذه أن تقدمه في غياب تام لشروط الاتصال بالنفس، جراء زلزال الأذى الذي لحقها، وجعل الثقة بالنفس تهتز، بشكل يؤكد أن البشرية لم تتنتج لحد الساعة مقياسا له في علاقاتنا وتفاعلاتنا الجارية؟
كل النساء المحيطات بها في بيت أمها على الرغم من مواساتهن لها، وتعاطفهن معها، وتقديرهن لمشاعرها المنكسرة وأحاسيسها المعطوبة غير قادرات على جعلها تتلمس ولو بصيصا من الأمل لاستعادة الشعور بإمكانية التجاوز.
عدا التعبير عن الإحساس بآلامها، وتقديم التعاطف للتخفيف من حدة معاناتها، هي وحدها مَنْ بإمكانها أن تكتشف طريقها، وتتصل بذاتها، وتعصف بكل الضغوط النفسية والمتاعب العقلية التي قابلتها بسبب ما مورس عليها من إهانة وإذلال.
لكن، كيف لها ذلك؟ وهي في وضعية لا تنعم بالراحة، ولا تنتظم في أكلها، وتتخلى عن أنشطتها، ولا تبالي بنظافة جسمها، ولا تعير اهتماما لمظهرها، ولا تعرف سبيلا لهدوء نفسها.
إنها غير قادرة ولو على تجسيد صورة ذهنية في عقلها للحدث/المصاب، فبالأحرى التركيز عليه بالشكل الذي يمكنها من التعاطي معه بنظرة هادئة ومعقولة.
إنه الإحساس بالاختناق، وضيق الفضاء، وارتفاع درجة الحرارة، وسيطرة الشعور بالتعب، والتضجر من الفوضى والصخب، والانزواء في الركن، والانكفاء والاعوجاج في الجسم، والصعوبة في التنفس، وعدم انتظام الدورة الدموية، وعدم استقرار حاسة العين، والإحساس بالإرهاق جراء عدم النوم...
تتزاحم الأفكار، ويغيب الإحساس بالزمن، ويحصل العقم على مستوى توليد الطاقة والسلام الداخلي، ويستعصي الحصول على الاسترخاء، وتتبعثر مقومات وخصائص أسلوب حياة الإنسان، على الشاكلة التي لا تترك ل " حياة " فرصة للتفكير في استئناف نشاطها، أو بالأحرى تذكر حياتها اليومية.
...............................
كم يحتاج الواحد منا كي يدرك تلك المسافة الفاصلة بين الحلم والواقع؟ تتساءل " حياة " وتتخبط في الحيرة، من أجل الإجابة عن السؤال.
فعلى الرغم من إدراكها للإنسان الذي تأتي عليه لحظات وفترات يختلط فيها الحلم بالواقع، ويدخل في دوامة صراع داخلي بين الحقيقة والحلم، إلا أنها كانت تعتقد جازمة بأن مثل هذه الحالات هي ما يدفع الإنسان إلى الكدح في سبيل تحقيق أحلامه.
لكنها اليوم، والحالة هاته، أصبحت أكثر اقتناعا بالاستسلام، وأكثر ميلا إلى التخلص من أحلامها ورميها بكل ما أوتيت من قوة في سلة المهملات، وتكبد عناء حمل هذه السلة، وشق الطريق الطويل والزمن الممتد الذي يفصلها عن الوصول إلى بؤرة النسيان حيث تودعها، بهدوء أو صخب، لا يهم.
فهي تمر بوضعية اهتز معها معنى الوجود ذاته، جراء السلوك الوحشي، الذي أحدث في دواخلها صدمة زعزعت ثقتها بالواقع والأشخاص، وخيبت أملها في هذا الكائن البشري المستعصي على الفهم، وأوقفتها على واقع القسوة المبتوتة في السلوكات المُحطِّمة لأسس بناء العلاقات وترتيب شروط التفاعلات.
هكذا تشتت الحلم لدى " حياة " فجأة، وتحطمت معنوياتها، وأصبح حلمها وهما، وتوقفت الحياة كلا أو جزءا، وهي جراء حيرتها لا تعلم. لا تعلم حتى إن كان الأمر يتعلق بصدمة واقع أو انكسار حلم؟
هي الآن لا تعلم حقيقة، إن كان "فشلها" في الحلم والواقع سيجعل منها عدوا شرسا لنفسها، أو خصما عنيدا للمُشين في هذا الإنسان من ممارسات لا تزيد الواقع إلا رداءة والحلم ابتعادا.
وكيف يمكن للواحد منا أن يقبض على تلابيب البون بين الوهم والحقيقة؟
ربما ذهبت " حياة " بتفكيرها بعيدا، حين اتجهت نحو السماء لتبحث عن سر هذه الحقيقة المرة التي ابتليت بها، وعكرت صفو رؤيتها للعالم والوجود. وبما أن الوجهة كانت غارقة في الفراغ، وسابحة في عوالم المطلق غير القابل للإدراك، سرعان ما غيرت الاتجاه نحو فضائها الطبيعي، آملة أن تجد في ذاتها وفي فاعليتها المتحركة ما يسعف في تفسير ما يقع.
غير أنها للأسف لا تقبض سوى على ما يكتنف الواقع من غموض، يكمن في مدى ما يمكن للإنسان أن يقف عليه من تناقضات بين أشكال وأشكال من الوعي.
وربما كانت " حياة " تتجه نحو التفكير في نفسها، من زاوية العودة التأملية إلى الذات، التي بها كانت ولا تزال تفكر، فتفكيرها في ذاتها هو تفكير في صميم وعيها. غير أن مثل هذا التفكير يؤدي بها في نهاية المطاف إلى أن مشكلتها هي مشكلة ذاتها التي لم تستحضر بُعد مغايرتها لباقي الذوات.
لقد اهتز تفكير " حياة " إلى الحد الذي أصبحت معه تشك في حقيقة أن ماهية وجودها مرتبطة أساسا بالتفكير. لأن الدعوة إلى وجوب استعمال العقل لم يعد لها من سند في مثل هذه الوقائع والأحداث اللا إنسانية، من حيث فتكها لكل مشاعرها وأحاسيسها النبيلة، وقتلها لكل ما هو إنساني فيها.
لم يعد بعد كل هذا ل " حياة " أية ثقة في دور حسها الذهني، ولا في نقائه ويقظته. فكيف لها بالثقة؟ وهي التي تقف شاهدة على مدى عدم سماح كل ذلك بالتقاط فكرة عما سيؤول إليه أمر ارتباطها وحبها وعشقها وزواجها... بل ولتصبح في نهاية المطاف غير قادرة على الإمساك بما يدفعها إلى التشبث بهذه الحياة، ما استطاعت إليها سبيلا.
انتهى بها وعيها إلى الشك في وجودها الواعي أصلا، وإلى عدم الثقة في الأسس المبدئية والأخلاقية التي تربت عليها وانطلقت بها لتحيى. ولو أتيحت لها فرصة البداية من الصفر لتشكلت وفق قناعات غير القناعات، ولتهيأت وفق قواعد وسياقات غير تلك التي رمتها في زاوية المهملات.
تدرك " حياة " اليوم أن معضلتها تكمن في وعيها بذاتها، وما يحتمله هذا الوعي من استحضار للتناقض، المولد للحركة التي يقوم على أساسها الوجود أصلا.
لذلك، لم تكن تعتقد أبدا أن مثل هذا التناقض هو الذي يعري تلك الحقيقة الأولية، المتمثلة في الإيمان بأن جمالية الوجود في هذه الحياة، لو كانت كذلك منذ البدء لاتسمت بالخلود، ولما وقع الخذلان بمثل تلك التصرفات الرعناء الصادرة عمن اعتبرتهم أقرب إلى قلبها.
وعي " حياة " هو وعي مبدئي وبدائي في الآن ذاته، لا لشيء إلا لأنه بعيد كل البعد عن احتمالات مسار تلك العلاقات التي انخرطت فيها، وتلك التفاعلات التي حصلت في خضم سياقات ورهانات هذه الحياة.
فأشد ما أرهقها، هو تلك الرغبة العارمة التي كانت تتملكها، الكامنة في أنها كانت تريد أن يصبح الآخر مرآة لذاتها، وبالتالي فهي كانت تراهن على أن تخرج الآخر من دائرة ذاتيته الخالصة، وتدخله فيما هو مشترك بينهما، غير أنها لم تنتبه إلى أنها كانت في حاجة ماسة إلى استعمال كل الطرق والحيل والمغامرة بالحياة من أجل الحفاظ على الحرية.
فسياق علاقتها بمن اعتقدت أنه شريك لها في الحياة، والممارسة أثناء العلاقة الزوجية ومع الزوج هي سر تشكل الوعي على أساس ذاك الصراع القائم بين القديم البالي في تقاليدنا وعاداتنا وتصرفاتنا وسلوكاتنا، وبين الجديد الباحث له عن مكان لتزيين فضاءات وأشكال الحياة التي نصبو إلى عيشها.
لقد أغرقت الحياة " حياة " وقادتها إلى سبيل جعلها تعزف عن ظاهر الأشياء، فوعيها المبدئي كان وعيا متشبثا بأوهامها، ظنا منها أنها وجدت الحقيقة، وهي في المقابل كانت مطالبة بإخضاع الحياة لما يسمح به الممكن والمتاح من ظروف وشروط بناء علاقة زوجية تحظى بالأمن والاطمئنان.
لكن ما يزعج " حياة " في مثل هذه الخلاصات، هو أن تغرق في مستنقع الانتقام من تصرفات "القوي"، ومن خلاله من مجرى الحياة كلها، فتتحول من إنسان عفوي وتلقائي إلى كائن عدائي.
لقد استوعبت " حياة " جيدا، وأدركت بالفعل، من خلال ما انتهت إليه، أنها اليوم تخزن وتخبئ في مكانٍ كل ما رأته وعاشته وتعرضت له في إطار علاقتها الزوجية. وهي الآن لا يمكنها القيام بشيء دون أن تقفز إلى ذهنها كل تفاصيل تلك الحادثة المروعة.
...............................
فهل من مدخل لمعرفة كنه التفاصيل ذات الصلة بكل فظاعة هذه الازدواجية الكامنة في عمق تصرفات الكائن البشري؟
ما من شك في أن رؤية الناس القائمة على التمييز بين الذكر والأنثى تشكل أساسا لتخلفنا، وبذلك يصبح الواحد منا عن قصد أو غير قصد في خدمة قتل الأنثى فينا؛ فكرا وحرية وإرادة. أفلا نقتل مجتمعنا وعلاقاتنا وإطاراتنا ومؤسساتنا، ونحكم على كل هذا المعمار البشري بالتقهقر والتخلف؟
مجتمعنا نصفه أنثى .. أنثانا مصدر قوة وانبعاث كما هي ذكورتنا.. وقهر الأنثى فينا هو إرضاع أجيال قادمة لبن التخلف والقهر والاستبداد.
أيمكن أن يكون كل هذا التمييز أمرا طبيعيا؟ وهل كل ادعاءاتنا تعبير عن مدى إتقاننا للعبة الزيف القائمة على الازدواجية؟ ألا يوجد من مسلك غير مثل هذه المعاملة التي تحول دون تمتع الأنثى بالحقوق والحريات؟
على كل حال، ف " حياة " ليست غاوية ولا باغية، ولسيت خصرا لأصحاب اللحى المتدلية، ولا محبرة لأصحاب الأقلام المنتشية.
" حياة " ليست عاهرة ولا فاجرة، ولسيت ميدانا مستباحا للقنابل الجنسية المتفجرة، ولا مرمى للرشاشات الطائشة المنتشرة.
كل ما هنالك، هي تلك الصورة الخاطفة، والحكاية المستفيضة، لتلك الأنثى التي ما جنت على أحد، إلا من باب المخيال الذي يقرنها بفعل الغواية. ووحده الغباء الجمعي أفقدها القدرة على الاحتفاظ بالتوازن.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.