حماس تنعي الناطق باسمها بعد استشهاده في غارة إسرائيلية    خورخي فيلدا يشيد بقدرات لبؤات الأطلس:    سيدي إفني: إحياء ليلة القدر المباركة    محمد مزوز من طنجة يتوج بجائزة محمد السادس للكتاتيب القرآنية في فرع "جائزة التسيير"    الأردن وزواج بغير مأذون    الشيخ عمر العراقي يدعو إلى الشفافية في إدارة المساجد بإسبانيا    أيها المغاربة .. حذار من الوقوع في الفخ الجزائري    نهضة بركان يُطيح باتحاد طنجة ويحجز مقعده في ربع نهائي كأس العرش    مؤسسة محمد السادس لإعادة إدماج السجناء بشراكة مع جمعية باقي الخير تفرح النزلاء الأحداث بملابس العيد    الدار البيضاء .. تتويج أبناء أسرة الأمن الوطني الفائزين في المسابقة القرآنية الرمضانية    وزير الصحة يؤكد استمرار انخفاض حالات الإصابة ب"بوحمرون" للأسبوع الثامن تواليا    استفزازات متكررة من الجزائر في الأعياد الدينية.. مصادفات متفرقة أم سياسة ممنهجة؟    إيقاف ثلاث قاصرات متورطات في سرقة منزل بتجزئة المغرب الجديد بالعرائش    تساقطات مطرية ورياح قوية بالمملكة غدا الجمعة    بركان تقصي طنجة من كأس العرش    الجزائر تعتبر نائب القنصل المغربي بوهران "شخصا غير مرغوب فيه"    أمير المؤمنين يحيي ليلة القدر المباركة ويسلم جوائز لأهل القرآن والحديث    طنجة: توقيف سائق اعتدى جسديًا على شرطي مرور بعد رفضه الامتثال وسط الشارع العام    باحثون يكتشفون رابطا بين السكري واضطرابات المزاج ومرض ألزهايمر    محاولة اختطاف توقف أربعة أشخاص    مبادرة الحوث بثمن معقول إنجازات متميزة وتحديات جديدة في مسار الاستدامة    نشاط احتفالي بمركز "أمل الرباط" النفساني إحياء لليلة القدر    مشروع قرار في الكونغرس الأمريكي للاحتفاء بمرور 250 سنة على اعتراف المغرب بالولايات المتحدة    "كأس إفريقيا U20" تنظم في مصر    كرة القدم لعبة لكنها ليست بلا عواقب..    صواريخ حوثية تمطر مطار بن غوريون وحاملة طائرات أمريكية واسرائيل تعترض إثنين    شراكة استراتيجية بين اتصالات المغرب وإنوي لتسريع تعميم الألياف البصرية وشبكات 5G بالمملكة    الهاكا تُحذر من التراكم الإشهاري في رمضان وتدعو لموازنة الحقوق الاقتصادية والجماهيرية    أداء إيجابي ينهي تداولات البورصة    القضاء الجزائري يحكم على الكاتب بوعلام صنصال بالسجن خمس سنوات مع النفاذ    السماح لنزلاء المؤسسات السجنية بالتوصل بقفة المؤونة ابتداء من ثاني أيام عيد الفطر لمرة واحدة    في مقهى «الأندلسية» بالقاهرة وعندك قهوة زيادة وشيشة للبيه الأفندي المغربي    رسائل الإمارات 21 .. متحف المستقبل بدبي: المستقبل ليس شيئاً ننتظره وإنما نصنعه 2/2    بينهم رئيس بيت الشعر في المغرب مراد القادري .. تعيين أعضاء لجنة البطاقة الفنية المهنية    سكان المغرب وموريتانيا أول من سيشاهد الكسوف الجزئي للشمس السبت    مخزون السدود يواصل الارتفاع بالمغرب وسط تفاوت بين الأحواض المائية    مطالب للحكومة باسترجاع أموال الدعم "المنهوبة" من مستوردي الأغنام    بوطازوت تضطر للانسحاب من تقديم "للا العروسة" بعد إجرائها عملية جراحية    كرة القدم النسوية .. هذه لائحة اللاعبات المدعوات لوديتي تونس والكاميرون    ألمانيا تدين داعشيا بفضل تعاون مغربي    غزة: 855 شهيدا منذ استئناف الضربات    المنتخب السعودي ضيفا لبطولة الكأس الذهبية "كونكاكاف"    "الرزيزة" .. خيوط عجين ذهبية تزين موائد ساكنة القصر الكبير    عادل أبا تراب ل"رسالة 24″: هذا هو سبب نجاح "الجرح القديم" ومقبل على تقمص جميع الشخصيات    بنعلي : الهيدروكربورات والمعادن مفتاح السيادة الطاقية للمغرب    الجيش والكوكب يعبران إلى ثمن نهائي كأس العرش..    المملكة المتحدة.. الذكاء الاصطناعي في طليعة المعركة ضد الجريمة    حب الحاجب الذي لا يموت..!    رايان إير تضاعف رهاناتها بالمغرب.. 30 مليون مسافر في الأفق    أوراق من برلين: فيلم "طفل الأم".. رحلة تتأرجح بين الأمومة والشكوك    فيدرالية قطاع الدواجن ترد على الاتهامات .. ردود مهنية على مزاعم المضاربة والتهرب الضريبي    فن يُحاكي أزمة المياه.. معرض فني بمراكش يكشف مخاطر ندرة الماء والتغيرات المناخية    رسالة إلى تونس الخضراء... ما أضعف ذاكرتك عزيزتي    تجميد المواد الغذائية .. بين الراحة المنشودة واستحضار الجودة    الجمعية المغربية لحقوق الإنسان تودع شكاية لفائدة طفلة أُصيبت بالسيدا عقب عملية جراحية    كسوف جزئي للشمس مرتقب بالمغرب يوم السبت القادم    عمرو خالد يحث المسلمين على عدم فقدان الأمل في وعد الفتح الرباني    السعودية تحين الشروط الصحية لموسم الحج 2025    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



في ندوة ''الفتوى بين الضوابط الشرعية والتحديات المعاصرة''.. الإفتاء عقد بين العالم والأمة في إطار النصح والتوجيه والرشد
نشر في التجديد يوم 15 - 06 - 2011

خصصت مجلة ''المجلس'' التي يصدرها المجلس العلمي الأعلى ملف عددها الأخير لموضوع ''الفتوى بين الضوابط الشرعية والتحديات المعاصرة''، وهو حصيلة البحوث التي ألقيت في الندوة العلمية التي نظمها المجلس العلمي الأعلى شهر ماي من السنة الماضية، وكانت ''في مجموعها تدور حول أهمية فقه النوازل، والحاجة إلى فقهاء ينهضون بأمانة الفتوى على نهج السلف في علمه وسلوكه وورعه وتقواه''. على اعتبار أن ''من مهام الفتوى الاضطلاع بمهمة الملاءمة مع قضايا الشأن العام الكبرى في علاقتها بالاجتهاد''، حسبما كان قد أشار وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية أحمد التوفيق في كلمته بالجلسة الافتتاحية للندوة.
وكان من أغراض ندوة ''الفتوى بين الضوابط الشرعية والتحديات المعاصرة''، بحسب الخلاصات العامة في هذا السياق، ''تأكيد ضوابط الفتوى الشرعية فهما وتنزيلا ومآلا باعتبارها تدينا، والإسهام في بناء وعي وثقافة بالفتوى مقرونة بضوابطها الشرعية والمؤسسية، تنأى بها عن الجراءة المجاوزة للحد أو الاستعمال المنفلت من ضوابطه ومقوماته العلمية التي قد تبتعد بها عن روح مقاصد الشريعة المبنية على التيسير ورفع الحرج، أمام تعدد وتنوع المنابر واختلافها''.
ومن غاياتها أيضا ''تأكيد كون الفتوى معاصرة لزمانها ومكانها، معتبرا لواقعها ونوازله ومستجداته في الحقول والمجالات، مما يقتضي تحيينا مواكبا واجتهادا مضطردا في فقه تنزيل الأحكام الشرعية المعادل لفقه الأحكام نفسها، بما يضمن توجيه حياة الجماعة المسلمة وتأطير حركتها المجتمعية ضمن ثوابت الشرع وأصوله''.
الفتوى والضوابط الشرعية
اندرجت تحت هذا العنوان مداخلات ناقشت في المحور الأول: ''الفتوى والقواعد الفقهية''، ''فقه الواقع وتنزيل الأحكام''، ''علاقة الاجتهاد بالفتوى''، ''جوانب من منهج تنزيل الأحكام على الوقائع عند فقهاء الغرب الإسلامي'' ، ثم ''الفتاوي في العقيدة (الأسس المرجعية)''. وفي المحور الثاني : ''أهمية الفتوى ومكانتها في شرع الإسلام''، ''الفتوى وضوابطها الشرعية''، ''الفتوى والاجتهاد المؤسسي''، ''الفتوى الجماعية : التأصيل والتكييف''، ''الفتوى الجماعية وضرورتها في العصر الحاضر''، الإفتاء في المنابر الإعلامية : منطلقات ومآلات''. أما المحور الثالث فتناول '' الفتوى وحركة التمدن والمتغيرات الاجتماعية''، وفي المحور الرابعة انصب النقاش في موضوع '' الفتوى في مجال الأسرة والأقليات المسلمة''.
قواعد فقهية
خلصت المداخلات إلى ''تأكيد أن للفتوى قواعد فقهية، هي أحكام كلية استنبطها الفقهاء من أصولها الشرعية وأدلتها النقلية والعقلية، وأن الاعتماد عليها اعتماد على أصولها وأدلتها، واتكاء على ما يضمن للفتوى حسن تنزيلها مع ما يقتضيه ذلك من تمكن المفتي من أدائه وإحسانه لآلته وخبرته بمادته، وأن للمذهب المالكي قواعده التي دونها علماؤه في مظانها''.
وذكر محمد الروكي عضو المجلس العلمي الأعلى في مداخلته ، أن تعلق الفتوى بالقواعد الفقهية له جهتان: جهة اعتماد الفتوى على القواعد الفقهية، وأهم ما يدخل في ذلك بحسبه، أن تكون القاعدة معروفة منقولة، وذات حجية، ثم اعتماد قواعد الأئمة وعدم الخروج عنها، وتقديم المتفق عليه من القواعد، وتقديم المشهور في القواعد الخلافية، ثم تحقيق معنى القاعدة المراد الاستعانة بها. والتأكد من انطباقها على فروعها، ومن اندراج الفروع في قاعدتها، ومراعاة قيودها، والاستثناء منها.
وأضاف الروكي أن الجهة الأخرى من تعلق الفتوى بالقواعد الفقهية، هي جهة اشتمال القواعد الفقهية على موضوع الفتوى، وعرض في ذلك أجمع القواعد الفقهية التي تنظم أصول الإفتاء، مقتصرا على عشرة قواعد فقهية في الفتوى، أولاها أن الفتوى معلمة لا ملزمة، ومعناها أن الفتوى إعلام بالحكم الشرعي وإخبار به من غير إلزام. وثانيها أنه لا يلي الفتوى من ليس أهلا لها، وثالثها أن الفتوى تقدر بحال المستفتي، فقبل إجابته وتبليغه حكم الفتوى، يجب على المفتي يستفصل عن حاله وخصوصياته فيها من صحة أو مرض، ومن كبر في السن أو صغر.. وغير ذلك مما يختلف فيه الناس ويختلف فيه تنزيل الأحكام على محالها.
والقاعدة الرابعة أن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والعادات، والقاعدة الخامسة تتعلق بالخلاف الفقهي غير المقبول الذي لا يجوز اعتماده أو التعويل عليه في أقوال الفتوى ، وما بعدها من القواعد فتتعلق بمراتب أقوال الفتوى، وما يقدم منها وما يؤخر عند التزاحم والتعارض، وأولى مراتب هذه الأقوال ما اتفق عليه أئمة المذهب، ثم يقدم الراجح على ما دونه، قبل تقديم المشهور على دونه، ثم ما عمل به الأئمة باطراد وساروا عليه باستمرار، أما القاعدة العاشرة فتقوم على تقديم الأقوى فالأقوى من الأقوال.
وخلص عضو المجلس العلمي الأعلى، إلى أن القواعد الفقهية زاد كبير، تفتقر إليه الفتوى سواء في مقام التأصيل، أو في مقام التنزيل، قبل أن يقرر بأن تمرس المفتي بهذه القواعد وخبرته بها يمنعه من الزلل ويدفعه إلى التي هي اقوم واجل.
فقه الواقع
من الأمور المهمة التي أكدتها المداخلات في هذا المحور، ''أن لتنزيل الأحكام الشرعية فقها، هو فقه الواقع، أو تحقيق مناط الحكم بما التنزيل متحققا بمقاصده الشرعية، وهذا الفقه كذلك مراتب وأنواع ينطلق من أصول الشرع الغنية بالتنبيهات على سنن النفس والمجتمع، وتجربة السلف في مراعاة الواقع، وما يحتاجه الفقه المعاصر في هذا الجانب من غير إفراط ولا تفريط''.
وقد أحكم زيد بوشعراء (أستاذ بجامعة ابن طفيل بالقنيطرة) في مداخلته مقاصد فقه الواقع، مشيرا إلى ''أن فقه الواقع هو الوسيلة الأولى لجعل الواقع يأخذ الحكم الذي يناسبه، إذ إن فقه الواقع يؤول إلى جعل الواقع خاضعا لحكم الشريعة، ويجعل حكم الشريعة آيلا إلى تحقيق غاياتها''. ووضح في ذلك أن الحكم الشرعي ليس مقصوده تثبيت أي واقع كان والتمكين له، لكن المقصود يدور بين تثبيت الواقع وتغييره. مشيرا إلى أن مواقف الإسلام من الواقع الجاهلي تنوعت بين موقف الإقرار المطلق والاستصحاب إن كان خيرا (الإباحة)، وموقف الإقرار المقيد أي استصحاب الواقع مع إدخال قيود وتعديلات عليه، ثم موقف الإقرار المؤقت أي إقرار أحكام تشريعية موازية ترمي إلى تمهيد الطريق لإلغائه عند حلول الوقت المناسب، وموقف الإنكار والرفض والتغيير، وأخيرا موقف الإنشاء وهو المتجلي فيما أنتجه الإسلام من أوضاع وعبادات ونظم وأفكار وأخلاق ومعاملات جديدة، لكي ينشئ من موقف الإنشاء وسائر المواقف واقعا جديدا مركبا تركيبا سليما، تتكامل فيه أحكام الإباحة والتحريم والكراهة والإيجاب والندب.
أما مسالك التفقه في الواقع -بحسب بوشعراء- فتتنوع باعتبارات متعددة، ''إذ المجتهدون قد يجدون الواقعة المعروضة على أنظارهم منصوصا عليها في الشرع أو في الفقه أو غير منصوص عليها، كما قد يجدونها من الصنف الثابت الذي يقع باستمرار، أو المتجدد الذي مرة بعد مرة، أو المستجد الذي يقع لأول مرة''.
الاجتهاد والفتوى
تناولت المناقشات أيضا أن للفتوى (استنباطا للحكم ونظرا للأدلة وترجيحا بينها)، علاقة مطردة بالاجتهاد في فهم النصوص في تنزيلها، وأن المجتهد والمفتي لا فرق بينهما إلا في الاعتبار، ''فحينما يشرع المجتهد في بحث حكم من الأحكام استدلالا، واعتبارا ومقارنة، وقبولا وردا، وإلحاقا ونظرا، فإنه يسمى مجتهدا، لأن هذا العمل فيه جهد ومشقة ومكابدة، وحينما ينتهي إلى حكم معين وينزله على الواقعة المعينة يسمى مفتيا، لأنه بين حكم الله في النازلة وأفتى به، والاعتباران معا متداخلان'' يقول الحسين أيت سعيد عضو المجلس العلمي الأعلى.
وبينت المداخلات أن العلماء شرطوا مقومات ذاتية ووصفية مؤهلة لهذا المقام، يعتبر الإخلال بها إخلالا به كذلك، وتصدر للإفتاء من غير علم، وهو من أقبح ما ذم الشرع والعلماء خلفا عن سلف.
وذكر الحسن أيت سعيد عضو المجلس العلمي الأعلى، في مداخلته، على ''أن الاجتهاد دائرته واسعة، ومع سعتها فالمجتهد لا يخرج عنها، وما دام ملتزما بتلك الدائرة، فاجتهاده يكتسي صبغة شرعية، ومن ثم يقبل قوله ويعمل به، ويتخذ دينا وشريعة''. وهذا المجالات يؤكد أيت سعيد أنها هي : الاجتهاد في فهم نصوص القرآن الكريم، وفي نصوص السنة النبوية فهما وثبوتا، ثم الاجتهاد في التثبت من اجتهادات العلماء، والاجتهاد في مقاصد الشريعة.
ومن ذلك خلص عضو المجلس العلمي الأعلى إلى ''مجال الاجتهاد يسعى لاستخلاص الأحكام من أدلتها، وتميزها عن غيرها، وتحديدها بدقة، لتصبح مهيأة ومتاحة لمن يريد العمل به من سائر المكلفين''. وأما مجال الفتوى بحسبه ف ''يرتكز على تنزيل الأحكام المستخلصة من النوازل والقضايا الواقعية التي تنزل بالناس ويسألون عن أحكامها''. وعليه فمجال الفتوى -يضيف أيت سعيد- مجال تطبيق مفاهيم الدلائل الشرعية بمعناها العام والخاص، والنظر في تلك النوازل. مؤكدا ''أن تنزيل معاني النصوص على الحوادث الطارئة، والإفتاء بها، أصعب من الاجتهاد في النصوص لتحرير معانيها وأحكامها، وأشق وأعسر، لأن التنزيل يتطلب أمورا زائدة على التمكن من النصوص الشرعية. ومن هذه الأمور أن يكون عالما بالواقع الذي يعيش فيه، مدركا لأسباب نوازله، متتبعا لقضاياه، ملما بظروفها وملابساتها التي تبين حقيقتها، والبواعث عليها''.
في مجال العقيدة
من الأمور التي أكدتها المداخلات أيضا، أن ''للفتوى في مجال العقيدة أهميتها وخطورتها التي تفوق الفتوى في مجال السلوك والعمل، خصوصا أمام تعدد منابر الإعلام بخلفياتها المذهبية الضيقة في الغالب، مما يستدعي ضبطا لهذا الضرب من الإفتاء بمقاصد وكليات الدين على منهج سلف الأمة من أهل السنة والجماعة والمذهب الأشعري المعتدل بصفة أخص. بعيدا عن مظاهر الغلو والتشدد والتفسيق والتبديع التي قد تؤول إلى التكفير''. ذلك أن ''أصحابها يصرون على صياغتها في شكل فتوى مطلقة، حتى تأخذ قوتها ومشروعيتها وتأثيرها في طالب الفتوى، وتوجيهه وجهة عقدية معلومة تعادي التاريخ العلمي للأمة الإسلامية ولمذاهب سنية تلقتها الأمة بالقبول''. أشار إلى ذلك عبد القادر بطار أستاذ العقيدة والفكر الإسلامي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية خ وجدة، مؤكدا أن من مقاصد فقه الفتوى، ''أن يحرص المفتي على تحقيق مبدأ اليسر، الذي هو مبدأ أساسي في الشريعة الإسلامية، لكن هذا المبدأ -يؤكد بطار- لا نجد له أثرا فيما يصطلح عليه بفتاوي العقيدة حيث لغة التهويل والتجريح والتقليل من مذاهب سنية عريقة...''.
ضوابط شرعية
ذكر محمد رياض عضو المجلس العلمي المحلي بالجديدة، أن الضوابط المتعلقة بالفتوى والمفتي، هي ضوابط يطلق عليها في كتب الأصول ''آداب الفتوى''، وتنقسم إلى ضوابط موضوعية وأخرى شكلية.
وتحدث عن الضوابط الموضوعية لأهميتها، مشيرا إلى أن من ذلك : الالتجاء إلى الله قبل إصدار الفتوى، ثم فهم الواقعة المفتى فيها، والحكم فيها بالحق لا يمكن أن تتحقق إلا بنوعين من الفهم أحدهما فهم الواقع والفقه فيه، والنوع الثاني هو فهم الواجب في الواقع.
ومن الضوابط التي أضافها محمد رياض، العلم بحكمة الواقع، وذكر دليل الحكم في الفتوى، والتثبت والتحري فيها، ثم التزام مبدأ ''لا أدري''، والفتوى في المسائل الواقعة إلا إذا كانت المصلحة في الجواب عنه، وكذا مراعاة الوسط واليسر في الفتوى، ومراعاة العرف، ثم الوضوح والبيان في الفتوى بلا غموض ولا إبهام.
تنظيم وضوابط
ناقشت المداخلات أن تنظيم الفتوى ووضع الضوابط الضرورية لها من الأمور الهامة، التي استمر عليها عمل السف الصالح، منذ العهد النبوي إلى اليوم، لذلك لا يجوز شرعا ولا واقعا أن يترك ميدان الفتوى لكل من هب ودب، وأعطى لنفسه الحق أن يفتي. وبأنه يجب أن تنظم شؤون الفتوى، وأن يرتفع مستواها العلمي ليواكب الوعي الذي وصلت إليه الأمة، وتوثيق الفتوى لا يجوز الاستغناء عنه، فلا بد من ذكر أدلة الفتوى الشرعية من كتاب وسنة وإجماع وقياس، مع قواعد الفقه وأصوله، والمقاصد الشرعية. وما جرى عليه عمل الأمة، بالإضافة إلى الأعراف والعادات الحسنة والتقاليد التي لا تخالف النصوص الشرعية.
كما تناولت المداخلات، ''ضرورة التقيد بما جرى به العمل باعتباره من أهم الضوابط في الفقه المالكي، إذا استجمع شروط صحته، باعتباره ألصق بأحوال الناس الاجتماعية والعمرانية وبأعرافهم بما يناسبهم ولا يشق عليهم. مؤكدة على أن موضوع الفتوى هو عينه حركة التمدن والمتغيرات الاجتماعية والاقتصادية مواكبة وتأطيرا، إرشادا وتسديدا، وأن الأصول أو الأدلة الشرعية المجمع عليها والمختلف فيها ، والتي يعتبر المذهب المالكي أكثر استيعابا لها، كافية لتأطير حركة التمدن والمتغيرات، إذا واكبها نظر اجتهادي يتجدد بتجدد النوازل والحوادث المختلفة، ذلك أن العلاقة بين نشاط المجتمع ونشاط الاجتهاد في الإفتاء وفي سائر العلوم هي علاقة تلازمية صعودا وهبوطا''.
وشددت المداخلات على ''أن مدار الفتوى على التيسير لا التعسير، ورفع الحرج والمشقة، والتوسط والاعتدال في الأمر كله، إذ هو منهج الإسلام العام تجنبا لمظاهر التضييق والتشدد وإيقاع الحرج أو مظاهر التسيب والتوسع المفضي إلى التحلل من كل ضابط. مؤكدة على أن الفتوى الشرعية كانت على الدوام وسيلة من أهم وسائل الأمة في الدفاع عن بيضتها ولحمتها ووحدتها الترابية واختياراتها ضد مظاهر الغزو والاستلاب العقدي والفكري والسلوكي''.
الفتوى الوسطية
ناقشت مداخلات الندوة، ''أن الحديث عن الموسعين والمضيقين أو المتشددين والمتساهلين لا يرجع إلى الحكم الشرعي نفسه، إذ الحكم الشرعي في ذاته لا يوصف بتضييق ولا تشديد ولا بتساهل أو تمديد، فهو على التمام والكمال...، وإنما يرجع ذلك إلى خلل في فهم النص أو خطأ في سوء تنزيله أما من أحكم فهم النص وأحكم تنزيله فسوف يتوصل بتوفيق الله إلى الفتوى الوسطية المنشودة''.
وهي التي تقوم على عمودين أساسيين لا بد منهما كما أكد عبد الله بن المدني عضو المجلس العلمي المحلي لبني ملال. الأولى تتوجه نحو الاحاطة بالعلم الشرعي إلى حد الاجتهاد ولو كان نسبيا والمقصود به التوازن بين النصوص والمقاصد وضبط المسائل بالقواعد والموازنة بين المصالح والمفاسد.
والثانية تتعلق بإدراك الواقع والتعمق فيه ويعني الرجوع في كل فن إلى أهله المتخصصين في بابه ومجاله
أما سمات ومميزات الفتوى الوسطية المنشودة، فهي تلك التي تراعى فيها استقراء النصوص، واستيعابها، والجمع بين النصوص، ومعرفة مواطن الخلاف، ومواطن الإجماع، مع التمكن من معرفة الواقع، والإحاطة به من جميع جوانبه، التمكن من معرفة المرجحات، الفتوى الجماعية، النظر في مآلات الأمور، تقوى الله وصفاء السريرة مع الله.
وهذه المعالم التي ذكرها عبد الله بن المدني في مداخلته في الموضوع، قال أنها ''تصدق على الفتوى العامة، وتصدق على فتوى المذهب الواحد، الذي يجمع الأمة ويوحد تصورها وعقيدتها وسلوكها ومعاملاتها فيجعلها أمة وسطا.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.