أمام المصاب الجلل الذي ألم بنا جميعا , لا يسعنا إلا أن نقول : ( إنا لله و إنا إليه راجعون ).. يعجز اللسان عن النطق , و القلم عن الكتابة و تتوقف الذاكرة عن التفكير و تبقى الحيرة و الألم هما العملتان التي تخيم علينا .. الحاجة فاطنة دعنون امرأة ليست كسائر النساء التي عرفناهن , بل سيدة وجدنا فيها الصدر الحنون و العقل المبدع و القلب النابض يحس بكل هموم المجتمع .. فاطنة دعنون حملت معها هموم المجتمع المغربي ككل و معها هموم الريف ككل .. أجل إنها المرأة التي أخلصت للوطن بمعنى الإخلاص الصادق و عملت من أجله ما لم يصنعه غيرها من الرجال ... عاشت هموم المغرب انطلاقا من 1957 حيث ولجت ميدان التعليم و كانت أول امرأة تلج هذا الميدان و تتقلت فيه بين معلمة ومديرة و مفتشة أتقنت عملها و برعت فيه إلى حد كبير ...دعنون أول فتاة تكون في استقبال المغفور له محمد الخامس بالناظور و تنال منه و ساما للعرش ثم تواصل الدرب مع الراحل الحسن الثاني الذي يوشحها ثانية بوسام العرش و يكلفها ضمن لجنة إصلاح مدونة الأسرة , ثم يحملها مسؤولية التعريف بالقضية الوطنية الأولى في المحافل النسائية الدولية و تسافر لمختلف القارات حاضرة في الملتقيات النسائية حيث وقفت في أكثر من مرة أمام ممثلة الجزائر في هذه المحافل مدافعة و بشراسة عن قضية و حدتنا الترابية و تنتصر عليها .. شغلت لسنوات منصب النائبة الأولى للأميرة للا مريم على رأس الاتحاد الوطني لنساء المغرب, و اشتغلت في ديوان الأميرة , كما تولت منصب العصبة المغربية لحماية الطفولة و رئيسة لجمعية تيسير لتسيير دار الأم بالناظور و مؤخرا أمينة عامة للإتحاد النسائي العربي .. عملت واعظة و مرشدة بالمجلس العلمي للناظور لسنوات و محاضرة في جامعات و ملتقيات دولية , و ساهمت في التعريف بالمرأة المغربية في عدة مؤتمرات عالمية . الحاجة دعنون كان لها نصيب من العمل السياسي الذي دخلته من أبوابه الواسعة لتكون أول مستشارة جماعية بالمجلس البلدي للناظور و تركت بصمات تذكر إلى يومنا هذا . ماما دعنون أرست دعائم العمل الجمعوي النسائي بالناظور انطلاقا من الاتحاد الوطني لنساء المغرب فأسهمت في ميلاد دار الأم للتربية و التكوين التي فسحت المجال للفتاة الناظورية أن تلج عالم الشغل من خلال تعلم الحرف و المهن اليدوية , كما عملت على تطوير مستوى الفتاة الناظورية تعليميا و تثقيفيا و معها الإسهام في تربية النشء و محو الأمية و التربية الغير النظامية و تحفيظ القران .. بذلت الراحلة جهودا جبارا في ميلاد دار الطالبة بسلوان و أشرفت على تسييرها لسنوات عديدة و وفرت للطالبات أجواء تربوية و رياضية و ترفيهية لا يمكن أن ينكرها إلا جاحد.. ساهمت المشمولة برحمته الواسعة في بناء دار المرأة بصوناصيد ( سلوان ) التي ستفتح أبوابها قريبا , و كذا دار اليتيم التي بنيت في حي العمران و التي ساهمت في بنائها ماديا و معنويا. الراحلة دعنون أيقونة العمل الجمعوي كسبت عطف أهل الريف عموما و الناظور خصوصا بجهودها الجبارة التي أثمرت على أرض الواقع بواقعيتها و شفافيتها و إخلاصها ثم منطقها في التسيير و التدبير بعيدا عن التهريج و الإشهار , و إنما بالعمل الدءوب الذي تركته يشهد لها . إذا كنا قد سردنا بعضا من أعمالها و بالطبع سنكون قد نسينا الكثير و الكثير منه .. فنحن اليوم نودعها بحرقة و ألم شديدين . لقد أسلمت الراحلة روحها للخالق عز و جل ليلة أمس الأربعاء 28 يوليوز 2021 على الساعة 23.30 ليلا بمستشفى الشيخ زايد بالرباط بعد أن حلت به قرابة الشهر على إثر وعكة صحية مفاجئة تتعلق بالشرايين على مستوى الرأس لتدخل في غيبوبة تامة و توضع تحت التنفس الاصطناعي ألاختراقي ثم تصاب بشلل نصفي إلى أن فارقت الحياة في سكون الليل بعيدا عن الأهل و الأقارب و عن محبيها و تلامذتها .. و تترك وراءها عملا جبارا يشفع لها أمام خالقها عز و جل .. أقف أمام هذا الهرم النسائي الجبار التي نفتقدها اللحظة و نحن في أمس الحاجة لأمثالها لأننا قد لا نجد العوض فيها نتيجة إخلاصها و تفانيها في العمل .. امرأة من فولاذ تسهر الليالي و هي تعمل , و تسافر باستمرار رغم ظروفها الصحية , و غالبا ما نصحها الأطباء بالراحة إلا أنها استمرت في عنادها و عملها إلى أن أصيبت بالوعكة الصحية ليلا بداخل مكتبها بالرباط و هي تقوم بواجبها الإنساني و الاجتماعي .. استفدنا من ماما دعنون الكثير من المزايا و تركت لنا إرثا كبيرا من المبادئ التي لا يمكن تعلمها في أرقى الجامعات , تركت وراءها جيلا تربى تحت جناحيها على الصفات الحميدة و هو العزاء الذي يخفف عنا . تعلمنا منها الانضباط و الإخلاص و حب الوطن و الإيثار.. لن أتحدث عن عملها الخيري نزولا عند رغبتها و هي قيد الحياة لأنها كانت لا تريد الخوض فيه و لا من يخوض فيه.و إنما أكتفي بواحدة منها و هي عمارة ضخمة و حديثة البنيان في قلب الناظور من طوابق أربعة حبستها لفائدة دار الأيتام بسلوان .. تخونني العبارات و الجمل و أعجز عن استرجاع قواي الذهنية و الفكرية لهول المصاب لأني لا استطيع أن أشفي حق الراحلة بسرد مناقبها و لكن أقول إنها حقا إمرة من معدن ثمين لم تلدها ولادة ليومنا هذا .. رحم الله الفقيدة الحاجة فاطنة دعنون التي رحلت لدار البقاء دون أن تودعنا لأنها سنة الحياة '' فالموت تأتي على حين غرة و تسرق منا أعز من نحب و أطيب من عاشرناهم و ماما دعنون واحدة منهم .. وداعا أيتها الطاهرة المؤمنة المجاهدة و شكرا لك على ما أسديته من خدمات ستكون إن شاء الله شفيعة لك يوم اللقاء الأعظم و نحن و كل من تتلمذ على يديك يدعون لك بالرحمة و المغفرة .. فنامي أمنة مطمئنة و ارجعي إلى ربك راضية مرضية .. فطوبى لك في الأرض و في السماء و يوم اللقاء..وداعا وداعا وداعا...