ميناءا طنجة والدار البيضاء ضمن أفضل الموانئ العربية في الربط الملاحي العالمي    قاطرات صينية جديدة تعزز السكك الحديدية المغربية... تحديث أسطول الديزل وتطوير خط فاس–وجدة    نتانياهو يسخر من "شائعات تصفية"    الدار البيضاء.. فاطمة الزهراء اليومي تفوز بالجائزة الأولى للمسابقة الوطنية لحفظ القرآن الكريم لفائدة أبناء وأيتام أسرة الأمن الوطني    الرئيس ترامب يستبعد أي إمكانية لوقف إطلاق النار مع إيران في هذه المرحلة    شركات النفط في المغرب تبدأ موجة زيادات جديدة على خلفية ارتفاع البرميل إلى 100 دولار    إبراهيم دياز يحتفل بمباراته ال150 مع ريال مدريد    البوليساريو ودعم الجزائري والاتهامات والارتباط بإيران... كيف بدأ الكونغرس الأمريكي التحرك لفرض عقوبات على الجبهة؟    كرة القدم .. تعيين المغربية لمياء بومهدي مدربة للمنتخب الأردني للسيدات    زيادات تصل إلى درهمين في اللتر.. أسعار المحروقات ترتفع بالمغرب    ميزان الحسيمة يكرم نساء رائدات في أمسية رمضانية عائلية    رحيل الإعلامي جمال ريان بعد مسيرة حافلة امتدت لأكثر من خمسة عقود    850 قتيلا في لبنان منذ اندلاع الحرب    شكايات حول مبيدات مغشوشة بحقول الشمال تدفع وزارة الفلاحة إلى التحقيق    استحقاقات 2026 لحظة سياسية حاسمة لتقييم المسار التنموي وتصحيح اختلالاته    الجيش الملكي ونهضة بركان يفشلان في استغلال عاملي الأرض ويعقدان مهمتهما قاريا    اجتماع فريق عمل المكتب السياسي بالجهة والكتابة الإقليمية بالجديدة نقاش استراتيجي وترتيب للأولويات    نشرة إنذارية.. تساقطات ثلجية مرتقبة من الثلاثاء إلى الأربعاء    توقعات أحوال الطقس ليوم غد الاثنين    السماح لمعتقل حراك الريف محمد حاكي بحضور جنازة والده بالحسيمة    الكراهية تتحدى المجتمع الدولي    رحيل صاحب «الوعي الأخلاقي» .. هابرماس.. آخر الكبار الذين حملوا إرث مدرسة فرانكفورت النقدية    القائمة الكاملة للمرشحين لجوائز الأوسكار 2026    مكناس…لقاء بمكناس حول"التجربة المغربية في العمل التطوعي"    أهمية تدريس اللغة الأمازيغية داخل صفوف الجالية المغربية في بلجيكا    أفورار..توزيع 4160 وجبة افطار للصائمين المحتاجين وعابري السبيل وذوي الاحتياجات الخاصة    تأجيل سباق قطر للدارجات النارية بسبب الصراع في الشرق الأوسط    لشبونة.. معرض "ذاكرات حية" لإيمان كمال الإدريسي انغماس في ذاكرة المرأة الإفريقية    لقاء يحتفي ب "صمود المرأة القصرية"    الملك محمد السادس يجدد تضامن المغرب مع الإمارات ويدين الاعتداءات الإيرانية    الجامعة الملكية المغربية للرياضة للجميع تنظم ندوة حول الرياضة في خدمة القضايا الوطنية " وتحتفي بثلة من الإعلاميين والرياضيين.    المغرب يسعى إلى ضم موهبة الريال    ارتفاع نسبة ملء سدود المغرب إلى أكثر من 71 في المائة    وزارة الدفاع السعودية: اعتراض وتدمير 10 مسيرات في منطقتي الرياض والشرقية    قابلات مستشفى تيزنيت يطالبن بفتح تحقيق في تدبير الحركة الانتقالية داخل مصلحة الولادة    صداقة الأطفال مع الذكاء الاصطناعي .. متى تصبح مقلقة؟    تواصل القصف على إيران في الأسبوع الثالث من الحرب وإسرائيل تعلن بدء "مرحلة حاسمة"    خمس عادات تساعدك على نوم صحي ومريح        حادثة سير خطيرة بطريق بطنجة تعيد دق ناقوس الخطر بشأن الدراجات النارية        من إيران إلى الجزائر... كيف اختار المغرب المواجهة الدبلوماسية مع خصومه؟    قراءات قانونية في الاعتقال الاحتياطي        في حضرة "البام".. مهنيون يفككون واقع وأعطاب المنظومة الصحية بالمغرب    مدرب الوداد: مواجهة آسفي صعبة    لا صيام بلا مقاصد    وفاة الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس عن 96 عاما    الريسوني يحذر من تصاعد خطاب التكفير والطائفية بعد العدوان على إيران    الحسيمة.. إسدال الستار على الأمسيات الرمضانية للمديح والسماع وتكريم حفظة القرآن        أزولاي يستحضر بإشبيلية الجذور التاريخية لاحترام الاختلاف بالمغرب والأندلس    عمرو خالد يقدم "وصفة قرآنية" لإدارة العلاقات والنجاح في الحياة    المجلس العلمي الأعلى: 25 درهما مقدار زكاة الفطر نقدا لعام 1447ه/2026م    كفير "جودة" يحسن المناعة والهضم    دراسة تبرز حقيقة القدرة على القيام بمهام متعددة    ترجمات القرآن -19- ترجمة ريتشارد بيل للقرآن.. السجع والترتيب والتاريخ!    دعوات لتعزيز الوقاية والكشف المبكر بمناسبة اليوم العالمي للمرض .. القصور الكلوي يصيب شخصا واحدا من بين كل 10 أشخاص ويتسبب في معاناة واسعة للمرضى    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



تلاميذ جماعة ملوسة بضواحي طنجة «مغيبون» عن المخطط الاستعجالي
معلمون غائبون.. ومؤطرون «محتالون».. وعزلة متواصلة.. ومسؤولون سجناء مكاتبهم
نشر في المساء يوم 26 - 05 - 2010

مقابل المشاريع الاقتصادية والاستثمارية العملاقة التي تعرفها منطقة طنجة المتوسط، الممتدة ما بين طنجة وتطوان، فإن حالة من التردي العام يعرفها واقع التعليم، إلى درجة تنذر بأن المستقبل
سيكون سوداويا بالنسبة للسكان، وسيجعلهم على هامش التاريخ، وهو شيء تتحمل مسؤوليته عدة أطراف.
في الجماعة القروية ملوسة، التي تبعد عن طنجة بحوالي 40 كيلومترا، ينتشر عدد من القرى في الهضاب المجاورة، والناظر إليها عن بعد لا يرى أثرا لمدارس أو مؤسسات تعليمية، وكل ما هنالك نقاط بيضاء مضيئة هي منازل قرية متواضعة وسط اخضرار كثيف.
غير أن الاقتراب من هذه القرى والمداشر يكشف عن وجود مدارس. لكنها في الحقيقة ليست مدارس، بل هي أشبه بحجرات وحيدة، أحيانا سقط سقفها، وفي أحيان أخرى بنيت قربها حجرات جديدة، لكن المشكلة الأساسية هي غياب التلاميذ، والمشكلة الأكبر هي أنه لا وجود لمعلمين.
في منطقة قريبة من قرية غزيليش، يوجد مدشر صغير بمدرسة عبارة عن حجرة واحدة. الساعة تشير إلى حوالي الرابعة مساء، والمعلم موجود، وهذه حالة نادرة، لكن التلاميذ غير موجودين.
هذا المعلم موجود باستمرار، لأنه قرر البقاء في هذه القرية رغم الظروف الصعبة، لكنه يحكي بمرارة عن الواقع الصعب للتعليم في المنطقة. «تصوروا أن التلميذ هنا يقضي يومه في رعي الماعز أو البقر، كما أن هناك تلاميذ أمضوا سنوات طويلة في الدراسة من دون أن يستطيعوا كتابة حرف الباء أو الألف مثلا».
هذا واقع حقيقي تعيشه الدراسة في منطقة فحص أنجرة، التي أصبحت تعرف حاليا بمنطقة طنجة المتوسط، على اعتبار أن ميناء طنجة المتوسطي بني في حيزها الجغرافي، كما أن المنطقة تحتضن الكثير من المشاريع الاستثمارية المرتبطة بالميناء.
دراسة الأوطوسطوب
في هذه المنطقة يمر الطريق السريع الرابط بين الطريق السيار طنجة – الرباط، وأيضا السكة الحديدية التي تصل حتى مشارف الميناء المتوسطي. لكن مظاهر التقدم هذه لا يعكسها واقع مماثل في مجال التعليم.
على الطريق العادية الرابطة بين ملوسة ومدشر دار فوال، كان عدد من التلاميذ يسيرون بتثاقل وهم يحملون محفظاتهم الثقيلة وهم يشيرون للسيارات القليلة العابرة من أجل الركوب.
يقول تلميذ أشقر بعيون زرقاء فاتحة إن الطريق طويل من أجل الوصول إلى المدرسة، وفي أحيان كثيرة لا يأتي المعلم، وحين يأتي لا يدرسون. أما خلال موسم الأمطار فإنهم ينسون المدرسة، ليس لأنهم لا يريدون الدراسة، بل لأن معلمين كثيرين لا يأتون، خصوصا الذين يسكنون في مدينة طنجة.
في مدرسة على الطريق الرابطة بين جماعة ملوسة ومنطقة القصر الصغير، يشرح معلم طبيعة المشكلة بإيجاز «القضية معقدة، ونحن نعاني كما يعاني التلاميذ، لكن هناك معلمون بدون أي ضمير، وكل ما يهمهم هو نهاية الموسم الدراسي، حيث يعمدون إلى إنجاح كل التلاميذ، الذين يوجدون على الورق فقط».
«المساء» زارت مدرسة ابتدائية، أو بعبارة أصح فصلا ابتدائيا بالمنطقة، وعاينت لائحة تضم عددا من التلاميذ الذين يفترض أنهم في الصف الخامس، لكن الحقيقة أنهم مجرد تلاميذ افتراضيين لأن أغلبيتهم الساحقة لا يتابعون دراستهم إلا لماما، وأحد المعلمين يقول إنه يتحدى أيا كان إن استطاع تلميذ من هؤلاء الذين توجد أسماؤهم على اللائحة كتابة ولو كلمة واحدة بالعربية، أما الفرنسية فذلك حلم بعيد المنال.
أغلب الذين التقتهم «المساء» في تلك المناطق المنكوبة تعليميا وإعلاميا، يطلبون ألا تتم الإشارة إلى أسمائهم، وحتى اسم المدرسة، لكي لا يكونوا عرضة لمساءلات عبثية، لكن الواقع يفترض أن الذين تجب مساءلتهم هم المسؤولون عن مجال التعليم في هذه المنطقة. لقد تعود المعلمون الذين يكشفون عن الواقع المزري للتعليم بهذه المنطقة على أن تلاحقهم عقوبات أشبه بالانتقام، وفي الوقت الذي يفترض أن يتجه المسؤولون لتصحيح الوضع، فإن الجهات الرسمية تمارس لعبة «طاحت المدرسة علقوا المعلم».
سؤال مؤرق
السؤال المؤرق هو كيف ينجح تلاميذ افتراضيون كل سنة وينتقلون إلى قسم أعلى رغم أنهم لم يتابعوا دراستهم؟ يقول أحد التربويين إن الجواب سهل «كل معلم يحاول أن يعطي الدليل على أن قسمه كان الأفضل، حتى لو لم يكن يحضر إطلاقا، ويعمد في نهاية السنة الدراسية إلى إنجاح أزيد من 90 في المائة من الأسماء الموجودة في اللائحة، لكي يثبت للنيابة أنه يشتغل وأن كل تلاميذه تقريبا نجحوا». أما نيابة التعليم فتتوصل باللائحة، لكنها لا تقوم بأي مجهود من أجل البحث والتقصي لمعرفة إن كان التلاميذ درسوا فعلا، وإن كان المعلم يحضر أم لا.
أحد آباء التلاميذ في المنطقة يقترح على نيابة التعليم أن تقوم بعملية سهلة وسريعة لكشف الكذب، وهي أن تأتي بأولئك التلاميذ الذين نجحوا على مر السنوات حتى وصلوا إلى الصف الخامس أو السادس، ثم تطلب منهم أن يكتبوا كلمة واحدة. إنه اقتراح واقعي وجدي، وعلى نيابة التعليم في عمالة فحص أنجرة أن تبادر إلى اعتماد هذه التجربة لتكتشف هول المأساة.
في منطقة قريبة من «ثلاثاء تاغرمت»، يقول أحد التجار إن معلمين يتركون عنده أحذيتهم الشتوية (البوط)، المعروفة في المنطقة باسم (البوليْنات)، التي يستعملونها خلال فصل الشتاء للمشي في الوحل لكي يلبسوها صباحا من أجل التوجه إلى المدارس، لكن تلك الأحذية (البوط)، تبقى لدى التاجر لأسابيع طويلة، يعني أن المعلمين لا يحضرون.
المثير في عدد من مدارس المنطقة أن هناك حجرة دراسية واحدة يمكن أن تجمع تلاميذ من خمسة مستويات مختلفة، والمعلم يجمع كل فئة في مكان معين، ويلقنها الدروس التي تناسبها. «هذا عبث.. عبث حقيقي»، يقول أحد المعلمين.
ويصف عدد من آباء التلاميذ في المنطقة ما يجري بأنه لا يمكن السكوت عنه بسبب تعرض التلاميذ لضياع مستقبلهم، وأعطوا مثالا بمعلم يغيب بشكل مستمر بدعوى وفاة والده، ذلك أنه سبق أن قال ثلاث مرات إن والده مات، وهي أول مرة يموت فيها شخص واحد ثلاث مرات.
الدراسة.. والمشاريع
في المداشر والقرى القريبة من ميناء طنجة المتوسط، لا تبدو الأشياء مختلفة. في مدرسة بمدشر «بوريْحان» توجد ثلاثة فصول دراسية. وبما أن هذه المنطقة قريبة من الطريق العمومي ومن وسائل النقل، فإن الأمور فيها أقل كارثية، قليلا فقط.
يقول أولياء تلاميذ في هذه المنطقة إن هناك معلمتين فقط، إحداهما كانت تشتغل بجد، لكن بعد مجيء معلمة جديدة أصبحت الأمور ملتبسة. لقد أصبحت تحرض زميلتها على الغياب، وفي كل مرة تغيب إحداهن، تترك تلاميذها في فصل زميلتها». ويقول أحد السكان معلقا «إذا كان هذا يحدث في منطقة توجد على مرمى حجر من الميناء، فماذا سيحدث في المناطق الأخرى خلف الجبال؟».
المناطق القريبة من الميناء المتوسطي تعرف نشوء مشاريع اقتصادية كبرى، وهذه المناطق تعرف نسبة كبيرة من البطالة، مما يعيق مسألة حصولهم على مناصب عمل جيدة في هذه المشاريع، لكن هناك شبابا كافحوا وحصلوا على شهادات جامعية، ومع ذلك فإن فرص حصولهم على مناصب عمل تبقى نادرة لأسباب مرتبطة بكون مكاتب التشغيل والمسؤولين عن المشاريع كلهم من مدن ومناطق بعيدة عن طنجة.
أحد شباب المنطقة يحكي تجربته مع التعليم في هذه المنطقة قائلا: «أكملت دراستي الابتدائية والثانوية والجامعية بمعجزة. خلال دراستي الابتدائية كان الأمر يتطلب قطع كيلومترات طويلة كل يوم ذهابا وإيابا. وبعد المرحلة الابتدائية لم يكن ممكنا إكمال المرحلة الإعدادية في نفس المنطقة وكنت مجبرا على ترك القرية والتوجه نحو منطقة «كاستيوخو» القريبة من سبتة. أنا محظوظ لأن جدتي كانت تسكن هناك. ماذا عن الآخرين الذين لا يستطيعون فعل ذلك، وكيف سيتركون قراهم وأين سيقيمون، وماذا سينفقون، علما أن كل الأسر فقيرة جدا إلى حد العوز. يحدث هذا في التعليم الأساسي وليس في التعليم الجامعي. وعندما جاء مشروع طنجة المتوسط قيل لأبناء المنطقة يجب أن تأتوا لنا بشهادات. لكن في كل الأحوال فإن شبابنا كافحوا ودرسوا وحصلوا على شهادات، وفي النهاية يتم تمييزهم في سوق العمل في مشاريع طنجة المتوسط».
طيمسا.. ومحو الأمية
قبل سنوات قليلة، بدأ مكتب إنعاش التشغيل، المعروف باسم «أنابيك»، حملة لتوظيف عدد من حملة الشهادات في مجال محو الأمية، والتي رعتها أيضا وكالة تنمية طنجة المتوسط، وصرفت من أجلها مبالغ كبيرة.
الفكرة تتلخص في توظيف حوالي 20 مؤطرا من أجل عملية محو الأمية بين أطفال المداشر والقرى في المنطقة، ومن أجل ذلك فإن كل مؤطر أصبح يحصل على 5000 درهم شهريا، وكان المطلوب منهم أن ينتقلوا إلى قرى المنطقة للتدريب لساعات محدودة. فصول محو الأمية عادة ما يبدأ العمل بها بعد نهاية التعليم النظامي، أي ما بعد السادسة مساء، لذلك فإن مؤطرين كانوا في البداية يحملون معهم مفاتيح الفصول الدراسية الخاصة بمحو الأمية وقعدوا في طنجة، وأحيانا يأتون فقط من أجل تسجيل الحضور، وأحيانا أخرى يزعمون أن «التلاميذ» لا يأتون، وفي أحيان أخرى يعطون مواعيد خاطئة لكي يتذرعوا بغياب التلاميذ، وهناك معلمون يأتون فجأة إلى القسم في ساعة مفاجئة من دون أن يخبروا أحدا، وعندما لا يجدون أحدا ينصرفون في الحين بدعوى أنهم لم يجدوا التلاميذ.
أصحاب هذه المبادرة انتبهوا إلى هذه المسألة الأساسية وهي أن هناك مؤطرين يتغيبون باستمرار، لذلك فرضوا حلا واقعيا، وهو أن يسكن المؤطر في نفس المنطقة التي يعمل بها، ووفرت لهم إمكانيات كثيرة حتى يتوقفوا عن «السليت» وممارسة لعبة القط والفأر مع السكان، الذين انتزعت من كثيرين منهم أراضيهم بدعوى المصلحة العامة، ثم لم يجدوا حتى مؤطرين لهم ضمير يشتغلون بجد من أجل المساهمة في محو الأمية.
لكن وكالة طنجة المتوسط، التي أنفقت وتنفق مبالغ كبيرة في المنطقة، تتصرف بطريقة تثير الاستغراب. ففي الوقت الذي تجري فيه مثل هذه المحاولات لمحو الأمية، فإن هناك حالات كثيرة تثبت وجود خلل تعليمي في المنطقة، ومن أهم نماذجه التشريد الذي تعرض له أزيد من 30 تلميذا في منطقتي ملوسة والقصر الصغير.
ويحكي تلاميذ من هذه المنطقة كيف أنهم كانوا يتابعون دراستهم بشكل عادي الموسم الماضي، وكيف أن أشخاصا من وكالة طنجة المتوسط، وأيضا رؤساء جماعات، أغروهم بالانقطاع عن الدراسة والالتحاق بمسالك التكوين المهني التي ترعاها «طيمسا»، وهو ما فعله 15 تلميذا من ملوسة، و15 آخرين من منطقة القصر الصغير المجاورة، وفي النهاية وجدوا أنفسهم بلا تكوين مهني ولا دراسة عادية.
ويحكي التلميذ أشرف الحميتي، كيف أنه من ضمن مجموعة تضم 30 تلميذا من المنطقة، تركوا مقاعد الدراسة من أجل الالتحاق بمسالك التكوين، وأنهم فعلوا ذلك عن اقتناع، لأن الوعود التي أعطيت لهم كانت تقول إنهم سيدمجون في سوق الشغل مباشرة بعد سنتين من التكوين المرتبط بصناعة كهرباء السيارات، وهو ما جعلهم يتركون مدارسهم ويتوجهون نحو مركز التكوين المهني بطنجة البعيد بأزيد من 35 كيلومترا عن منازلهم.
هؤلاء التلاميذ، وهم في الغالب فقراء، أدوا مصاريف التسجيل وتحملوا مصاريف التنقل أياما طويلة، وبعد سنة من التكوين، جاءت نتائج الامتحانات تنص على رسوبهم جميعا.
لم يكن هناك أي تفسير رسمي لرسوب 30 تلميذا لم يتغيبوا بالمرة. ويقول الحميتي إنه رغم بعد المسافة ورغم أنهم يتحملون مصاريف الأكل بأنفسهم، فإنه شخصيا لم يتغيب إلا مرة واحدة حين لم يجد وسيلة نقل.
التلاميذ يقولون إنهم توصلوا بنتيجة الرسوب الجماعية بعد شهرين تقريبا من اجتيازهم الامتحانات، وأنهم لم يتلقوا أي تفسير لذلك حين أرادوا لقاء إدارة مؤسسة التكوين المهني، كما أن مؤسسة «طيمسا» لم تكلف نفسها عناء لقائهم وتفسير ما جرى، وكل ما قيل لهم هو أنه يجب أن يكرروا السنة، والتلاميذ يتساءلون لماذا الرسوب أولا قبل تكرار السنة، ولماذا وعدونا بسنتين من التكوين فدفعونا للتشرد، خصوصا وأن خالد الدكالي نفسه، مدير مؤسسة التكوين المهني بوكالة طيمسا، صرح رسميا بأن مدة التكوين هي سنتان فقط، وبعد ذلك رفض حتى استقبال التلاميذ «الراسبين».

هذه هي المعضلة.. وهذا هو الحل
من الإنصاف القول إن النائب الحالي لوزارة التعليم في عمالة فحص أنجرة، وكذلك مدير أكاديمية جهة طنجة تطوان، لا يتحملان المسؤولية المعنوية عما وجداه بين أيديهما، لأنهما عينا في هذا المنصب قبل وقت قصير فقط، لكنهما وجدا إرثا ثقيلا جدا، ومسؤوليتهما الحالية هي محاولة القضاء، أو على الأقل، التخفيف من الواقع المؤلم الذي تعيشه المنطقة. كذلك ينبغي القول إن هناك معلمين يضحون ويعملون كل ما في وسعهم لكي تخرج هذه المنطقة من كابوسها التعليمي، بل إن مدرسين لا يترددون في شراء حلويات وهدايا بسيطة وأدوات مدرسية من مالهم الخاص ويحملونها معهم إلى الأقسام الدراسية ويمنحونها للتلاميذ من أجل ترغيبهم في الإقبال على الدراسة. كما أن هناك معلمين يبتكرون طرقا فيها الكثير من الإبداع من أجل ترغيب التلاميذ في الدراسة. وهناك آخرون ضحوا بالسكن في طنجة واكتروا منازل في القرى والمداشر التي يعملون بها، وبذلك أصبحوا دائمي الحضور، وأصبحت النتائج المتحصل عليها واقعية ومبعث فخر.
لكن هذه المبادرات غير كافية لوضع قطار التعليم في هذه المنطقة على سكته الحقيقية، لأن الأمر يتطلب تكاملا بين مجهودات الجميع، أي بين الوزارة الوصية مباشرة وبين نياباتها في المنطقة، وبين مدراء المؤسسات التعليمية والمدرسين، وحتى بين آباء وأولياء التلاميذ، الذين يعمل بعضهم على تكريس واقع التخلف التعليمي، خصوصا في المداشر والدواوير المعزولة، والذين يفضلون أن يقضي أبناؤهم اليوم في رعي البقر والأغنام وجمع الحطب عوض التوجه إلى المدرسة.
هناك مسؤولية كبرى يتحملها أيضا رؤساء الجماعات القروية، الذين يتعاملون مع التعليم كأنه شيء ثانوي، في الوقت الذي تعيش فيه مناطقهم نهضة سريعة.
النقابات التعليمية في فحص أنجرة تتبرأ بدورها من هذا الواقع المحزن للتعليم وتعتبره مسؤولية الجميع، وأن من بين أسبابه الحيف الذي يتعرض له المعلمون في المناطق النائية.
ويقول بيان مشترك للنقابة الوطنية للتعليم والجامعة الوطنية لموظفي التعليم والجامعة الحرة للتعليم والجامعة الوطنية للتعليم بعمالة فحص أنجرة، إن «كل رجال ونساء التعليم بنيابة فحص أنجرة يتشبثون بحقهم المشروع في الاستفادة من التعويضات عن العمل في المناطق النائية، على اعتبار أن إقليم فحص أنجرة قروي مائة في المائة ولا يتوفر على أي جماعة حضرية، وأن كل مناطقه نائية وصعبة بحكم البنية التحتية السيئة والمتمثلة في غياب مسالك صالحة وانعدام وصول وسائل النقل إلى معظم المجموعات المدرسية، بالإضافة إلى غياب حافز حقيقي للاستقرار وارتفاع التكلفة المادية والمعنوية للتنقل». رأي جمعيات المجتمع المدني في المنطقة يترجمها مسؤول في جمعية «الأرض والمستقبل»، هذا الأخير يعتبر أن واقع التعليم في المنطقة يتحمل مسؤوليته الجميع، ومن بين أسس الحل أن يتوصل المعلمون بتعويضاتهم الإضافية التي يطالبون بها، ثم تمارس نيابة التعليم دورها عبر المراقبة الصارمة والدائمة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.