هذا ما يتوقعه المغاربة من المعطي منجب؟    المغرب يرسخ مكانته كحليف تاريخي و إستراتيجي في مواجهة سياسة ترامب التجارية    برشلونة يسقط في فخ التعادل أمام ريال بيتيس    طنجة.. توقيف شخص نشر أخباراً زائفة عن اختطاف فتيات    وفد شبابي إماراتي في ضيافة مركز التقاء الشباب بطنجة    فرنسا: خسائر ب15 مليار دولار بسبب التعريفات الجمركية الأمريكية    الدار البيضاء تستحضر ذكرى 7 أبريل 1947.. محطة مشرقة في مسار الكفاح الوطني والمقاومة    تحالف استراتيجي بين الموريتانية للطيران والخطوط الملكية المغربية يعزز الربط الجوي ويفتح آفاقًا جديدة للتعاون الإفريقي    جهة الداخلة وادي الذهب تستعرض تجربتها التنموية في المنتدى العالمي السادس للتنمية الاقتصادية المحلية    العودة إلى الساعة الإضافية وسط رفض واستياء واسع بين المغاربة    كأس العرش لكرة القدم (موسم 2023-2024) .. المغرب التطواني يتأهل لدور الربع بتغلبه على الوداد الرياضي (1-0)    الفكر والعقل… حين يغيب السؤال عن العقل المغربي في الغربة قراءة فلسفية في واقع الجالية المغربية بإسبانيا    رسميا .. باريس سان جيرمان يتوج بالدوري الفرنسي    مجلس حقوق الإنسان بجنيف يعتمد قرارا قدمه المغرب بشأن تمكين النساء في المجال الدبلوماسي    توقعات أحوال الطقس ليوم غد الأحد    مهندسة مغربية تفضح مسؤولاً بارزاً في مايكروسوفت خلال احتفال رسمي: تدعمون إبادة غزة    الأسرة الكروية المغربية تودّع محسن بوهلال بكثير من الحزن والأسى    دعم الدورة 30 لمهرجان تطوان لسينما البحر الأبيض المتوسط ب 130 مليون سنتيم    فيديو يوثق استهداف إسرائيل لمسعفين    إقليم شفشاون.. أربعيني يُنهي حياته في ظروف غامضة    العثور على جثة اربعيني تطفو فوق مياه بحيرة مارتشيكا بالناظور    مقاييس الأمطار المسجلة بالمملكة خلال ال 24 ساعة الماضية    مركز يدعم التمدرس في وضع إعاقة    أداء أسبوعي خاسر ببورصة البيضاء    ندوة صحافية لتقديم النسخة الثامنة من ماراطون الرباط الدولي    رحلة ترفيهية في القطب الجنوبي تقيل نائب الرئيس الإيراني    انطلاق الدورة الربيعية لموسم أصيلة الثقافي الدولي بمشاركة فنانين من سبع دول    الفئران قادرة على استخدام مبادئ الإسعافات الأولية للإنعاش    كلميم.. القضاء يدين عدة مسؤولين بينهم رئيس الجماعة بالسجن النافذ في قضية تبديد واختلاس أموال عمومية    دعوات للمشاركة المكثفة في مسيرة "الرباط الوطنية" للتنديد بالمحرقة المرتكبة في غزة    عرض مناخ الأعمال وفرص الاستثمار في المغرب خلال ملتقى بباريس    سفير جمهورية السلفادور: المملكة المغربية تعد "أفضل" بوابة للولوج إلى إفريقيا    المنتخب الوطني للسيدات لأقل من 17 سنة يتعادل مع نظيره الكيني    خبراء "نخرجو ليها ديريكت" يناقشون موضوع انتشار الوسطاء والشناقة داخل الأسواق    حصيلة الزلزال في بورما تتجاوز 3300 قتيل    'مجموعة أكديطال': أداء قوي خلال سنة 2024 وآفاق طموحة    ماذا بعد استقبال مجلس الشيوخ الفرنسي لحكومة جمهورية القبائل؟    الركاني: من يدعم فلسطين توجه له تهم جاهزة وعواقب وخيمة ستلاحق كل من تواطئ لجعل غزة مسرحا للجريمة    شركة "رايان إير" تُسلّط الضوء على جوهرة الصحراء المغربية: الداخلة تتألق في خريطة السياحة العالمية    في قلب باريس.. ساحة سان ميشيل الشهيرة تعيش على إيقاع فعاليات "الأيام الثقافية المغربية"    "نفس الله" عمل روائي لعبد السلام بوطيب، رحلة عميقة في متاهات الذاكرة والنسيان    وكالة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية: النظام التجاري العالمي يدخل مرحلة حرجة مع فرض الولايات المتحدة رسوما جمركية جديدة    بحضور عائلتها.. دنيا بطمة تعانق جمهورها في سهرة "العودة" بالدار البيضاء    بيل غيتس: 3 مهن ستصمد في وجه الذكاء الاصطناعي    مولر يعلن الرحيل عن بايرن ميونيخ    الوزيرة السغروشني تسلط الضوء على أهمية الذكاء الاصطناعي في تعزيز مكانة إفريقيا في العالم الرقمي (صور)    فشل محاولة ''حريك'' 3 لاعبين من المنتخب الأوغندي للفتيان خلال إقامتهم بكأس إفريقيا بالجديدة    الوديع يقدم "ميموزا سيرة ناج من القرن العشرين".. الوطن ليس فندقا    المغرب فرنسا.. 3    تكريم المغرب في المؤتمر الأوروبي لطب الأشعة.. فخر لأفريقيا والعالم العربي    دراسة: الفن الجماعي يعالج الاكتئاب والقلق لدى كبار السن    دراسة: استخدام المضادات الحيوية في تربية المواشي قد يزيد بنسبة 3% خلال 20 عاما (دراسة)    خبراء الصحة ينفون وجود متحور جديد لفيروس "بوحمرون" في المغرب    العيد: بين الألم والأمل دعوة للسلام والتسامح    أجواء روحانية في صلاة العيد بالعيون    طواسينُ الخير    تعرف على كيفية أداء صلاة العيد ووقتها الشرعي حسب الهدي النبوي    الكسوف الجزئي يحجب أشعة الشمس بنسبة تقل عن 18% في المغرب    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الفن وحجابه .. إلى الفنان عبد الهادي بلخياط

الفن وحجابه، تلك هي المفارقة. آخر مرة أرى فيها صورة الفنان الكبير عبد الهادي بلخياط كانت في إحدى الجرائد الوطنية. والمناسبة مقال تعليق حول إفتاء عبد الهادي بتحريم الفن الغنائي؛ وهو ما اعترض عليه عبد الهادي باعتبار أن توجيهه ليس إفتاء، بل يدخل في نطاق النصيحة.
في الجريدة صورة عبد الهادي الكئيبة بجبّته وقلنسوته و...تترك الإنطباع بأن فناننا كأنه قادم من عصر سحيق؛ صورة تنأى بنا عن تلك القامة الوارفة وذلك المحيّا البشوش والفيّاض بملامح الحيوية والتسامح والإبتهاج المتناغم مع صوت أصيل، قادم من بعيد، من الأعماق، صوت أسعد الملايين من المغاربة بروائعه الفنية طيلة ما يقرب من أربعة عقود.
عبد الهادي علامة فارقة في تاريخ الفن المغربي. هو لوحده تراث فني بأكمله. كان وسيظل يؤثث ذاكرتنا ووجداننا بأجمل الأشياء، لذلك سيظل إرثا مشاعا يحظى منا بأكبر التقدير.
من منّا يمكن أن ينسى روائع طبعت تاريخ الفن المغربي وشكلت مسارا لا يضاهى من الإبداعات، روائع تعلقنا بها منذ طفولتنا ورددناها في كل مكان وفي جميع المناسبات، في المدرسة والمنزل والحي، روائع كبرنا معها، وصاغت جزءا من هويتنا ومنظورنا للأشياء ولأعذب الأماني. من ينسى رموش، الهاتف، ميعاد، القمر الأحمر، حسبتك، الشاطئ، صدقت كلامهم، كيفاش يمكن قلبي ينساك، الصبر تقاضى، ربيع وربيع، عوام ..... والصنارة .
هذه الروائع وغيرها من إبداعات الستينات والسبعينات للفنان إسماعيل أحمد مثل، أراك، سولت عليك العود، يامراكش ياوريدة ، الليل يطول، ياالّلي بغيتو وبغاني ، حبيبي لمّا عاد، يا السّايل عني، لاترجعليش، أشدّاني، صبابة.......وكذلك إبداعات الكبير الدكالي مثل، أنت، الدار المهجورة، الدار اللّي هناك، آخر آه، ما أنا إلا بشر، وشاية، العاشقين، هادي هي أنت، أنا مخاصمك، كتعجبني وشعبنا فلاح..... و إبداعات الغرباوي في ملهمتي، وأمّاه، وأنا عبد الزين و سمّني ما تشاء........مع ذكر محمد الفيتح وعبد الله عصامي وعبد المنعم الجامعي وعبد الحي الصقلي والادريسي، وكذلك الراشدي وبن عبد السلام وعامر وعبد الرحيم السقاط والجراري و محمد بن ابراهيم وحسن القدميري والمعطي بن قاسم وعبد القادر وهبي والغيوان والطيب لعلج وعبد الرفيع الجوهري وحسن مفتي وعلي الحداني وكذلك محمد العلمي والمغاري وإبراهيم العلمي والحياني وبهيجة إدريس....دون أن ننسى فطاحلة الجوق الفني الوطني وغيرهم من جيل التحدي والعصاميات والكرم الفني بلاحدود.
إبداعات عبد الهادي وغيره استطاعت أن تملأ فراغات، وأن تغطي مساحات وأن تطال مناطق قصيّة. وهنا يجب القول بأن من فضائل هذه الإبداعات الفنية، عدا كونها أتحفت الملايين من الناس، فإنها كانت تصهر وجداننا وأفراحنا وأمالنا؛ وبذلك كانت تفعل فعلها في سبك هويتنا الوجدانية والثقافية بل و الوطنية. كانت تكسبنا شعورا بالهوية وبالإنتماء المشترك إلى وطن له وجود وقيم جمالية وأخلاقية، وإلى فرح شعبي نرتضيه. لذلك، أنا الآن، أرى ، وبعد مرور ما يناهز أربعة عقود، أن فن عبد الهادي وصحبه لم يكن مجرد فن يبتغي ويحقق الإمتاع فحسب، بل تجاوز ذلك إلى ما تعجز عنه ربما عشرات الأحزاب ووسائل الإعلام، وهو الإسهام، كما قلت، في صوغ ما كان يسميه هيجل ب "روح الشعب" ، ومن ثم تشكيل الهوية والإحساس بها، وبالإنتماء المشترك، وذلك بالنسبة إلى قطاع عريض من مختلف الفئات العمرية والإجتماعية في الستينات والسبعينات وإلى غاية الثمانينات، حيث تعطّل الإبداع المغربي وجفت ينابيعه عن سبق إصرار. عمّ التخاذل والتآمر، وسادت الرداءة والهجانة والغوغائية. وإنّ نظرة عجلى إلى ما يملأ الأماكن لدليل على ما صار إليه أكثر شبابنا من تيه وضحالة حيث لا شيء ما عدا "الوولكمانات" الجوفاء والملصقة كما تُلصَق الأقراط المميِّزة بآذان الأبقار، ومسخ الأجسام بأقنعة "فنية" وصراخ وقفز في المكان وخواء وضحالة تبعث على الحسرة والأسى.
أين منّا من ذلك الزمن الجميل الذي كانت تردد فيه شبيبتنا في الثانويات بل والإعداديات وفي المنتديات والحدائق وغيرها معزوفات فيروز وكلثوم واسمهان وعبد الحليم وفريد ومحمد عبد الوهاب وعفاف راضي ونجاح سلام وعبد الهادي والدكالي وغيرهم من رواد الكلام والذوق الجميلين.أين منا من ذلك الزمن الذي كانت فيه شبيبتنا في الثانويات، تبحث تلقائيا عن مقرات الأحزاب للمشاركة في مسابقاتها الثقافية وأنشطتها الفنية المعلن عنها في جدران المؤسسات والشوارع. كان شبابنا يكتب القصائد والأقصوصة ومحاولات المسرح؛ ولم يكن عسيرا أن تلمح تباشير النضج مفتّقة فيهم ؛ لذلك ، فالتفاؤل والأمل في المستقبل كان حقيقة.
واليوم، عندما نسأل أحد شبابنا عن عبد السلام عامر أو عبد الرحيم السقاط أو اسماعيل أحمد أو غيرهم، يكون الجواب، لا أعرف. وعندما نسألهم عن عبد المجيد بن جلون أو عبد الله العروي أو الخمار الكنوني أو المجاطي، وغيرهم كثير، يكون الجواب، لا أعرف أو لا أذكر. شباب بدون ذاكرة وبدون هوية، ومن لا ذاكرة له لا مستقبل له. وبالطبع، فإن لسياسة الإعلام ووسائله الدور الأكبر في استئصال ذاكرة الأجيال.
كنا نمتح إذن من أغاني عبد الهادي كل ما نحتاجه من قيم الجمال والفن و الأخلاق والتربية .
والآن، وبعد مسار طويل، من حق عبد الهادي أن يعتزل الفن الغنائي ويستريح، وأن يختار وجهته الدينية وسفره الإلهي كما يقول. لكن ليس من حقه أن يرجم الفن وأن يفتي أو ينصح بتركه، لأنه، وطيلة أربعة عقود تقريبا من الإبداع الفني المتواصل، لم يؤدّ عبد الهادي ولو كلمة واحدة أو لحنا واحدا يُخلّ بالأخلاق والحياء العام، مما يجعله يتنصّل من ماضيه الفني ويفتي بترك الفن؛ بل العكس تراثه الفني كله جمال وأخلاق. هل القمر الأحمر حرام؟ والشاطئ؟ ورموش؟ والهاتف؟ وواحة العمر؟ وصدقت كلامهم؟ .... وغير ذلك من التحف الفنية التي تغنت بجمال الطبيعة والإنسان، وبنبل الأخلاق والمشاعر التي بها يتميز الإنسان عن الجماد والحيوان.
كذلك ليس ممكنا أن يخلط الإنسان في ماضيه بين حياته الفنية وحياته الخاصة، فيحرّم إحداها بسبب من الأخرى، كما لا يمكن للرياضي أن يحرم الرياضة بسبب من حياته الخاصة. فرُبّ حياة لا إثم فيها. .....
وليس الفن رجسا من عمل الشيطان يبعد الإنسان عن الله، بل العكس الفن هو المقام الروحي الأبهى الذي يجعل الإنسان أقرب إلى الله وحضرته وجلاله. الفنان يرى الله في دقائق وجلائل الأشياء، أما الميتافيزيقي فيرى الله ولا يراه، وتلك مفارقته؛ لذلك، وبمعنى ما، وضع "نيتشه" الفن كبديل للميتافيزيقا.
أُنْظُرْ إلى المُؤلِّهة من الشعراء وكيف تشِْركُ (من الشِّراكِ والفخاخ) أنظارَهم وألبابَهم أعينُ الأشياء وأزلُ الأُلوهيةِ فيها:
(............)
عمري الذي رحلت
ليلاتُه سأما
رمشاك ردّا له
الأفراح والأمل
اخضوضر الشعر والإلهام
في وتري .
ياخشعة الغاب
يازهدي وياقدري
في مقلتيك عرفت الله.
(.........)
شلاّلُ عطر جرى
مَنْ فَجّرَ الأَزَلَ والغَزَلَ
فينيسُ قد رجعت
والوحي قد نَزلَ
(.........)
(قصيدة رموش ل عبد الرفيع الجوهري)
الفن يرفع من قيمة المكان و الزمان والإنسان، أي من قيمة الوجود، بل هو جوهر الوجود ومبرر كينونته. ولنا ممّا نراه في الطبيعة من آيات للقول بأن الفن حاجة وجدانية، عقلية وتربوية للإنسان. ألا ترى إلى الأسماك كيف تفتتن بالموسيقى المرسلة في البحر، فتستحثُّ العوم صوبها حيث يوجد الصياد؛ والأطيار كيف تتناجى بأشجى وأعذب الأصوات، والنسيم كيف ينبّه الزهور فتتمايس...، والأشجار في العلا كيف تتعالق و لثغات البحر وشفق وغسق الأماسي، وغير ذلك من بدائع الفن التي لا يراها من في أعينهم غشاوة وعلى ألبابهم أَكِمّة وفي آذانهم وَقر .
فالفن والوجود أكبر من أن يحظره أو يحجبه مُتَفَيْقِه أو إنسان. وقد وعى اليونان القدماء في حضارتهم هذه الحقيقة، ووضعوا آلهة لكل قيم الفن والجمال والحكمة والمعرفة والمحبة . توّجوا "أثينا"إلهة للحكمة، و"أفروديت" إلهة للخصوبة والجمال، و"أبولون" إلها للفنون والآداب، و"ديونيزوس" إلها للكروم والمتع، و"هرمس" رسولا بين الآلهة والبشر، يفك رموز المراسيل الإلهية للإنسان (ومن هنا مصطلح الهيرمينيطيقا). كما وضعوا آلهة للبحر والأرض والسماء ولكل ما له معنى وقيمة في الحياة؛ فخصّوا هذه الآلهة بمعابد، وبأيام ومواسم، وأقاموا لها الإحتفالات ومراسيم التمجيد. فعلوا ذلك إحتفاءا بالقيم وتقديسها وتخليدا لها باعتبارها علّة الوجود وجوهره. وكذلك الرومان القدماء وضعوا في حضارتهم آلهة لكل قيم الحكمة والجمال والفن ....
أما القرآن المفترى عليه فيحرم المجون والتهتك المستطير، لكن ليس فيه كلمة واحدة تحرم الجمال والفن، بل إنه نبّه إلى قيمة الحياة الدنيا وجمالها و ملذاتها كما نبّه إلى قيمة الاعتدال، وإلى أنه " ما خلقنا الإنسان ليشقى" (الآية)، وبأننا " زيّنا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين" (سورة الملك). ولغلاة الروحية واغتيال الجسد والحس يكون القول بأن القرآن لوحات عدة تصف نعيم الآخرة وصفا حسيا، بل وغزليّا عفيفا، وذلك حينما يمعن القرآن في غير ما موضع في الكلام عن الجنان والفاكهة والنخل والحب والرحيق والريحان والأنهار والأزواج المطهرة والحور الحسان اللائي
«لم يطمثهن إنس ولاجان"، و الأباريق الفضية والولدان المخلدون، والإستبرق والسندس، وأنواع الأشربة، التي يحرص القرآن على أن يسميها بالمطهّرة((1 " .
وكما وصف القرآن النعيم الأخروي وصفا حسيا كذلك فعل في وصف الجحيم.
وقد جعل القرآن الحسّ والمحسوس حجة وشاهدا على الخلق الإلهي وحكمته وعنايته وجلاله؛ لذلك، كلما ذكّر بمظاهر النعيم الحسي الأخروي، أردف بالقول" فبأي آلاء ربكما تكذبان "أي بأي نعم ربكما تكذبان.
" (.....) ولمن خاف مقام ربه جنّتان. فبأي آلاء ربكما تكذبان. ذواتا أفنان. فيهما من كل فاكهة زوجان. فبأي آلاء ربكما تكذبان. متكئين على فرش بطائنها من إستبرق وجنى الجنّتين دانٍ. فبأي آلاء ربكما تكذبان. فيهن قاصرات الطرف لم يطمثهن إنس ولا جان. فبأي آلاء ربكما تكذبان. كأنهن الياقوت والمرجان. فبأي آلاء ربكما تكذبان. هل جزاء الإحسان إلا الإحسان فبأي آلاء ربكما تكذبان. ومن دونهما جنتان. فبأي آلاء ربكما تكذبان. مُدهامتّنان((2 فبأي آلاء ربكما تكذبان. عينان نضّاختان ((3 فبأي آلاء ربكما تكذبان (........) تبارك إسم ربك ذي الجلال والإكرام (سورة الرحمان).
فالقرآن لم يُغْمِطْ الإنسانَ حقه في التمتع لا في هذه الحياة ولا في الحياة الأخرى. وإنكار الحس والمحسوس من المتع فيه جحود بالنعم الإلهية.
هل هذا النعت الحسي لنعيم الآخرة (ولجحيمها أيضا) هل هو مجرد تقريب لمعاني خفية للإنسان؟. أقول، لا؛ لأنه لو كان الأمر كذلك لكان الكثير مما ورد في القرآن مجرد تقريب وبالتالي متشابه. فكيف ما كان تأويل هذا الحس في القرآن فإنه لن يخرج عن نطاق الحس كجوهر للطبيعة الإنسانية وإلاّ فإنها لن تكون، أو ستوجد بطبيعة أخرى ساعة الحشر؛ طبيعة أخرى يسميها فيلسوف عربي إسلامي وسطوي ب " مثال الذات" وليس " عين الذات" كما كانت في الحياة. استعمل الفيلسوف مقولتي " عين الذات" و"مثال الذات" لتنزيه الألوهية والميتافيزيقا((4 ، لكن هذا الزوج المقولي لم يحل أي إشكال لميتافيزيقا الحشر، بل أضاف مفارقات ومحالات، إذ لا يمكن ل " مثل الذات " أن تنسخ "عين الذات"، لأن في ذلك تعمية عن أصل الفعل ومسؤولية الذات، ونقض لمبدأ الوعد والوعيد والعدل الإلاهي.
الوصف الحسي إذن حفاظ على اتساق النظر والماهيات . وهو حكمة في إدراك الطبيعة الإنسانية، والسبيل الأوحد لتمثل الأحوال والطبائع والمقتضيات. وهذا دليل آخر على أهمية الحس والمحسوس في الفكر القرآني.
إذا كان أفلاطون مثلا يحتقر الجسد وحواسه وغرائزه وشِعْره، ويعتبره مقبرة للنفس، والحيوان الذي يجثم في الإنسان، ويعتبر أن عقل المثل هو الجانب الإلهي في الإنسان، فإن القرآن، كما لاحظ ذلك محمد إقبال، يعتبر الحس من النّعم الإلهية على الإنسان. وكلام إقبال بديهي لاعتبارات شتّى. فقيمة العين مثلا بادية في التفكير والعبادات والمعاملات وإسداء النصح وأخذ العبرة والإستمتاع بالحياة. وكما قال أرسطو وابن رشد، من فقد حاسة فقد العلم الموصول بها.
فالبشر ليسوا أرواحا طائرة في الطبيعة والمجتمع، أرواحا لا ترى ولا تسمع ولا تنطق ولا تحس، بل الإنسان جسد، أي حواس ظاهرة وباطنة؛ وهذه الحواس شريكة الروح في الفكر، أي في الفعل والانفعال، يحلّقان معا و ينزلان معا، وتلك حكمة الطبيعة، أو مشيئة الله في خلقه.
وباختصار، الله جميل ويحب الجمال كما يقول الأوائل.
وقد خلق الله السماوات العلى وشموسها ونجومها الوضاءة ولم يضع عليها حجابا. وخلق البحار وفيروز الشطآن ولم يضع عليها حجابا. وخلق الأزهار والورود وقمم الغابات والينابيع الحيّة ولم يضع عليها حجابا. وخلق العين والروح والذوق و لم يضع عليها حجابا. وخلق التفكر وملكة الإبداع والفن ولم يضع عليها حجابا. خلق كل هذه الجوارح والسوانح لترى، ضمن ما تراه، جمالاً وتبدع فناًّ عرفاناً بقيمة الوجود وسموه.
فالطبيعة سافرة بطبعها وإلاّ فإنها لاتوجد؛ والإنسان انبثاق وإلاّ فإنه ليس حقيقة، لأن الحقيقة، في الأصل اليوناني ، وكما رأى "هيدغر" ، هي كشف وانكشاف للماهية.
الإنسان انبثاق فني قبل كل شيء لأن الفن سابق ربما عن الأخلاق، وهو لبُُّها وجنس لها.
الفن يثوي في صلب الأخلاق. ومعيار وأحكام الجمال والقبح تكتنف معيار وأحكام الخير والشر. ألا ترى أننا نحكم على كل أفعال الخير بالجميلة، وعلى كل أفعال الشر بالرديئة.
....... ثم لماذا يسعى الإنسان ويكدُّ؟ وهل من غاية أخيرة في الحياة غير السعادة بكل ما هو حسي وجميل، تلك السعادة التي قال عنها "الفارابي" بأنها " مطلوب الأولين والآخرين"
وفي الختام ، إنْ أنس لا أنسى ذلك الحفل الفني الباذخ الذي أقامه عبد الهادي في التسعينات، وذلك في مسرح محمد الخامس وسط تفاعل جماهيري حاشد ونوعي؛ كأن ذلك الحفل كلمة وداع تكلم فيها عبد الهادي عمّا سمّاه بكفاح ثلاثين سنة، وشكر جمهوره على مواكبته، كلمة وداع أعاد فيها إلى المسامع ذلك الزمن الجميل لقصائد ورائع الستينات والسبعينات. وقد كان مؤثرا أن ينادي أحد الجمهور عبد الهادي في فترة من الحفل: وْقَفْ وْقَفْ آ الشريف. فهذا النداء له أكثر من دلالة ومعنى.
شكرا للفنان الكبير عبد الهادي لما بذله مدة جيل بأكمله. وسيظل فنانا أصيلا كبيرا وعزيزا لدى المغاربة وعلى الدوام.
شكرا لأنه أتاح لي هذه الفرصة لا لكي أقتحم عليه وجوده. فهو أكبر من هذا، بل لكي أبدي رأيا في الظاهرة المتنامية التي أنتجت عبد الهادي وغيره، ظاهرة تحريم الفن والجمال وقتل الأجساد والأرواح؛ ظاهرة سَدَنَتُها فقهاء السوء والشؤم ممن لا شغل لهم في هذه الحياة غير موت الإنسان ونعيه قبل الأوان.
هوامش:
1 - "إن الأبرار لفي في نعيم على الأرائك ينظرون تعرف في وجوههم نضرة النعيم يُسقون من رحيق مختوم. ختامه مسك وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ومزاجه من تسنيم عيناً يشرب بها المقربون " (سورة المطففين). " إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا" (الاية). " ( .....) وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا متكئين فيها على الأرائك لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا ودانيةً عليهم ظلالها وذُّللت قطوفها تذليلا ويطاف عليهم من آنية من فضة وأكواب كانت قواريرا قواريرا من فضة وأكواب قدروها تقديرا ويسقون فيها كأسا كان مزاجها زنجبيلا عيناً تسمى سلسبيلا ويطوف عليهم ولدان مخلدون إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا عليهم ثياب سندس خضر وإستبرق وأساور من فضة وسقاهم ربهم شرابا طهورا . إن هذا كان لكم جزاءا وكان سعيكم مشكورا" ( سورة الإنسان)... إلى غير ذلك .
2- سوداوتان من شدة إخضرارهما.
3- فوارتان بالماء لا ينقطع.
4- جواب هذا الفيلسوف كان حول الإشكال الميتافيزيقي المطروح في الفكر العربي الإسلامي في العصر الوسيط والمتعلق بمسألة الحشر، هل سيكون للأجساد والأرواح معا أم للأرواح فحسب ، إلى غير ذلك من القضايا ...


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.