العدل والإحسان أفشلت رهان تعايش كل التيارات المختلفة داخل الحركة عرفت حركة 20 فبراير منذ أول نزول لها إلى الشارع العام من أجل التظاهر والاحتجاج دفاعا عن مطالبها التي وردت بأرضيتها التأسيسية حركات من المد والزجر، سواء أثناء انعقاد جموعها العامة أو أثناء المسيرات والأشكال النضالية/الاحتجاجية التي خاضتها. تباينات، تفاوتات في وجهات النظر وانتقادات حادة لم تظل حبيسة النقاش والتعبير الديمقراطي وإنما امتدت فصولها ليصبح الحوار فيها مؤسسا ومبنيا غير ما مرة على الدم والأسلحة البيضاء والعصي، بين الأطراف المتصارعة، تارة بين مكونات تيارات سياسية تقدمية وديمقراطية في مواجهة ما اعتبر هيمنة من أنصار جماعة العدل والإحسان وشركائها في النواة الصلبة، وتارة أخرى بين أتباع الشيخ ياسين ومن يسمون أنفسهم بتيار المستقلين الذين ينقسمون بدورهم إلى فئات حسب درجة هذه الاستقلالية. خلافات تطورت رحاها لتصل إلى الانقسامات والتطاحنات، مردها عوامل متعددة من بينها، سقف الأرضية التأسيسية، طريقة تدبير الجموع العامة وصناعة القرارات، الآلية الديمقراطية، النقاش السياسي، إنجاح محطات وأشكال بعينها وإفشال أخرى لاتكون الجماعة راغبة فيها، مقابل الحديث عن شراء للذمم من داخل مكونات الحركة من أجل التأثير على النقاش العام والبحث عن أشخاص تأكل بأفواههم الثوم، هيمنة واستعراض للعضلات خلال المسيرات، ومنح تراخيص للبعض لترديد شعارات ورفض البعض الآخر، شن لحرب ضد المرأة العشرينية بمنطلق ديني وأخلاقي وتكريس للتمييز ...؟ حلقات من عقد عشريني اتضح غير ما مرة أن بريقه غير خالص وبأن به الكثير من الزيف، مجسدا مقولة أنه ليس كل ما يسطع ذهبا، وهي الاتهامات المتبادلة من الجانبين التي أدت إلى انحسار وانكسار الحركة، من خلال الزج بها في معارك دونكيشوطية، كان عدد من المناضلين العشرينيين يرون أن الهدف منها هو استنزاف جهود ومقدرات المتظاهرين وإدخالهم في دوامة من الرتابة التي لن تخدم إلا الجهات التي تسعى إلى كسر شوكة الحركة من الداخل، وطالبوا برفع الوصاية عنها ومنحها أفقا ديمقراطيا من خلال تدبير شفاف يتمتع بكامل الاستقلالية، وهم في مطلبهم هذا عبروا عن رفضهم لهيمنة العدل والإحسان ومن معها في النواة الصلبة، بينما الجهة الأخرى كالت لهم بدورها ما شاءت من الاتهامات ووصفتهم بما استهواها من نعوت، إلى أن اتخذت جماعة العدل والإحسان قرارها بالانسحاب من الحركة، وهو القرار الذي لم يكن مفاجئا بالنسبة لبعض العشرينيين الذين اعتبروا أن مقدمات كثيرة وأشياء رتبت لهذا القرار/التحول غير المفاجئ والذي يدخل ضمن ترتيب معين يجب ألا يوقف عجلة حركة 20 فبراير ، مقدمين قراءتهم لهذا الموقف ورؤيتهم لآفاق الحركة. هاب حسام : خلال الأسابيع الأخيرة تبين أن أنصار حركة العدل والإحسان نهجوا نهجا مختلفا سواء من خلال تقليص أعدادهم ضمن المسيرات الاحتجاجية، أو من خلال التغيير في طبيعة وفحوى الشعارات المرفوعة، مقابل مواجهتهم للشعارات المنتقدة للأمين العام لحزب العدالة والتنمية وحكومته المرتقبة، عكس ما كان يذهب إليه عشرينيون آخرون، وذلك انطلاقا من خلاصات اقتراع 25 نونبر وطبيعة المشهد السياسي الذي أصبح مفرزا، الأمر الذي يتبين معه أن جماعة العدل والإحسان قد تكون وقفت وقفة من أجل قراءة متأنية لهذا المشهد السياسي، مستحضرة ذلك تأثير طبيعة النقاش الديمقراطي داخل الحركة على الخط السياسي للجماعة وعلى أتباعها الذين خرجوا من أشكال معينة في الخضوع للقرار ٌ إلى أخرى بمجال أرحب ديمقراطيا، أخذا بعين الاعتبار موقع الحركات الإسلامية في الدول التي شهد فصول حراك الربيع العربي، هذا المعطى الأخير الذي بين بأن الحركات الإسلامية بإمكانها المساهمة في الحياة السياسية الرسمية، كم هو الحال بالنسبة للإخوان لمسلمين بمصر الذين أسسوا حزب حرية وعدالة، والسلفيين من خلال حزب النور السلفي، ثم حركة النهضة والفضيلة التي تتحمل المسؤولية بتونس، وأخيرا العدالة والتنمية بالمغرب. تجارب حركت بشكل أساسي المياه الراكدة للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان، وقد تكون مؤشرا على سعيه للتحول إلى حزب سياسي، وهي الانطباعات التي توجد لدى عدد من أعضائه. على أن السؤال المطروح اليوم هو ما هو دور القوى الديمقراطية الحداثية داخل حركة 20 فبراير، وهو ما يحيلنا على جانب التأطير السياسي، التعبئة للخروج إلى الشارع واستمرار التظاهر، مع ضرورة توضيح الخط السياسي للحركة، وبالتالي وأمام انسحاب الخط الإسلامي ومكوث الخط الحداثي الديمقراطي، يتساءل الجميع ماذا تريد الحركة ؟ وهنا يجب أن نؤكد على أنه يجب ان تتحول الحركة إلى قوة اقتراحية تقدم مشروعا سياسيا في إطار الأرضية التأسيسية لها تكريس الفرز الذي شهده المشهد السياسي من يمين محافظ واتجاه تقدمي يساري داخل الحركة التحالف على المستوى الميداني داخل الحركة ما بين جميع أطياف اليسار، وأخيرا تشكيل تحالف وقطب يساري داخل الحياة السياسية بشكل عام. عبد الواحد بنعضرا : كانت للعدل والإحسان ضمن حركة 20 فبراير محطتان أساسيتان هما الاستفتاء والانتخابات، كما كانت لها حساباتها التي تراهن عليها طوال هذه الشهور، وخروجها اليوم هو جزء من هذه الحسابات وبالتالي فهو خروج عادي ولايتعلق بفراغ على اعتبار أنه خلال المرحلة المقبلة ليس هناك من محطة قوية بقيمة المحطتين السالف ذكرهما، وبالتالي ستكون الجماعة محرجة وغير قادرة على الخروج كل أسبوع لغياب المعطى القوي الذي ستعبئ من خلاله الناس كما في السابق، لكن يبقى السؤال المطروح مرتبطا بتوقيت القرار وبعض العبارات الواردة في بيان الجماعة، وهو ما يثير عدة تساؤلات. لماذا هذا التوقيت بالذات الذي تزامن مع أشغال المؤتمر الثالث للحزب الاشتراكي الموحد ؟ خصوصا وأن الجماعة كانت تتبع بشكل من الأشكال النقاش السائد فيه طيلة الأشغال، والذي كان اتجاهه العام الرفض لأي تحالف كان مع جماعة العدل والإحسان لاختلاف المرجعيين. ثم بعض الصياغات الواردة في البيان التي طرحت الأسئلة من قبيل عبارة « البعض يريد تجاوز هوية الشعب المسلم «، مما يجعلنا نطرح سؤالا، أين كان هذا الأمر منذ البداية ؟ سيما أن الجماعة تعرف معنى المجتمع المدني والملكية البرلمانية وكل ماكانت تطالب به لحركة .. بالنسبة لي فإنني لا أجد أي إشكال في خروج العدل والإحسان من حركة 20 فبراير، وهو يطرح مسألتين، الأولى تتمثل في إفشال الرهان على تعايش كل التيارات المختلفة في إطار مدني، وتتحمل في ذلك المسؤولية الجماعة وغيرها من مكونات النواة الصلبة التي كانت تعمل على إقصاء الرأي المخالف وتمارس نفس الثقافة المخزنية المفروض أن تنتقدها، وتنعت المخالفين بالمخزنيين أو الممخزنين وبالخائنين وغيرها من النعوت القدحية. ثم هناك الجانب الثاني وهو إيجابي، ويتعلق بتوضيح الاصطفافات، بمعنى أن خروج الجماعة من الحركة بشكل من الأشكال يجعلها تصطف إلى جانب اليمين المحافظ الحاملة إياه الأحزاب الهوياتية كالعدالة والتنمية، في مقابل مشروع ديمقراطي حداثي ... يبقى هناك إذن إشكال واحد حول هذا الاصطفاف والمرتبط بموقف حزب التقدم والاشتراكية من انتمائه لحكومة يقودها حزب محافظ، نرجو أن تحمل الأيام المقبلة مستجدات قد تدفع بهذا الحزب إلى الاصطفاف مع القوى الديمقراطية الحداثية التي هي مكانه الطبيعي.ذ زهرة حركة : الحركة تهم الشعب المغربي ولاترتبط بجماعة العدل والإحسان، لوحدها وبالتالي فإن قرار انسحابها من هذه الحركة الجماهيرية لايهمنا نحن المستقلون، بل نعتبر أن الحركة عادت إلى مكانها الطبيعي والأصلي بعيدا عن أية تأثيرات ومناورات للاستحواذ عليها والتحكم في قراراتها وإرسال رسائل من خلالها لهذه الجهة أو تلك. حركة 20 فبراير تعيش اليوم مرحلة ولادة جديدة تقتضي القطع مع أسلوب السيطرة وإحكام الخناق عليها، وهي اليوم مدعوة أكثر من أي وقت مضى إلى النزول إلى الشارع العام والاستمرار في رفع مطالبها إلى حين تحقيقها بحضور العدل والإحسان أو بدونها، ويكفي أن نستحضر أن أعدادا من المواطنين والفاعلين رفضوا الاستمرار في النزول إلى مسيرات الحركة والاستجابة لدعواتها بفعل هيمنة أنصار الجماعة عليها، وبالتالي فسيكونون على موعد مرة أخرى مع النزول بكامل الحرية وبدون قيود، للتعبير عن الضرر الذي يحسه المغاربة بحثا عن العيش الكريم والحرية والعدالة والاجتماعية، وإذا ما انخفضت وتقلصت أعداد المشاركين فسيتبين هل كانت الحشود تنزل دفاعا عن مطالبها أو تنفيذا للتعليمات الموجهة لها ؟ مخلص حسني : لكل تنظيم سياسي أهدافه وأجنداته داخل الحركة وضمنها جماعة العدل والإحسان التي توضحت أجندتها خلال الشهر الأخير، وتبين ذلك من خلال إخلائها لعدد من المواقع كما هو الحال بالنسبة لموقع طنجة، ثم الرسائل الأخرى التي تؤكد بسطها لهيمنتها على مواقع أخرى كالدارالبيضاء، وبالتالي فإن خروجها مبني على حسابات وقراءات أنا أجملها في قراءتين : الأولى، أن الجماعة وجدت نفسها بأنها الخاسر الأكبر من نتائج الربيع العربي، محليا وخارجيا، بفعل وصول عدد من التنظيمات الإسلامية إلى سدة الحكم، عكسها هي، وهو ما يوضح خطاب ناطقها الرسمي والحديث عن إمكانية تأسيس حزب، وهو ما يوحي بان ثمة صفقة أبرمت مع الدولة لدخول الجماعة إلى الحقل السياسي الرسمي. والقراءة الثانية وهي أكثر راديكالية ولاأستبعد من خلالها أن الجماعة تعد العدة للرجوع إلى الشارع بشكل أكثر قوة لكن بعيدا عن مظلة حرة 20 فبراير. على أن هذا الخروج هو ذو تأثير متفاوت على آفاق الحركة وذلك انطلاقا من واقع كل تنسيقية، فهو إن لن يكون مؤثرا في الرباط، وكذلك في أكادير ومراكش وفاس التي تعيش وضعا معينا، فإنه سيكون مؤثرا لامحالة في الدارالبيضاء. غلا أنه الأساسي اليوم هو أن تفكر الحركة في 3 أشياء : ماذا حققت؟ استراتيجية العمل؟ على اعتبار أن الحركة تتطور في الزمن، من خلال إنتاجها لصيغ جديدة من قبيل حركة «لعيالات جايين»، وتنسيقية آنفا التي أضحت متخصصة في النضال في ملف « ليدك»، وهي حركات خرجت من رحم حركة 20 فبراير، ثم الجواب عن سؤال، هل الآن الاحتجاج في الشارع هو بديل أم يجب البحث عن أشكال أخرى للضغط ؟ مع الأخذ بعين الاعتبار أن الجواب يتطلب موضوعية بعيدا عن الحلم والكذب لأن الحركة لم تعبئ الشعب بشرائح كبرى، وبالتالي فيجب أن تدخل في مشروع تأطير المواطنين، واقترح أن تستحضر تجربة الشيلي التي تبقى رائدة في هذا الباب.