المغرب التطواني ينتصر على الوداد الرياضي برسم ثمن نهائي كأس العرش    إصابة أربعة أشخاص في حادث اصطدام سيارة بنخلة بكورنيش طنجة (صور)    الاتحاد الإسلامي الوجدي يقصي الرجاء    منتدى يدعو إلى إقرار نموذج رياضي مستدام لتكريس الريادة المغربية    اعتصام ليلي بطنجة يطالب بوقف الإبادة الإسرائيلية في قطاع غزة    اعتداء جسدي بليغ على عميد شرطة والرصاص يقوم بالواجب    مأساة بحي بنكيران.. وفاة فتاة يُرجح أنها أنهت حياتها شنقاً    يوم غضب أمريكي تحت شعار "ارفعوا أيديكم".. آلاف الأميركيين يتظاهرون ضد ترامب في أنحاء الولايات المتحدة    بلاغ جديد للمنظمة الديمقراطية للصحة – المكتب المحلي للمركز الاستشفائي الجامعي ابن سينا – الرباط    في مباراة مثيرة.. الاتحاد الوجدي يُقصي الرجاء ويتأهل لربع نهائي كأس العرش    "لن أذهب إلى كانوسا" .. بنطلحة يفضح تناقضات الخطاب الرسمي الجزائري    توقيف أربعيني بطنجة روج بمواقع التواصل لعمليات وهمية لاختطاف فتيات    أمن طنجة يفند أخبار اختطاف فتيات    منظمات حقوقية تدين تهميش المهاجرين المغاربة في مليلية المحتلة    حركة حماس تشيد بموقف المهندسة المغربية ابتهال أبو سعد واصفة إياه ب"الشجاع والبطولي"    باريس سان جرمان يحرز بطولة فرنسا    طنجة تتصدر مقاييس الأمطار المسجلة بالمملكة خلال ال 24 ساعة الماضية.. وهذه توقعات الأحد    طنجة .. وفد شبابي إماراتي يطلع على تجربة المغرب في تدبير قطاعي الثقافة والشباب    برشلونة يسقط في فخ التعادل أمام ريال بيتيس    هذا ما يتوقعه المغاربة من المعطي منجب؟    المغرب يرسخ مكانته كحليف تاريخي و إستراتيجي في مواجهة سياسة ترامب التجارية    فرنسا: خسائر ب15 مليار دولار بسبب التعريفات الجمركية الأمريكية    الدار البيضاء تستحضر ذكرى 7 أبريل 1947.. محطة مشرقة في مسار الكفاح الوطني والمقاومة    تحالف استراتيجي بين الموريتانية للطيران والخطوط الملكية المغربية يعزز الربط الجوي ويفتح آفاقًا جديدة للتعاون الإفريقي    جهة الداخلة وادي الذهب تستعرض تجربتها التنموية في المنتدى العالمي السادس للتنمية الاقتصادية المحلية    العودة إلى الساعة الإضافية وسط رفض واستياء واسع بين المغاربة    الفكر والعقل… حين يغيب السؤال عن العقل المغربي في الغربة قراءة فلسفية في واقع الجالية المغربية بإسبانيا    الأسرة الكروية المغربية تودّع محسن بوهلال بكثير من الحزن والأسى    دعم الدورة 30 لمهرجان تطوان لسينما البحر الأبيض المتوسط ب 130 مليون سنتيم    أداء أسبوعي خاسر ببورصة البيضاء    رحلة ترفيهية في القطب الجنوبي تقيل نائب الرئيس الإيراني    فيديو يوثق استهداف إسرائيل لمسعفين    انطلاق الدورة الربيعية لموسم أصيلة الثقافي الدولي بمشاركة فنانين من سبع دول    الفئران قادرة على استخدام مبادئ الإسعافات الأولية للإنعاش    دعوات للمشاركة المكثفة في مسيرة "الرباط الوطنية" للتنديد بالمحرقة المرتكبة في غزة    سفير جمهورية السلفادور: المملكة المغربية تعد "أفضل" بوابة للولوج إلى إفريقيا    عرض مناخ الأعمال وفرص الاستثمار في المغرب خلال ملتقى بباريس    خبراء "نخرجو ليها ديريكت" يناقشون موضوع انتشار الوسطاء والشناقة داخل الأسواق    حصيلة الزلزال في بورما تتجاوز 3300 قتيل    وكالة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية: النظام التجاري العالمي يدخل مرحلة حرجة مع فرض الولايات المتحدة رسوما جمركية جديدة    'مجموعة أكديطال': أداء قوي خلال سنة 2024 وآفاق طموحة    ماذا بعد استقبال مجلس الشيوخ الفرنسي لحكومة جمهورية القبائل؟    الركاني: من يدعم فلسطين توجه له تهم جاهزة وعواقب وخيمة ستلاحق كل من تواطئ لجعل غزة مسرحا للجريمة    في قلب باريس.. ساحة سان ميشيل الشهيرة تعيش على إيقاع فعاليات "الأيام الثقافية المغربية"    "نفس الله" عمل روائي لعبد السلام بوطيب، رحلة عميقة في متاهات الذاكرة والنسيان    شركة "رايان إير" تُسلّط الضوء على جوهرة الصحراء المغربية: الداخلة تتألق في خريطة السياحة العالمية    بحضور عائلتها.. دنيا بطمة تعانق جمهورها في سهرة "العودة" بالدار البيضاء    الوزيرة السغروشني تسلط الضوء على أهمية الذكاء الاصطناعي في تعزيز مكانة إفريقيا في العالم الرقمي (صور)    الوديع يقدم "ميموزا سيرة ناج من القرن العشرين".. الوطن ليس فندقا    تكريم المغرب في المؤتمر الأوروبي لطب الأشعة.. فخر لأفريقيا والعالم العربي    دراسة: الفن الجماعي يعالج الاكتئاب والقلق لدى كبار السن    دراسة: استخدام المضادات الحيوية في تربية المواشي قد يزيد بنسبة 3% خلال 20 عاما (دراسة)    خبراء الصحة ينفون وجود متحور جديد لفيروس "بوحمرون" في المغرب    العيد: بين الألم والأمل دعوة للسلام والتسامح    أجواء روحانية في صلاة العيد بالعيون    طواسينُ الخير    تعرف على كيفية أداء صلاة العيد ووقتها الشرعي حسب الهدي النبوي    الكسوف الجزئي يحجب أشعة الشمس بنسبة تقل عن 18% في المغرب    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



التهوية برياح أخرى
نشر في البوصلة يوم 26 - 04 - 2010

في حوار مع القاصة والفنانة التشكيلية المغربية زهرة زيراوي:"أخيرا قرأت "الرقة التي تغتال" لفرانسواز دورنيه الصادرة عام 2004 الحائزة على جائزة أفضل رواية فرنسية، وأنت تقرأها تجد أن البطلين ليسا عاشقين بل مدفوعين بيد العصر الذي استوحش، كل منهما يبحث عن ملاذ يلوذ إليه عواطف متنوعة متجلية في البعد الإنساني، تلتقي البائعة الشابة "باولين كارموند" بأستاذ الفلسفة المتقاعد الأرمل، تفصل بينهما خمسون سنة، لكن الإحساس العميق بالوحدة يكويهما معا ، و ستقوم بينهما علاقة غريبة ليس فيها لا الحب ولا الجنس ولا حتى علاقة الأستاذ بتلميذة متعطشة للفلسفة، مع كل هذه الفوارق العمرية و الفكرية سيقلب كل منهما حياة الآخر بالرقة التي تغتال".

أغلب كتاب القصة القصيرة وافدون من أجناس ادبية وفنون تعبيرية اخرى. فمنهم من جاء إلى القصة القصيرة من الشعر، ومنهم من جاء إلى القصة من النقد، ومنهم من جاء إليها من الصحافة، ومنهم من جاء إليها من الفن التشكيلي. من أين جاءت زهرة زيراوي كقاصة؟

أعتقد أن عناصر الإبداع عليها أن تلتقي مع بعضها البعض هذا يعطيها غنى، كيف يمكن أن ينهض نص شعري بدون صور، الصور هي التشكيل، هي اللوحة في المخيال قبل أن تكون حقل تجريب الفرشاة، و قصة لا تحملها لغة غنية لا يمكن أن تعيش طويلا، وكيف تزهر لوحة في غياب ثقافة شمولية وليس مجرد صباغة فقط ، لقد يجمع الفلم السينمائي و العمل المسرحي جوانب متعددة من الإبداع ،بالمناسبة أتذكر هنا كلا من جماعتي الدادائية و السوريالية، لم تقف أي من الجماعتين عند صنف واحد ومعين من التجارب الإبداعية، نتذكر أسماء لها قوتها في صنف من صنوف الإبداع انضوت في جماعة السوريالية : ميرو، السلفادور دالي، لوركا، أراغون...
يشير الكاتب سمير غريب في كتابه : "راية الخيال" أنه في بداية 1929 كتب بريتون خطابا للسورياليين طالبهم فيه بالتفكير في أعمال مشتركة و الحرص على وحدتهم. طبعا هذا الخطاب هو عبارة عن تفكير في مد الجسور بين صنوف الإبداع هذه الرياح هي ما عكسته مجلتهم "لا ريفولسيون سيرياليست" حيث ضم هذا العدد تفسير أحلام ونصوص تلقائية "أوتوماتيكية" وبعض القصائد والمقالات. مع رسوم وبعض الصور لمان راي، جاء في العدد أيضا تحقيق عن الانتحار، يدور حول إجابات عدد من محرريها على سؤال: "هل الانتحار حل؟"..
لهذا التحقيق دلالته، هو مشاركة السورياليين في موضوع عام كان ظاهرة تزداد انتشارا في تلك الفترة بفرنسا والذي أكد عليه عالم الاجتماع إميل دوركهايم في نهاية القرن ال 19 ازدياد معدل الانتحار، حيث تناول موضوع أن الإنسان الحديث ضحية طموحاته التي لم يستطع تحقيقها . كما أنه ضحية للفوضى الاجتماعية.
نلاحظ أن السورياليين أدركوا أن آحاد المعرفة الإنسانية عليها أن تتلاقح فيما بينها : الشعر الموسيقى التشكيل علم الاجتماع .....
الآن وبعد مرور ثمانين عاما على ما دعت إليه جماعة السوريالية من توحيد المعارف و تلاقحها أو على الأقل اقترابها من بعضها البعض في تلك الفترة، هل نجد مسوغات للجدرنة بين صنوف الإبداع؟...
عندما أقرأ لعمالقة الأدب الغربي الآن أجد أن أعمالهم هذا ما تفيض به و ما تدعو إليه أذكر هنا رواية " العطر" أو قصة قاتل ل "زوسكايند" ها نحن رفقة البطل غرونوي الذي يعاني مرضا نفسيا نتيجة تعاسة الإنسان المعاصر، تقرأ الرواية و كأنك تقرأ تقريرا طبيا لخبير في الأمراض النفسية.
أما عندما تقرأ رواية "الفردوس على الناصية الأخرى" لماريو بارغاس يوسا هذا الأديب الأسلوبي على طريقة فلوبير الذي تمكن من تجديد الرواية الواقعية و الذي كتب في الحقول التالية: القصة القصيرة، الرواية، الدراسات ، المسرح ، فإنك تقف مندهشا أمام عمل روائي ضخم "462" صفحة . تتوزع حقولها ما بين بطل فنان تشكيلي عالم بفن الصباغة، بقضايا الفن، إنه غوغان لنتابعه عبر الصفحة 417:
"رسمك لم يكن رسم أوربي حديث و متحضر. ولا يمكن لأحد أن يخدع نفسه في هذا الشأن. ومع أنك كنت تحدس ذلك بطريقة مؤكدة، من قبل، إلا أنك لم تفهمه بصورة يقينية، مطلقة، إلا في بريتاني، في بون آفين، على الفن أن يكسر هذا القالب الضيق، هذا الأفق الصغير الذي حبسه فيه الفنانون و النقاد الأكاديميون، و المقتنون في باريس: يجب الانفتاح على العالم، الاختلاط بالثقافات الأخرى، التهوية برياح أخرى، بمناظر أخرى، بقيم أخرى، بأجناس أخرى، بمعتقدات أخرى، بأشكال حيوات و أخلاق أخرى، بهذه الطريقة فقط يستعيد الفن اندفاعه الذي سلبته إياه حياة الباريسيين اللينة، السهلة، المبتذلة، التجارية. أنت فعلت ذلك بخروجك للقاء العالم بذهابك للبحث، للتعلم، للتضمخ بذلك الذي تجهله أوربا أو تنكره ، لقد كلفك ذلك غاليا"
ولنفهم مشارب ماريو بارغاس الغنية ننتقل إلى البطلة فلورا ، المناضلة التي تسعى لتأسيس نقابة للدفاع عن حقوق المياومين المستضعفين ، عام 1844، نصغي إليها وهي تتحدث للعمال :
"مازال أتباعهم العميان والصم ، يثقون بالبورجوازيين الذين يرتابون بالعمال ، إن رب العمل يفتقر عموما إلى السماحة، و أنه ضيق الروح، خسيس، رعديد، عديم المصداقية ، خبيث و..."
الروائي ماريو بارغاس هنا يكشف عن تعدد حمولته الثقافة ، فهو فنان عالم بقضايا الفن، وحقوقي متمرس بحقوق العمال في هذه الحقول ذات المنابع المعرفية أيضا يحضرني اسم أديب كبير معاصر هو " أنطونيو غالا " صاحب رواية :
"المخطوط القرمزي" أو يوميات أبي عبد الله آخر ملوك الأندلس ، هذا العمل الباذخ الذي يحفل بتاريخ المورسكيين و ما تعرضوا له من مذابح في شهر رمضان المعظم ، نتابع عبر الصفحة 298 :
" مات في مالقة عشرون ألف أندلسي ، أما الخمسة عشر ألف المتبقون فقد باعهم الملكان النصرانيان بستة وخمسين ألف ألف مرابط ، و بقيت المدينة مثالا في التنكيل لما تبقى من مدن لم تسقط"
كما يعرض لحياة ملوك الطوائف، هؤلاء الذين من المفروض أنهم يجمعهم دين واحد ولغة واحدة، في الصفحة431 يطالعنا هذا التساؤل :
" ألم يكن ابن عربي من قال :
لقد صار قلبي قابلا كل صورة فمرعى لغزلان ودير لراهب
وبيت لأوثان وكعبة طائف وألواح توراة و مصحف قرآن
أم أن من يفهم التعاليم هم وحدهم من يسمون و يتقدمون؟
ألا نرى أن الناس العامة والدهمائيين و الملوك الدهمائيين لا يحكمون أو يسودون أو يعملون ، في الحقيقة ، حسب التعاليم الدينية؟"
وعن الليالي الشعرية يسوق لنا أنطونيو ليالي غرناطة المضمخة بالشعر :
وددت بأن القلب شق بمدية وأدخلت فيه ثم أطبق في صدري
فأصبحت فيه لا تحلين غيره إلى مقتضى يوم القيامة و الحشر
تعيشين فيه ما حييت فإن أمت سكنت شغاف القلب في ظلم القبر "
لا ينسى أنطونيو غالا أن يأخذنا إلى الغلمان ، إلى ليال المجون السافر الذي عرفته المرحلة والذي أدى إلى الانهيار :
" كان الغلام يتعرى بطبيعته ويتابع الغناء :
خرمت عيناك قلبي
حتى صار مثل كشتبان
ألمي جنان
أنت فيه تمرح
عيناك بركتان ووجهي الجدول
لك المهرجان و قلبي يتمزق
كنت أحبه و أكرهه بالقوة نفسها"
ينتقل بنا "أنطونيو غالا" في الأخير إلى ما أدت إليه هاته الطائفية و الدهمائية ، فنقف وجها لوجه أمام " أبو عبد الله الصغير"، آخر سلاطين الأندلس، خائنا أضاع الأندلس كما يروي لنا التاريخ، نسمع أمه تقول له حين التفت إلى غرناطة باكيا، تقول له : " ابك كالنساء مُلكا لم تصنه كالرجال".
في رواية " المخطوط القرمزي" وعلى امتداد الصفحات 509 يطلع القارئ على هاته المتعة التي تستند إلى قراءة تاريخ المرحلة، إلى خرائط المواقع و الحروب و الانكسارات ، هذا يأتي مضمخا بالشعر، أيضا هذا يجعلنا نقوم بنزهة في حدائق غرناطة، ندخل القصور والأسواق ونجلس على ضفة النهر الكبير.
إن مثل هاته الأنهار الكبرى تجعلني أنا شخصيا أقف متأملة و متريثة هذا النوع من الإبداع الذي يهدم الجدران، ليوسع حدائقه، إذ يجعلها تنهل من الشعر والتشكيل ومن سلطة اللغة، ليس لمجرد أنها لغة، بل لأنها حمالة فكر...

ما بين الفنانة التشكيلية وكاتبة القصة القصيرة، أين تجد زهرة زيراوي ذاتها أفضل؟

أراوح بين ما ذكرتم وبين الشعر أيضا. فلقد قامت دار مريت بطبع ونشر ديوان شعري لي هو"ليس إلا...." الدي صدر بتقديم للشاعر الكبير محمد عفيفي مطر وقريبا أدفع بديواني الثاني "ولأنني" للطبع و النشر إن شاء الله.
أعود لسؤالك، أنا رهن نداء أي منها، قد أهيئ الأعمال الست التي تكاد الآن تكتمل و أظل أركض فيما بينها جميعها غالبا.
ذات مرة قرأت عن فنان تشكيلي عله مونش لا أذكر جيدا، أنه كان يحضر عشرة حوامل للصباغة في منطقة غابوية، ويظل يركض بينها جميعها، وكلما جاء ليشتغل على واحدة منها فزع و انصرف عنها لغيرها، هكذا يظل هاربا و مقتربا ثم مقتحما عوالمه في الأخير.
هذا ما يحدث معي الفوضى هي النظام الذي أعيش عليه، لا أستطيع أن أبرمج يومي للكتابة أو للصباغة بل غالبا ما تتداخل هذه الأعمال مع بعضها البعض ذكرني سؤالك بما قاله الفنان القاسمي رحمه الله: "عندما أرسم فإنني أكتب، وعندما أكتب فإنني في حال صباغة، هما الاثنان يتوزعانني وعلي أن أمتثل".

أصدرت زهرة زيراوي مجموعتها القصصية الاولى "الذي كان" سنة 1994، اتبعتها بمجموعتها القصصية الثانية " نصف يوم يكفي" سنة 1996، وصولا إلى مجموعتها القصصية التي تحمل عنوان "حنين" الصادرة سنة 2007. هل يمكن تصنيف زهرة زيراوي ك"كاتبة مُقلّة"؟

وما بين "نصف يوم يكفي" و "حنين"، "مجرد حكاية" عام 2002 وديوان شعر "ليس إلا ... " صدر عن دار مريت تقديم الشاعر الكبير محمد عفيفي مطر عام 2003 ، وما بعد حنين الفن التشكيلي في الوطن العربي / مقامات أولى، وهو كتاب من 500 صفحة الجزء الأول صدر نهاية 2007 وفي حجمه الجزء الثاني أتمنى أن تمتد له يد ناشر قد أنهيت عمله، والعملان هما معا رحلة لمتابعة اللوحة في العالم العربي استمرت اثني عشر عاما لدي الآن ديوان شعر "ولأنني" أيضا مراسلات جمعتها هي ما بيني و بين أدباء عرب ، خاصة الشاعر عبد المنعم رمضان، حول موضوع : "معنى الكتابة" ومخطوط مراسلات مع أيضا مجموعة من الأدباء ، جعلت له عنوانا مبدئيا "تميمة ضد الحزن".
وإذا تصفحتم مجلة "المدى" عدد 23 يناير 1999، بالمناسبة كنت قد التقيت بالشاعر سعدي يوسف وطلب مني تهييئ ملف "أوراق مغربية" ستجدون ضمن العدد فصلا من رواية "الفردوس البعيد"، ستسألني عن سبب هذا التأخير في النشر؟ أقول لك الحقيقة، أريد أن أقدم عملا لا يقل عن الرواية الغربية أستحضر "شارلوت برونتي" ورائعتها "ادجين إير" أستحضر "الجزيرة تحت البحر" لإيزابيل اللندي ، "إحدى عشرة دقيقة" لباولو كويلو "المقامر" لدوستويفسكي، "بحثا عن الزمن المفقود" لبروست ،"تقرير إلى غريكو" ل نيكوس كزانتزاكي...
أخيرا قرأت "الرقة التي تغتال" لفرانسواز دورنيه الصادرة عام 2004 الحائزة على جائزة أفضل رواية فرنسية، وأنت تقرأها تجد أن البطلين ليسا عاشقين بل مدفوعين بيد العصر الذي استوحش، كل منهما يبحث عن ملاذ يلوذ إليه عواطف متنوعة متجلية في البعد الإنساني، تلتقي البائعة الشابة "باولين كارموند" بأستاذ الفلسفة المتقاعد الأرمل، تفصل بينهما خمسون سنة، لكن الإحساس العميق بالوحدة يكويهما معا ، و ستقوم بينهما علاقة غريبة ليس فيها لا الحب ولا الجنس ولا حتى علاقة الأستاذ بتلميذة متعطشة للفلسفة، مع كل هذه الفوارق العمرية و الفكرية سيقلب كل منهما حياة الآخر بالرقة التي تغتال.
وسيمنح كل منهما الآخر لذة العيش من جديد و سيدفع كل منهما الآخر إلى التمرد الفاتن ضد المعايير السائدة و الآحكام المسبقة لمجتمع لم يعد فيه للفرد الحق بأن يكون عجوزا ولا الإمكانيات لأن يكون شابا لكن ما هو الثمن الذي على كل من باولين و آرماند لكلير أن يدفعاه مقابل هذه العلاقة؟
قال عنها مارتن لوثر:
"من وجهة نظري أعتبرها من أجود الأعمال الروائية الجديدة التي تقرأها إنها من النماذج القليلة التي تمسك بها فتأبى يدك أن تفلتها إلا و قد أنهيت قراءتها، تقرأها و أنت غارق في السرد الأخاذ تكتشف حزينا أنك في الصفحة الأخيرة، و أنت لم تشعر بطي الصفحات التي تتمنى أن تتوالد صفحاتها لتطول أكثر فأكثر .
إنه عمل ساحر، و مضحك، و مبك، و معلم، و محلل، و راصد في اللحظة ذاتها ... عمل ممتع "صحيح ما قيل عنه أنه دمج خلاب للفلسفة الجافة في شريان الحياة اليومية بجمالياتها و علاقاتها وشقائها و تعقيداتها ..إنها عواطف متنوعة متجلية ..... تجربة طاغية الحضور ، وصراع مع الزمن ...
ثلاثة أجيال في لحظة اتحاد زمني."
هؤلاء المعلمون الكبار أقف بأبوابهم كما وقف أبو نواس أمام شيخه يستأذنه في أن يقول الشعر، فاشترط عليه ما اشترط.
أتذكر ونحن يومها طلبة عند الدكتور عابد الجابري طرح عليه طالب معنا موضوع الكتابة، ابتسم عابد الجابري وقال : "حمولة نعم baqajeأولا ينبغي أن يكون عندك الرواية الآن هي جاهزة وتخضع كل مرة للقراءة هل تثبت أم؟.. المهم يمكنك أن تقرأ بعضا منها في مجلة وزارة الثقافة الإلكترونية، عل المشايخة يأذنون لي هذا العام، المهم بدأت هذا الشهر بعد أن تم اختراق بريدي الإلكتروني من طرف مجهولين بالنشر لفصول منها في مواقع شتى، و سأحول فصولا منها على بعض المنابر ذات النشر الورقي

الانتصار للكرامة الإنسانية قيمة ثابتة في كتاباتك وفي مواقفك. هل تعتقدين باننا لا زلنا في حاجة إلى الكرامة في زمن النفعية وتبرير الوسائل بالغايات؟

هذان الحدان يمثلهما كل من قابيل وهابيل ومنذ الأزل البعيد إلى اليوم، الصراع بين الخير و الشر، وقد اخترنا أنا وأنت طبعا أن نكون هابيل ، الزمن يلعب دوره، ما نراه اليوم ليس هو ما يكون غدا.

كيف ترى زهرة زيراوي واقع القصة القصيرة في المغرب وفي العالم العربي وكيف تتصور مستقبلها؟

الحمد لله بخير وطبعا جاء جهدك وجهد الإخوة جحفة والجباري دعما للقصة فعرفت نهضة الآن و لا شك أن هذا المسار ستينع حقوله مستقبلا، أما عن القصة بالعالم العربي فحسب ما أطلع عليه في كل من دور النشر: دال، الحوار، ورد، الحصاد، بسوريا وغير ذلك من دور النشر العربية وأيضا ببعض المواقع الإلكترونية أن هذا الجنس يتطور.
فمنذ عشر سنوات دعتنا السفارة الأمريكية لنلتقي بأستاذ زائر هو الدكتور روجي آلان ، قال: "إن المستقبل االقادم سينتصر للقصة القصيرة نظرا للعالم السريع الذي هو اليوم".

إدا طلب منك "موقعة" كتاباتك السردية وإنجازاتك الفنية داخل السياق القصصي والتشكيلي المغربي الحديث، إلى اي مدرسة تنتمي زهرة زيراوي؟

دعني و إن أطلت أجاهرك لأنك وضعت السبابة على جرح هو : كيف يفهمون اليوم التجريب هل هو مجرد "تقليعة " موجة تغري بركوبها ، أم هو شوق لارتياد عوالم التجديد؟
ما ينبغي الإشارة إليه هو أن التجريب ليس سائبا ، و أن حبله ليس على الغارب
أنت تجرب عندما تمتلك خزانا معرفيا تدخل به عالم التجريب
إذن كيف تجاسر بيكاسو على القول : "أنا لا أبحث، أنا أجد".
هل هو دور الصدفة؟
نعم ، لكنها الصدفة القادمة من حمولة الشاعر "أبي نواس" عندما ثار على المقدمة الطللية:
عاج الشقي على رسم يسائله وعجت أسأل عن خمارة البلد
أليست القصيدة هنا تعي شرطها و ظرفها التاريخي العباسي.
هذه الثورة جاءت بعد أن ألزمه شيخه بحفظ مئات الأبيات من شعر البدو، "تبدو احفظ كذا ثم قل الشعر" وحتى لا يكون مكرورا معادا قال له شيخه : "انسها ثم قل الشعر"...
فالتجريب ليس جزافا ، بل عليك أن تتعلم السباحة في الأثر ، ثم اسبح حرا ثم جدف مجربا و هذا ما يمكن استنتاجه من بيكاسو بحار الغرنيكا ، اللوحة التي جاءت ردا على الحروب و دخلت بذلك إلى رحاب الأمم المتحدة.
قال أحد النقاد يوما: "إن التجريب مغامرة غير مأمونة العواقب، يقوم بها المبدع من أجل إحداث ما يشبه الطفرة الچينية في النوع الذي يتصدي له. وهو الأمر الذي ينتج عن إحساس ما لدى المبدع بعقم الأشكال السائدة".
وهي السمة التي تتوفر للمبدع الحقيقي عموماً، إذا أخذنا في الاعتبار أن أحد معاني الإبداع هو الإنشاء علي غير مثال.
أما عن الوعي والممارسة ، لا يمكن نعت المبدع بأنه تجريبي بناءً علي تجربة واحدة أتت له في صورة النزوة، فالتجريب يعتمد علي وعي المبدع بكونه تجريبياً، كما يعتمد علي محاولاته الدءوبة لاستحداث تجربة جديدة، وهو الأمر الذي يجعل البعض يعرف التجريب بأنه "البحث عن الأدوات والآليات لإحداث التغيير المطلوب"...
هذا الوعي الحمولي يبدأ مجربا و ينتهي إلى قاعدة...
إن مكسيم جوركي صاحب العمل الكبير الذي تتلمذنا عليه "الأم" صاحب الواقعية الاشتراكية التي لم تأت صدفة بل الحمولة الواعية هي التي أعطت ما يسمى ب "الواقعية الاشتراكية" :
وهي ما جعلت بيكاسو وهو في الثمانين يقول : "أنا لا أبحث، أنا أجد" . فالحمولة أو الامتلاء سلاحك لارتياد مجاهل الصعب و التجريب فيه أو عليه . بالنسبة لي طرقت أبواب التجريب بوعي منذ "نصف يوم يكفي" ، أما سعيي الآن فهو ارتياد عوالم الواقعية الجديدة.
================
أجرى الحوار محمد سعيد الريحاني


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.