ثلاث قتلى في حادث مأساوي بضواحي دمنات وإصابة عدد من الركاب    مستجدات الجمع العام للجمعية المغربية لمفتشي الشغل ورسالة اللجنة التحضيرية إلى وزير الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات حول وضعيةالجمعيةالغير القانونية        ترامب: نتواصل مع زعيم إيراني رفيع    ماذا حدث داخل مطار لاغوارديا؟ .. تفاصيل الحادث المأساوي الذي أربك الرحلات    الصين.. تسقيف الزيادة في أسعار الوقود للتخفيف من تداعيات ارتفاع أسعار النفط عالميا    غيابات الحراس تربك حسابات الوداد    مقعد مغربي مؤكد في نهائي دوري أبطال إفريقيا.. الجيش الملكي ونهضة بركان في نصف النهائي    التامني: "الساعة الإضافية قرار فوقي يكشف غياب الإنصات الحكومي"    حيّ بن يقضان    أكاديمية المملكة تقارب تحولات التعليم    تصنيف عالمي يضع المغرب ضمن الدول الأكثر مناعة ضد الإرهاب    التامني: دعم النقل تحول لحلقة مفرغة تغذي الريع والبديل إحياء "سامير" ومراجعة تحرير المحروقات    نشرة إنذارية.. زخات رعدية قوية بعدد من مناطق المملكة            "على باب السيما"..    مواقف يتامى إيران في المغرب تثير أكثر من تساؤل    بعد الإقصاء من كأس الكونفيدرالية.. منخرطو الوداد يدقون ناقوس الخطر في وجه أيت منا ويحملونه مسؤولية الإخفاق    اليسار يحتفظ بكبرى مدن فرنسا واليمين المتطرف يعزز حضوره محليا    البوحسيني: "الوطنية" هي الوقوف سدا منيعا ضد مشروع إسرائيل الكبرى ورغبتها في إخضاع المغرب واستغلاله    مقاييس الأمطار المسجلة بالمملكة خلال ال24 ساعة الماضية    انتقادات برلمانية لتجميد المجلس الأعلى للماء والمناخ والتخبط في تدبير المياه بين ثلاث وزارات        حموني يطالب بالتحقيق في تلاعب شركات المحروقات بالمخزون الاحتياطي واستغلاله في رفع الأسعار وزيادة الأرباح    رسائل تتجاوز البروتوكول .. موريتانيا تستبعد البوليساريو من "تهاني العيد"    الملك يبارك العيد الوطني الباكستاني    الوطنيّون الجدد    "ميتا" تطلق برنامجا عبر "فيسبوك" لاستقطاب صناع المحتوى    إيران تطلق تهديدات ب"تلغيم الخليج"    بيدري يعترف بمعاناة برشلونة بعد تخطي عقبة رايو فاييكانو في "الليغا"    بيراميدز يشتكي "تأهل الجيش الملكي"    إعادة انتخاب كيم جونغ أون رئيسا لشؤون الدولة في كوريا الشمالية    انخفاض أسعار الذهب بأكثر من 3 في المئة    العملة الكورية تصل إلى أدنى مستوى منذ 17 سنة            الصين تحذر من خطر خروج الوضع عن السيطرة في الشرق الأوسط بعد تهديدات ترامب    أجواء باردة وممطرة في توقعات اليوم الإثنين بالمغرب    المغاربة في المرتبة 112 عالمياً في مؤشر السعادة        نشاط تربوي وترفيهي مميز لفائدة أطفال دوار الرضا بإقليم تارودانت    المغرب يحل في المرتبة 107 عالميا في مؤشر الديمقراطية الليبرالية    وزارة الأوقاف تكشف عن مضمون خطبة العيد الرسمية        سيدي قاسم تحتفي بالمرأة عبر الثقافة والسينما بدار الطالبة صحراوة    العودة للساعة الإضافية.. تواصل الخطوات الترافعية لإلغائها وعريضة الرفض تتجاوز 137 ألف توقيع    البحث عن الحب في المغرب    حين يغيب الموقف الواحد في زمن الانفعالات    فتح باب الترشيح للاستفادة من دعم المشاريع الثقافية والفنية في مجال المسرح برسم الدورة الأولى لسنة 2026    خبراء يحذرون من "صدمة الجسم" ويدعون لانتقال غذائي تدريجي بعد رمضان    السُّكَّرِيّ: العِبْءُ النَّفْسِيُّ لِمَرَضٍ لا يَمْنَحُ مَرِيضَهُ أَيَّ اسْتِرَاحَةٍ    كيف تتغير مستويات الكوليسترول في جسمك خلال الصيام؟    دراسة: الإفراط في الأطعمة فائقة المعالجة يهدد صحة العظام    إحياء ‬قيم ‬السيرة ‬النبوية ‬بروح ‬معاصرة ‬    خمس عادات تساعدك على نوم صحي ومريح    لا صيام بلا مقاصد    الريسوني يحذر من تصاعد خطاب التكفير والطائفية بعد العدوان على إيران    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ظاهرة الأغاني الشبابية في القنوات العربية
استوردنا شكل الظاهرة الاستماعية الجماعية دون بواعثها الاجتماعية والفكرية
نشر في العلم يوم 03 - 01 - 2011

صحيح أن وسائل الإعلام والاتصال قد مهّدت الطريق أمام يافعينا فسهّلت لهم رؤية ما يجري في اللحظة نفسها في أوساط يافعي الغرب، إلاّ أن التجربة النفسية الكامنة الدفينة التي أدت إلى الشكل المستورد ليست لدينا ولا تعتلج بها نفوس يافعينا، فما الذي يحصل إذاً؟ وربما يحتاج السؤال إلى سؤال رديف آخر يقول: ما الذي سيحصل إذن؟ إما استقدام عروض كما هي تُشترى وتُرعى وينفق عليها الملايين، زهرة نزرعها بألوانها في أرض غير أرضها وأمام جمهور غير جمهورها، أحبّها التلفزيون فاستجلبها، أو حرص على استجلابها، سمعها الجمهور على أرضه وتمايل معها، كما رأى نظراءه من الغربيين يتمايلون، والدليل للناظر أن الجمهور لدينا يقوم بحركات أثناء هذا النوع من الحفلات «الجماهيرية» الشابة المستوردة ليست مألوفة لدينا ولا معروفة، وإنما مخزّنة بالذاكرة الاتصالية، فتخرج محاكاةً وتقليداً عند سماع اللحن المسموع قبلاً... قلنا إما استقدام عروض تُشترى، أو صنع عروض صناعة محلية تحاكي الأصل شكلاً ويُبتدع له مضموناً «محلياً».
وسائل الإعلام والاتصال مهدت الطريق أمام يافعينا، فسهّلت لهم رؤية ما يجري في اللحظة نفسها في أوساط يافعي الغرب
موسيقى (الراب) تستند إلى مبدإ الموسيقى المتناقلة شفاهياً أو سماعياً،
أن تقول ما تريد بالموسيقى أو بمصاحبة الموسيقى والإيقاع، وأنت تتسلّى وتتفاصح، إذ إن الناحية الكلامية اللسانية الخطابية مهمة جداً في موسيقى (الراب) أو عند مغنّي (الراب)، فعليه أن يتكلم بسرعة لافتة جداً عن موضوع فريد طريف مثير بعبارات وكلمات حاذقة دقيقة مثيرة ملهمة محرّضة قاسية أحياناً، وفكاهية ساخرة أحياناً أخرى. يقصد مغنّي (الراب) من خلال هذا كله أن يُحدث أثراً عند المتلقّي بمضمون وشكل ما يؤدى أمامه. هذا يعني أن يمتلك مغنّي (الراب) إمكانات متميّزة لسانية ودلالية فضلاً عن مواهبه الموسيقية: فعليه إذن أن يبتدع الفكرة ويعطي الانطباع أمام جمهوره بأنه يرتجل مضمونها ارتجالا فاتنا مدهشا لسامعيه. مقدرة كلامية هائلة، مجموعة من الكلمات تحكي قصة أو حكاية، حكواتي القرن الحادي والعشرين.
أما موسيقى (التكنو)، فيلعب صانعها بالأصوات ليستخرج منها مزيجاً وانطباعا تجريبياً في كل مرة يمارس فعل الموسيقى فيها. شبّهنا (الراب) بالحكواتي ولا نغالي، وليس في تشبيهنا شطط فالأمر مضمونه هو كذلك، أما الشكل فمختلف. ويمكن مقارنة موسيقى (التكنو) بالمحاولات التي كان يجريها المؤلّف الموسيقي الفرنسي هكتور بيرليوز (1869-1803) على استخراج الأصوات من أوركستراه. والمقارنتان اللتان عقدناهما عمداً، إنما تختلفان فيما بينهما بالشكل والموضوعات.
موسيقى التكنو يلعب صانعها بالأصوات ليستخرج منها مزيجا وانطباعا تجريبيا في كل مرة يمارس فعل الموسيقى فيها
لاشك أن البعض سيجد في عقد المقارنتين استفزازاً موسيقياً، بل وفكرياً، لكننا مرة أخرى لم نقصد ذلك، فلسنا من هواة (الراب) ولا (التكنو) لكننا نصف نوعين من الموسيقى استقطبا حولهما كثيراً من الشباب العرب، وأصبح لهما مريدون في العالم العربي كله، حتى أن هناك محاولات عربية تعريبية (للراب)، ومحاولات تقليد (للتكنو) في بلادنا.
الراب حكواتي القرن 21 والتكنو: نوعان من الموسيقى الجديدة يستهويان اليوم الشباب العربي
ونحن بالمقارنتين اللتين عقدناهما أرجعنا الظاهرتين الجديدتين (الراب) و (التكنو) في عالمنا العربي إلى أصول تشبهها في تاريخ الموسيقى. وهذا يعني أن الجديد المُغرق في حداثته لا ينبع من فراغ، وأن صلته مع ماضٍ قريب أو بعيد حتمية بفعل استمرارية التجربة الثقافية. وأن العجمة الظاهرة مردّها ربما إلى أن الصلة مع فن من فنون الماضي قد تبدو واهية أو بعيدة لا يجرؤ الناظر إليها أو الدارس لها أن يوجّهها الوجهة التاريخية خطفاً خلفاً خوفاً من أن يُتهم بشطط استنباطه وتحليله، ناهيك عن أن أصحاب التجربة أنفسهم قد يعمدون إلى طمس أي صلة لنهجهم بالماضي سعياً الى التفرّد والاستحداث، أو ببساطة لجهلهم بالربط أصلا. ونحن لا نرمي من سوق وجهة نظرنا إقناع الآخرين بصوابيتها، وإنما نسوقها فرضية تحليل نقصد منها أن الذاكرة الجمعية المتراكمة تاريخياً لا تموت وتختفي بالتقادم.
بعد الشرح الذي قدّمناه لنوعين من الموسيقى الجديدة يستهويان شبيبة العالم العربي اليوم، لعلّ سؤالاً يُغري بطرحه: لماذا وصلنا إلى هنا: ونحن لن نفعل هذا لنقول لشبيبتنا العربية إن موسيقاكم التي تصنعون وتستهوون «لا قيمةلها ولا معنى»، لأننا لو فعلنا بمثل هذه الفظاظة حثا لهم على تغيير أذواقهم لما فعلوا، بل على العكس لكابروا وعاندوا وتشبثوا وجعلوا من الأمر قضية. فيمكن أن نقول لهم إن هذين النمطين الجديدين في الموسيقى،ونعنى في هذا السياق مثاليْ (الراب) و (التكنو)، لهما جذور وأصول ولم يأتيا من فراغ، وأن الأمر لا يعدو سوى تغيير في الشكل وليس في المضمون، وأن الوسائل هي التي تغيّرت وليس بالضرورة الفكرة. طبعاً هذا رأي تبسيطي جداً لكنه حقيقي ومقبول ولا يثير حفيظة الشباب ولا ردّات فعلهم الرافضة. والرأي هذا مفيد في طرفيه: يجعل رفضنا ونفورنا أو عدم قبولنا لمثل هذه الظواهر مخفّفا لأنها جاءت من منابت لها علاقة بثقافة شعب. هذا عن الغرب، أمّا عنّا نحن فيمكن بعسر أن نجد رابطاً بين (الراب) والحكواتي!! ومن العسير جداً، بل من المستحيل أن نجد (للتكنو) أصولاً عندنا وجذور. الأمر الذي يجعل من الظاهرتين عموما، ظاهرتين مجلوبتين بشكلهما ومضمونهما ويحتاجان الى تعريف لتسهيل دخولهما حياتنا الموسيقية، ولو أن الأمر لا يقتصر برأينا على جعل ممارس الفعل ينطق بالعربية، إذ إن موسيقى كهذه بطقوسها كافة تلجأ عامة الى اللغة الدارجة المحكيّة المغرقة في عامّيتها، وهذا يعني أنه سيكون لدينا 22 (راب)، في 22 دولة عربية وسيكون نشرها صعباً، حسب المناطق الجغرافية القريبة أو البعيدة من لهجة من اللهجات (خليجية، شرق أوسطية، أو مغاربية،...).


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.