جنوب لبنان ومعضلة إسرائيل في حرب لم تحسم... كيف تحول هزيمة ملموسة إلى نصر وهمي، هذا ما تحاول تل أبيب وبعض حلفائها فعله هذه الأيام الأخيرة من شهر يناير 2025 سواء في ساحة قطاع غزة أو جنوبلبنان، هذه المحاولات تملك تشابها كبيرا مع أحداث ومفاوضات حرب الفيتنام في باريس في العقد السابع من القرن الماضي ومفاوضات الدوحة حول أفغانستان سنة 2021. من المهم تثبيت حقيقة تاريخية وهي أن اتفاق وقف إطلاق النار في غزة الذي تم التوصل إليه يوم الأحد 19 يناير 2025 هو بتفاصيله ما تم طرحه في ديسمبر 2023 بعد أسابيع قليلة من عملية طوفان الأقصى في 7 أكتوبر 2023 ورفضته تل أبيب مؤكدة أن قبوله هو اعتراف بإنتصار حماس وهزيمة لمشروعها، لأن المخطط كان القضاء على حركة حماس وبقية فصائل المقاومة وتفريغ القطاع من سكانه 2.4 مليون نسمة وترحيلهم إلى شبه جزيرة سيناء المصرية. صباح يوم الاثنين 27 يناير وبعد مماطلات استمرت حوالي 32 ساعة بدأت عملية عودة النازحين إلى شمال قطاع غزة عقب انسحاب الجيش الإسرائيلي من محور نتساريم، مما يشكل ضربة لمخطط تل أبيب تحويل شمال القطاع إلى موطن لمستوطنات جديدة. مسارات الصراع السياسي والعسكري في غزةولبنان وما جاورهما يجد تشابها مع مسار كفاح شعوب أخرى.
مع أواخر أكتوبر 1972 كانت مفاوضات باريس للسلام بين الفيتناميين والأمريكيين (1968-1973) قد تعثرت مجددا. بدا للدبلوماسي الأمريكي هنري كيسنغر أن مفاوضه الفيتنامي لي دوك ثو صلب أكثر من اللازم. كان كيسنغر يبحث عما يشبه الاستسلام من الفيتناميين، بعد أن كثفت قاذفات "بي 52" قصف فيتنام الشمالية بعنف غير مسبوق، في حين كان ثو يريد سلاما مشرفا يليق بتضحيات الفيتناميين وصمودهم وينتهي بتوحيد فيتنام. صباح يوم 17 ديسمبر 1972 هاتف كيسنغر الرئيس ريتشارد نيكسون بشأن الوضع في فيتنام، فأخبره أن المزيد من قاذفات "بي 52" قد أسقطت مقابل خسائر فيتنامية فادحة لم تلين موقف ثو المستشار الخاص لوفد فيتنام الشمالية للمفاوضات، وفق ما تظهر التسجيلات والوثائق المتعلقة بالعلاقات الخارجية للولايات المتحدة بين أكتوبر 1972 ويناير 1973 بأرشيف وزارة الخارجية. وفق التقديرات الرسمية لخسائر الحرب من الجانب الفيتنامي، فقد قتل نحو مليوني شخص وأصيب 3 ملايين بجروح وإعاقات، وبات 12 مليونا لاجئين، وتم تدمير البنية التحتية والاقتصادية للبلاد بشكل كبير. استخدمت الولاياتالمتحدة أسلحة فتاكة وأخرى محرمة دوليا، ومارست عمليات قصف وحشية وأحرقت قرى وبلدات بأكملها. وتشير مصادر إلى أن الجيش الأمريكي ألقى نحو 352 ألف طن من القنابل والنابالم على فيتنام في الفترة بين عامي 1963 و1973، دون أن يتمكن من هزيمة قوات الفيت كونغ التي كانت تحظى بدعم الاتحاد السوفياتي والصين الشعبية الحليفتين الشيوعيتين. خرجت الولاياتالمتحدة من حرب فيتنام بهزيمة مذلة حيث سقطت سايغون في 30 أبريل 1975 وتبخر مليوني جندي سلحتهم واشنطن، لكن كيسنغر اقتنص جائزة نوبل للسلام - التي رشح لها في أكتوبر 1973- مناصفة مع الدبلوماسي الفيتنامي الشمالي لو دوك ثو لتفاوضهما على اتفاقيات باريس للسلام، وافق كيسنغر، لكن ثو رفضها. بعد 47 عاما من مفاوضات باريس وبعد 20 سنة من الحرب الأمريكية على أفغانستان بدأت المحادثات عمليا بين واشنطن وطالبان عبر ما سمي بالحكومة الأفغانية في الدوحة عاصمة قطر في 12 سبتمبر عام 2020، إذ كان من المقرر إجراء المفاوضات في شهر مارس، ولكنها تأجلت بسبب خلاف بشأن تبادل الأسرى. في 25 يونيو 202 اقترحت قطر رسمياً على الأطراف المتحاربة في أفغانستان الموافقة على وساطة طرف ثالث لدفع مفاوضات السلام المتوقفة إلى الأمام، والتوصل إلى ترتيب لتقاسم السلطة قبل أن تكمل القوات الأجنبية بقيادة الولاياتالمتحدة خروجها من البلاد بحلول الموعد النهائي في 11 سبتمبر 2021. اعتبرت واشنطن أنها حققت أهدافها حتى أن رئيس هيئة الأركان الأمريكية المشتركة، الجنرال مارك ميلي، أكد يوم الأربعاء 23 يونيو 2021، إن معظم مراكز المقاطعات التي تسيطر عليها طالبان قد تم الاستيلاء عليها قبل أن تبدأ القوات الأمريكية في الانسحاب. بعد أقل من شهر ونصف على هذا التصريح سيطرت طالبان على كابل في 15 أغسطس 2021 في ذروة هجوم عسكري بدأ في مايو 2021 وتبخر 360 ألف جندي سلحتهم واشنطن. هناك اختلافات كثيرة بين حربي الفيتناموأفغانستان وما يجري في غزةوجنوبلبنان والساحات المرتبطة بهما سواء حاضرا أو منذ نهاية الحرب العالمية الأولى وتمزيق الشرق الأوسط إلى دويلات، ولكن هناك قاسما مشتركا وهو إرادة شعب في استعادة أرضه وحريته في معركة ليس لفلسطين وحدها بل لكل من ينتمي لها ومنه هذا الجزء في عالم يعيش صراعا ربما يكون الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، صراع حول شكل النظام العالمي الذي سيسود خلال النصف الثاني من العقد الثالث للقرن الحادي والعشرين.