لم تتمكن مارين لوبن زعيمة اليمين المتطرف التي هزمت الاحد امام المؤيد لاوروبا مانويل ماكرون، من الفوز برئاسة فرنسا لكنها نجحت في تكريس حزبها في المشهد السياسي الفرنسي. فبعد 15 عاما من فشل والدها جان ماري لوبن، حصلت مارين (48 عاما) على اقل من 35 بالمئة من الاصوات (مقابل اكثر من 65 بالمئة لماكرون) بحسب التقديرات الاولى، حيث كانت تعول على الافادة من الموجة الشعبوية التي دفعت البريطانيين الى التصويت للخروج من الاتحاد الاوروبي والاميركيين الى انتخاب دونالد ترامب. لكن نسبة الاصوات التي نالتها تترجم صعود الفكرة القومية في اوروبا وتظهر نجاحها في ان تجعل من الجبهة الوطنية المناهضة للاتحاد الاوروبي والمهاجرين حزبا "مثل باقي الاحزاب"، حيث تتبع لوبن الشقراء ذات الصوت الجهوري والمحامية، منذ سنوات استراتيجية تحسين صورة حزب الجبهة الوطنية الذي تاسس في 1972، لازالة سمعة سيئة رافقت الحزب طويلا خصوصا بسبب مواقف والدها المعادية للسامية وللاجانب. عمدت منذ توليها رئاسة الجبهة الوطنية في 2011 خلفا لوالدها الذي قطعت علاقاتها معه رسميا، إلى استبعاد المسؤولين الأكثر تطرفا والناشطين المعادين للسامية الذين يحنون الى "الجزائر الفرنسية"، وربما بالنسبة للبعض الى نظام فيشي المتعاون مع المانيا النازية، والكاثوليك المتطرفين، وكانت استراتيجية إعادة ترتيب الحزب هذه مجدية إذ بات يحقق تقدما متواصلا في كل انتخابات. وفي مسعاها للوصول الى الاليزيه جهدت لوبن التي وصفت نفسها بانها "امرأة ذات طبع جاف احيانا"، لتليين صورتها من خلال الطرائف الشخصية وملصقات حول "فرنسا هادئة" او صور مع قططها، حيث أقامت حملتها على مناهضة "العولمة الجهادية والعولمة الاقتصادية" مقدمة نفسها باعتبارها "مرشحة الشعب" و"الوطنيين" في مواجهة "مرشح اوساط المال"، وبرنامجها هو القطع مع اليورو وفرض رسوم على المنتجات المستوردة. ولكن ايضا خروج فرنسا من اتفاقيات حرية التنقل (شنغن) وطرد الاجانب المتطرفين. ووجدت هذه القضايا صدى لدى العديد من الفرنسيين الذين يعانون البطالة والخوف من تراجع اوضاعهم الاجتماعية خصوصا في المناطق الريفية ومحيط المدن، بيد انها بقيت غامضة في نهاية الحملة بشأن الخروج النهائي من منطقة اليورو داعية الى العودة الى عملة وطنية في التعامل اليومي للفرنسيين مع بقاء سريان اليورو في المبادلات الدولية. وعلى امل اقناع الكثير من المترددين شددت خطابها بشأن الهجرة عشية الجولة الاولى وكثفت هجماتها على منافسها، حيث جسدت المناظرة التلفزيونية بينها وبين ماكرون بين الجولتين، قمة هجماتها وتبع ذلك تراجعها في استطلاعات الراي. وتخللت اجتماعاتها العامة وتصريحاتها التي تلقفها انصار من كل الاعمار والاوساط الاجتماعية، شعارات تردد بصخب "نحن في ديارنا" ما يمثل بحسب معارضيها "صرخة كراهية للاجانب" في حين تعتبرها هي "صرخة حب" لفرنسا. ورفضت لوبن اثر الاشتباه باستفادتها من وظائف وهمية، الاستجابة لدعوة من القضاء منددة ب "عصابة سياسية". وطلب القضاء الفرنسي من البرلمان الاوروبي رفع حصانتها. وفي سعيها لنيل مصداقية دولية، قامت برحلات عدة إلى الخارج سمحت لها بتسجيل نقاط. غير أن لوبن أثارت صدمة شديدة حين نفت مؤخرا مسؤولية فرنسا في حملة توقيفات شملت أكثر من 13 ألف يهودي في باريس إبان الاحتلال النازي للعاصمة الفرنسية، رغم اعتراف باريس رسميا بذلك منذ 1995، وواجهت على الإثر غضب خصومها وجمعيات يهودية وإسرائيل. لم يكن من المفترض اساسا بمارين لوبن، الاصغر بين بنات جان ماري لوبن الثلاث والمطلقة مرتين والام لثلاثة اولاد والتي تعيش حاليا مع احد مسؤولي الحزب لوي آليو، خوض المعترك السياسي. بل كان من المقرر بدل ذلك ان تخلف ماري كارولين شقيقتها والدهما الذي هيمن على الحزب لحوالى اربعين عاما. لكن الحياة السياسية الصاخبة للجبهة الوطنية والخصومات الاسرية فتحت لها ابواب زعامة الحزب اليميني المتطرف.