تقرير المجلس الوطني لحقوق الإنسان حول الصحة العقلية،أخذ من الوقائع، والمعطيات أمامه، جانبها السهل، والواضح الرؤية، فنحن، وبدون هذا التقرير، كنا نعرف أن مراكز الاستشفاء العقلية في حالة مزرية، لأننا، وببساطة شديدة، نعرف حالة المستشفيات عموما، ونعرف الإهمال الذي يصيب مفاصلها، ونفهم أن العلاج، لكي يكون ناجعا، عليه أن يتم في المستشفيات الخاصة . فائدة التقرير الخاص بالصحة العقلية، ليست فيما قدمه من توصيف للحالة العقلية بالبلد، بل فائدته تتجلى في كونه سيفتح نقاشا حول حقوق فئة قائمة، فئة لا تسترعي انتباه أحد في الغالب، نقاش سينضاف إلى فكرة الحق المعطوبة منذ البدء، وهذا هو الجانب المضيء من التقرير؛ فالحقوق عامة لا تقبل التجزيء أو التصنيف. إننا مرضى عقليون، سواء عرفنا كيف لا نتخطى حدود العلاقات الاجتماعية، أو لم نعرف ذلك … فملاحظات بسيطة للشارع العام تؤشر على مدى تأثرنا بضغوط الحياة، وتؤشر على مدى ضعفنا على القيام بالموازنة بين وضعنا -الاجتماعي، الاقتصادي، والأسري … – وبين قدرتنا على تحقيق الدعة النفسية. الفئة التي طالها التقرير هي نزيلة المستشفيات العامة، فرغم سوء حالهم بها، إلا أنهم محظوظون -نسبيا -، على الأقل هناك جدران كجدران السجن تحميهم، هناك من يحقن نوباتهم الهستيرية، وهناك من يتفقدهم … ماذا عن أولئك الذين، إما غادروا هذه المشافي، أو أنهم لم يدخلوها يوما، والذين ضمهم مستشفى الشارع بقوانينه الخاصة؟ سأعطي صورة دقيقة لهذا السؤال؛ في آسفيالمدينة هناك جيش من الحمقى -وليس المرضى النفسيين فقط-، انفكت آخر أواصلهم بالحياة، وبالواقع الاجتماعي، أصبحوا، بحكم العادة، جزءا من مشهد لا يثير القلق، ولا ينبه القطاع المعني بمسألة العناية بهم، إلا في حالة قيامهم،ونتيجة موجات هستيرية لا إرادية، بأفعال تنافي القانون … فهل يفهمون القانون؟ ومع ذلك فغالبيتهم لا تؤخذ إلى المستشفيات، بل إلى السجون . لنقر أن من عاينهم أعضاء المجلس الوطني لحقوق الإنسان هم أفراد مازالت هناك أسر فقيرة وراءهم، أسر تأمل في علاجهم، أسر لم تفقد أمل عودة أبنائها إلى حضن العقل … وككل مصالح المستشفيات سنجد نفس طريقة التعامل بأجنحة الصحة العقلية، وعلى سبيل المثال، سنجد أن الأسرة سيتم الحصول عليها سلفا، وعبر وساطات جهنمية … فلقد رأيت كيف يتم التعامل مع مرضى الكسور، ومع مرضى آلام المعدة في هذه المسألة … أفلن يتم تأكيد هذا التعامل، وبشكل أكثر حدة، مع أشخاص لا يملكون قدراتهم العقلية؟. التقرير تحدث عن سجنية مستشفيات الصحة العقلية … دعوني أعترف بأن الكثير من المؤسسات الإدارية والخدماتية لها خصائص سجون . لنأخذ هذه الصورة عن خصائص السجن في بعص الإدارات والخدمات؛ في مستشفى عام، طلب طبيب المعدة، من أخي مبلغ ألف درهم، إذا أراد أن يجري عملية، وهذا دون المصاريف القانونية، أخذ الطبيب المبلغ، ولم يقم بالعملية، وحمدنا،نحن عائلته، الله لأنه عوفي دون اللجوء إلى العملية … فأنا أتساءل ؛ طبيب يطلب مبلغا ورشوة كيف سيتعامل مع المريض في غرفة العمليات؟ ألا تظنون أن هذه إحدى خصائص السجن … لا داعي للاستطراد بعد هذه الصورة . أشار التقرير إلى الاستغلال الجنسي لنزيلات مستشفيات الصحة العقلية … هنا على المجلس الوطني لحقوق الإنسان أن يقدم هذه الحالات إلى القضاء، فلا أظن أحدا يمكنه أن يستسيغ فعلا كهذا، إننا نتحدث عن أفراد لا حول لهم ولا قوة، وإن لم يكن القانون هو الكافل لحمايتهم، فمن تراه يحميهم؟. لكن التقرير نفسه، وفي مسألة القانون والعدالة، يصرح بأن وزارة العدل لا تراقب هذه المستشفيات، لذا يكون الحبل على الغارب، ويأمن من يستفرد بمريضة أنه في منأى عن المحاسبة . لا أناقش أسباب وصول مغاربة إلى حافة الجنون، والانفصال التام عن آليات العقل، والتي تصل بعض منها إلى الحكومة، وإلى سياسة تدبير بعض القطاعات ؛ فأنا أعرف معطلين بشهادات عليا أصيبوا، نتيجة فقدهم الأمل، بالجنون التام… وأعرف آخرين، نتيجة حكم قضائي جائر، أو نتيجة مكوتهم في السجن الإحتياطي، قبل أن تثبت براءتهم، أصيبوا بأمراض نفسية تجعلهم أشباح أفراد … قلت لا أناقش الأسباب، لكني أتساءل عما بعد التقرير، وأتمنى أن تتخذ، ونتيجة قراءته القراءة الصحيحة، إجراءات عملية لإنزال فكرة الحقوق لهذه الفئة من المغاربة. أستاذ الفلسفة