الدنيا مليئة بالفِخاخ والمفاجآت والتناقضات، وغالبا ما لا تكون الأمور والحوادث كما تبدو للعيان، وأحيانا، يكون مخبرها على العكس تماما من مظهرها، ولكي تظل نفس المؤمن مستوعبة هذه الحقيقة الخفية، ويظل قلبه متعلقا بها، فقد استحب الشارع للمؤمن قراءة سورة الكهف كل جمعة، لما تحويه من حقائق ربانية، وأسرار خالدة، وأخص بالذكر ما جاء في قصة اتباع سيدنا موسى للخضر عليه السلام، وقد ألفتُ مؤلفا في القصة القصيرة، تحت عنوان: "إنك لن تستطيع معي صبري"، يروم تبصرة الخلق إلى ما جاء الشرع الحنيف لِيُبَصِّرهم به، ويسلط الأضواء على الزوايا المظلمة في الحياة، ويهدف لترويض عقول الناس، وتدريب نفوسهم على رؤية حقائق الأشياء، دونما الاشتغال بأشكالها وألوانها وتجلياتها. لستُ أدعو لتزوير الانتخابات، ولستُ من مناصري هذا الطرح البئيس، وليس في العنوان الذي انتقيته لمقالي هذا ما يوحي بذلك، إلا من تعسّف فهما، أو غالى تأويلا، فإن ذلك يلزمه وحده ولا يلزم غيره، إذ العبرة بجوهر المقال المبين، وليس بالتباسات عنوانه التي قد تفيد الشيء ونقيضه، حسب خلفيات القارئ وهواجسه. إن نزاهة الانتخابات مسلك نفيس المبتغى، عزيز المطلب، لكن ليس في ذاته، وإنما لما يؤول إليه، من صعود حكومة شعبية وقوية، تستمد مرجعيتها من نبض الشارع، ومشروعيتها من إرادة الناخب الحرة والنزيهة، ومن ثم، فهي تتوفر على ما يكفي من الترياق الشعبي لكي تُحيّد سم "التماسيح"، وتبطل طلاسم "العفاريت"، وتملك من المصداقية والجرأة والإرادة، ما تحتاجه لكي تقف في وجه المفسدين الكبار، الذين لا تبصرهم عين العدالة، ولا تَطَلُهم يد القضاء. بعدما قبعنا عقودا طويلة نرثي حال الديمقراطية، ونتغنى بالمصداقية المفقودة، أقبلت الفرصة السانحة لكي ننعم بهذه اللحظة التاريخية، حيث مست النزاهة انتخاباتنا الأخيرة، وهبت عليها رياح الشفافية المرجوة، لكن للأسف الشديد، فقد فاجأني، وفاجأ الجميع، رئيس حكومتنا الموقرة تحت قبة البرلمان، بتصريح مفاده أن اللوبيات كلما واجهها السياسيون، إلا وكان النصر حليفا للوبيات. الطامة الكبرى، أن ما صرح به السيد رئيس الحكومة لم يكن نتيجة يأسه في إخضاع هذه اللوبيات، لأنه لم يحاول إخضاعها أصلا، ولم يكن نابعا من تجربته الفاشلة في محاربة الفساد، لأنه، أصلا، لم يحاول الإصلاح، بدليل أن تصريحه هذا، كان فقط بعد شهور قليلة من اعتلائه سدة الحكم، مما يفيد أنه منذ البداية، كان يؤمن بنظرية "السياسيين واللوبيات" الفاسدة، قبل حتى إجراء الانتخابات، وأنه، عن قصد، غالط الشعب، وموّه الرأي العام، بإمكانية الإصلاح في ظل حكومة مدعومة من الشعب. لقد صرح رئيس الحكومة ما من مرة، أن جلالة الملك يدعم الإصلاح، وأنه لا يشفع لأي مفسد أيا كانت مرتبته أو كان قدره، وأن جلالته قد أمر صراحة بتطبيق الدستور، كما عبر الشعب الكريم في انتخابات 25 نونبر بأنه يحلم بالإصلاح ويهفو لمحاسبة المفسدين، فأي عذر يتحجج به رئيس الحكومة لتصريحه الشهير: "عفا الله عما سلف"، والذي سماه "محمد يتيم" في إحدى مقالاته بمقولة: "اِذهبوا فأنتم الطلقاء"؟ لقد فتحنا أعيننا في هذا البلد الحبيب، وشعار "الله، الوطن، الملك" يملأ آذاننا، ويختلج في صدورنا، فالله تعالى، من فوق سبع سماوات، أمر حزب العدالة والتنمية بالإصلاح والعدل والقصاص من الظلمة والمفسدين، والوطن الحبيب قد كلفه بذلك حينما صوت لصالحه، بكل لهفة وحماسة، وكذلك فعل جلالة الملك، حينما حمى ظهر رئيس الحكومة، داعما إياه في خطوات الإصلاح، فمن يصدق بعد هذا كله، أن "التماسيح" و"العفاريت" قادرة على أن تصمد في وجه المنظومة الثلاثية المقدسة: "الله، الوطن، الملك"؟ إننا للأسف الشديد، نعيش أسمى مستويات الحمق السياسي، وأعلى مراتب الغباء الديمقراطي، حتى تساءل البعض، ومن حقه أن يتساءل، عن جدوى نزاهة الانتخابات إذا كان السياسيون عاجزون، سواء جاؤوا عبر صناديق شفافة، أو جاؤوا عن طريق العبث والتزوير وشراء الذمم والأصوات. حينما كانت نتائج الانتخابات تسبق الانتخابات، وكانت العملية الديمقراطية تشوبها الكثير من الآفات والثغرات والانحرافات، كان السياسيون الذين يقبعون في الحكومة على وعي كامل من أنهم لا يمثلون الشعب، وأن الديمقراطية العوجاء هي التي جادت عليهم بكراسي الحكم، فكان ذلك رادعا لهم من أن يقرروا قرارات لا يطيقها الشعب، فكان تهميش الشعب في العملية الانتخابية يتم تعويضه سياسيا بتحقيق رغباته الملحة، وعدم الاقتراب من خطوطه الحمراء، والتي يمكن أن تثير جنونه، أو تستفز مشاعره، فكان الشعب، في ظل التزوير، يمسك بمقاليد الحكم أكثر مما يمسك بها في عهد الشفافية والنزاهة. أما في ظل حكومة تشعر بأنها ولدت من رحم الشعب، فهي لا تخش في قراراتها من انقلاب الشعب عليها، ولا تخش من سخطه العارم، ولا تراع فيه إلا ولا ذمة، مهما كانت هذه القرارات شاذة أو سيئة أو خطيرة، فولا نزاهة الانتخابات ما اقتطعت أيام الإضراب من أجرة رجل التعليم، وما جُش رأسه وهو يطالب بحقه، ولولاها ما جُمِّدت الترقيات بلا مقدمات، ولا قُلِّصت مناصب الشغل بدون مبررات، ولولاها ما تم الانقلاب على معطلي 20 يوليوز بدم بارد، ولولاها ما زيد في أسعار المحروقات مرتين متتاليتين في غضون أشهر، وبتلك الطريقة الجنونية، ولولاها ما تم استقبال الإسرائيليين بدون أدنى خجل أو استحياء أو حاجة إلى التستر، ولولاها ما تجرأ على المس بصندوق المقاصة أحد، أو تجرأ على الحديث عن ارتفاع سن التقاعد أحد، ولولاها ما اقترضت الحكومة في سنتين ما اقترضه المغرب في عشر سنين، ولولاها ما صار البرلمان المغربي مؤسسة تابعة لصندوق النقد الدولي، يأتمر بأمره، وينتهي بنهيه. فأيهما أَفْضل، حكومة غير شعبية، تراعي شعور هذا الشعب المسكين، ولو بشكل طفيف، وتنأى عن القرارات العشوائية التي تثير أعصابه، ولو في الحد الأدنى، أم حكومة شعبية تُمَرِّغ أنفه في التراب، وتجرح كرامته وأنفته، بدعوى أنها حكومة شجاعة وجريئة؟ أنا شخصيا، أفضل الحكومة الشعبية، لأن مبدأ النزاهة مبدأ أصيل في الفكر السياسي، أما حزب العدالة والتنمية، فهو مجرد طارئ دخيل يوشك أن يزول، ومجرد واقع مزيف يوشك أن يرتفع، بارتفاع الجهل، والأمية، والثقة العمياء التي يبغضها الله ورسوله. إن الله والوطن والملك مع الإصلاح والمصلحين، وضد الفساد والمفسدين، فبالله عليك يا رئيس الحكومة، من هم هؤلاء التماسيح والعفاريت؟ [email protected] https://www.facebook.com/zaouch.nor