بورصة الدار البيضاء تستهل تداولاتها بأداء إيجابي    تمويل المشاريع السيادية.. أخنوش: 130 مليار درهم كلفة الشراكة بين صندوق محمد السادس وعدد من المقاولات والمؤسسات العمومية    التامني توجه سهام نقدها وتصف حصيلة الحكومة ب"حصيلة اختلالات"    السياحة: بالرباط، تعبئة مشتركة للوزارة والمهنيون لتثمينمهن الضيافة المغربية    تصادم قطارين يخلف جرحى بالدنمارك    روابط مالية تغضب منافسين في "الفورمولا واحد"    انفراج أزمة قطاع الصحة بتاونات بعد اتفاق بين النقابة والسلطات الإقليمية    وجدة.. إحباط محاولة للتهريب الدولي للمخدرات وتوقيف ثمانية أشخاص وحجز 700 كيلوغراما من الشيرا وأزيد من 4 ملايين درهم ونصف    ضمن موجة متواصلة.. الهندوراس تسحب اعترافها ب"جمهورية الوهم"    افتتاح المسرح الملكي بالرباط رسميا بعرض فني بعد سنوات من إنجاز الأشغال    ارتفاع حركة المسافرين بمطارات المغرب إلى نحو 8.9 ملايين بنهاية مارس    المتيوي: المجلس الإقليمي لشفشاون سيواصل العمل بتنسيق مع مختلف الشركاء لتحقيق تنمية مندمجة وشاملة بالإقليم    رسالة إلى صديقي .. وداعاً يا صاحب الروح الطيبة    إحباط تهريب مخدرات وحجز "درونات"    حكيمي يتألق مجددًا ويقود سان جيرمان لفوز مريح على نانت    لا غالب ولا مغلوب في قمة الجيش الملكي ونهضة بركان    من يحاسب النيابة العامة؟    تيزنيت :الرعي الجائر والتغيرات المناخية.. طاولة مستديرة تبحث سبل حماية الأركان من التهديدات الراهنة.    إلغاء اللقاء بين المغرب والسالفادور        إطلاق الاستراتيجية الوطنية لتمويل سلاسل التوريد    العقود الآجلة للنفط تتجاوز 101 دولار للبرميل بارتفاع 3 بالمئة    مربو التعليم الأولي يقررون الاعتصام أمام وزارة التربية الوطنية احتجاجا على "التهميش"    المديرة التنفيذية: انضمام المغرب إلى "المجلس الدولي للتمور" قيمة مضافة نوعية تعزز مكانة المجلس    المديرة التنفيذية للرابطة الدولية للإصلاحيات والسجون: الاكتظاظ داخل السجون واقع ملموس يعيشه كل الفاعلين في القطاع    معرض الفلاحة .. "المثمر" يستعرض ابتكارات من التربة إلى تربية الماشية    الرباط وفيينا ترسخان حواراً استراتيجياً    بورصة البيضاء تنهي التداولات باستقرار    رشيد العلوي يقرأ العلاقة بين الدين والسياسة في زمن العولمة    دار الشعر بمراكش تنظم الدورة الأولى ل «ملتقى مراكش للإبداع النسائي»    وداعا همس الورد.. وداعا ظل الفراشة .. عبد النبي دشين درويش الطريقة والطريق    مهرجان كان يكشف عن الملصق الرسمي للنسخة التاسعة والسبعين للعرس السينمائي العالمي    مناهضو التطبيع بمراكش يحتجون بباب دكالة بسبب أداء طقوس يهودية    إدانة الكاتب كمال داود بثلاث سنوات سجنا نافذا في الجزائر    اليقظة النفسية" بجامعة محمد الخامس... مبادرة جديدة لكسر الطابوه وتعزيز توازن الطلبة    ألتراس "عسكري": بلوغ النهائي ثمرة الصبر والطموح نحو التتويج القاري        إيران تعلن احتجاز سفينتين إحداها "مرتبطة بإسرائيل"    الزلزولي يفرض نفسه نجما في فوز مثير لبيتيس على جيرونا    الصين تحذّر من أن الشرق الأوسط أمام "مرحلة حرجة" بعد تمديد ترامب وقف إطلاق النار    زلزال قوي يضرب شمال شرق اليابان... تحذيرات من تسونامي يصل إلى 3 أمتار وحالة تأهب قصوى            المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي ينظم ندوة علمية دولية حول «الكتابة المسرحية والإخراج    إصابة في العضلة الضامة تحرم بلعمري من استكمال موسمه مع الأهلي    الريال يعود لسكة الانتصارات على حساب ألافيس (2-1) في الدوري الإسباني    تصريحات إعلامية تثير جدلاً بشأن منع كبير جنرالات أمريكا ترامب من استخدام "الشيفرات النووية"    أكاديمية المملكة تبحث عن نظرية معرفية بين "الإنسان والذكاء الاصطناعي"    عرض خاص لفيلم "أبي لم يمت" لعادل الفاضلي بقصر الفنون بطنجة احتفاءً بالسينما المغربية        34 ألف مستفيد من أداء مناسك الحج لموسم 1447ه    بين خفض التكاليف والرقمنة.. وزير الأوقاف يستعرض حصيلة ومستجدات موسم الحج    مخاوف من ظهور سلالة فرعية من متحور أوميكرون..    الأسبوع العالمي للتلقيح.. وزارة الصحة تجدد التأكيد على مجانية اللقاحات وضمان استدامتها    النمسا: العثور على سم فئران في عبوة طعام أطفال من شركة هيب    بدء توافد ضيوف الرحمن إلى السعودية لأداء فريضة الحج    السلطات الإسبانية تحذر مستهلكي سبتة من منتوج سلمون ملوث        







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



هل تكفي معايير الاقتصاد وحدها لقياس رفاهية الناس؟
نشر في هسبريس يوم 10 - 11 - 2018

في محاضرة له في "ليالي مؤسسة التعليم الاقتصادي" في شتنبر سنة 2005، تتبع عالم الاقتصاد الأمريكي الحاصل على جائزة نوبل لسنة 2002 فرنون سميث خطوات نمو الثروة البشري عن طريق انتشار الأسواق، حيث بيّن أنّ الرأسمالية العالمية في شكلها المعاصر تؤدي إلى تحسين أحوال البشر.1 لكن في اتجاه تؤدي هذه الرأسمالية الجديدة إلى تحسين أوضاع وأحوال البشر؟ وإلى أي حد يمكن أن يمثل الرفاه الاقتصادي معيارا لقياس سعادة الناس؟
جوابا على مثل هذا السؤال، حاول فيلسوف الاقتصاد المعاصر إريك إنجنر،2 في مقال بعنوان: "سياسات السعادة: المقاييس الاقتصادية والذاتية باعتبارها مقاييس للرفاهية الاجتماعية"، أن يبيّن المعايير الاقتصادية للسعادة بما هي مجرّد تطبيقات للوظيفة النفعية للرفاهية الاجتماعية، كتلك التي تعتمد معيار المنافع الفردية عن طريق تحقيق المنفعة والرغبات لقياس سعادة الأفراد في مجتمع استهلاكي معيّن. ولقد عمد بعض رجال الاقتصاد إلى وضع مجموعة من المعايير تسمح لهم بقياس وتحديد مدى رفاهية الأفراد وسعادتهم انطلاقا من تحقيق نسب نمو مضطردة؛ وكان من أهمّ هذه المعايير:3
أوّلا؛ معيار الدخل القومي، وهو معيار صاغه بداية المفكر الاقتصادي "بيكو" (1877- 1959) في كتابه الصادر سنة 1920 تحت عنوان "اقتصاديات الرفاهية" (The Economics of Welfare) يقترح فيه أن يصبح "الربح القومي" أو "الدخل القومي" مقياس الرفاه على اعتبار أنّه يمثّل الجانب الخاص من الدخل الواقعي للمجتمع. فبحسب هذا المعيار، فإنّه كلما توفر ناتج كبير للنمو الاقتصادي، إلاّ وأدى ذلك إلى إشباع رغباتنا وحاجاتنا إلى أقصى درجة.
ثانيا؛ معيار فائض الإنتاج والاستهلاك، لقد استعمل مفهوم "فائض الإنتاج" أوّل مرة مع المفكر الاقتصادي "جوليس ديبوت" الذي سعى إلى تحديد الشروط التي تجعل الأشغال العامة (مثل بناء القناطر والجسور) تحقّق منفعة عامة. وقد قام "ألفريد مارشال" (1890- 1920) بتطوير أفكار "ديبوت" وتعميمها فيما بعد، فعرّف بفائض استهلاك منتوج أو سلعة معينة بأنّها مقدار الزيادة في السعر الحقيقي الذي يوّد المستهلك أن يدفعها بدلا من عدم قيامه بشرائها، وهكذا يصبح السعر الذي يدفعه أعلى من سعرها الحقيقي.
وكان فائض الاستهلاك مؤشرا سائدا في قياس رفاهية المجتمعات المعاصرة، وهكذا تم استخدام "فائض الإنتاج" و"فائض الاستهلاك" بشكل كبير ومتسع قصد تقييم نتائج السياسات العامة. غير أن البعض سرعان ما رفض استعمال هذين المفهومين لتقييم نتائج الرخاء ورفاهية الناس لصالح ما يسمى في أدبيات اقتصاد السوق الجديد ب"الفائض الكلي"، وذلك بدعوى أن رغبة الأفراد المستهلكين في دفع أية قيمة لشراء سلعة معينة هو ما يعكس قيمتها الحدّية، أي مدى قيمة هذه السلعة بالنسبة إليهم. فما هو مبدأ هذا المعيار؟
ثالثا؛ معيار الفائض الكلي، ويقوم هذا المعيار على أنّ أية زيادة في فائض الإنتاج فهي تطابق من الناحية الصورية زيادة في قيمة المنفعة. فإذا ما افترضنا أنّ فائض الاستهلاك يطابق المنفعة الفردية، فإنّ ذلك يعني في النهاية أنّ المقياس النفعي للرفاهية الاجتماعية يتضمن تطابقا بين "الفائض الكلي" وتحقيق الرفاهية الاجتماعية للناس. كذلك، يوجد هنالك معايير أخرى جديدة اخترعت لقياس مدى الرخاء والرفاه الاجتماعي الذي ينجم عن النمو الاقتصادي الذي يتحقّق في المجتمع، مثل:
ثمّ، رابعا، معيار معاملي التعويض والتكافؤ الذي أسّسه الاقتصادي البراطاني جون هيكس (1904- 1989) سنة 1943 بعدما لاحظ تلك الصعوبات التي تواجه تطبيق معيار الفائض في الإنتاج والاستهلاك. وبخصوص معيار التعويض هذا، فالذي يقصد به هو حساب مقدار النقود الذي قد يسلب من الفرد بعد حدوث تبدل أو تغيّر اقتصادي معيّن، دون أن يتأثر مستوى عيش هذا الفرد كما كان يعيش قبل حدوث هذا الطارئ. بينما يقصد بمعامل التكافؤ مقدار النقود الذي قد يُدفع لفرد معين جراء سياسة الدعم، حتى وإن لم يحدث لديه ذلك تغيّرا اقتصاديا ملحوظا، وإن|ما يجعله ذلك يعيش فقط نفس مستوى استهلاكه السابق.
تم استخدام معيار معاملي التكافؤ والتعويض في عدة سياقات لتقييم مقدار التغيرات في الرفاهية ومدى تحقيق السعادة. فمثلا، استعمل هيكس ما كان يسمى بحاصل الجمع لمعاملات التعويض أثناء تحليله لمقدار التكاليف والأرباح في اقتصاديات الرفاهية مع مجموع الرغبات في الدفع لقياس مدى رفاهية وسعادة الأفراد. وقد توصل في الأخير إلى أن حاصل الجمع بين معاملي التكافؤ والتعويض وقيمته الايجابية يعد دليلا على حصول التحسن الاجتماعي وزيادة الكفاءة الاقتصادية.
تقييما لهذا المعيار الجديد، طرح فيلسوف الاقتصاد إريك أنجنر السؤال: هل يتعيّن علينا أن ننظر إلى المعايير السابقة (حاصل مجموع معاملات التعويض، التكافؤ) باعتبارها مقاييس للرفاهية الاجتماعية؟ وقد استنتج في مناقشته لذلك أنّ الدافع الأساسي لاستخدام مقاييس هيكس، مثلا، هو أنّ البديل الملموس القابل للملاحظة، عند قياس مدى تفضيل الأفراد لنظام اقتصادي على آخر، يكمن في كميّة النقود التي يرغب الفرد في دفعها أو قبولها لكي يتحقّق له أن ينتقل من وضعية اقتصادية معيّنة إلى أخرى.
إنّ تحقيق المنفعة والربح المادي هو ما ينصبّ الاهتمام عليه في إطار هذا المقياس المادي؛ وقد استخلص أنجنر من هذا الاعتبار مجموعة من الملاحظات المهمة الكاشفة عن محدودية المعايير الاقتصادية لقياس السعادة والرفاه لدى الأفراد، نجملها فيما يأتي:
يحقّق كل معيار من هذه المعايير الرفاهية طالما أنّ الرفاه هو ذاته مقياس لرفاهية وسعادة الفرد وحده، ولا يكون لأيّة قيّم من مثل الحقوق والواجبات وغيرها أيّ تأثير على رفاهية الأفراد الاجتماعية إلاّ وفق تأثيرها على المنافع الفردية.
يحقّق كل معيار من هذه المعايير نتائجه المرجوة طالما أنّ كل منفعة تحقّقت من النتائج هي ما يهم وما يتم الاهتمام به. كما لا يكون للطريقة التي ضمن بها الأفراد حزمة البضائع أو النتائج المرغوبة أي تأثير على قدر المنفعة المحصّلة.
يحقّق كل معيار من هذه المعايير التقدير الكلّي طالما أن مجموع المقاييس يتم الحصول عليه بإضافة أو تجاوز مستويات المنفعة الفردية. لذلك ليس هنالك أيّ تأثير لعملية توزيع المنافع على الرفاهية الاجتماعية طالما أن مستوى المنفعة أو معدلاتها ثابتة.
وبالنسبة للرؤية الناقدة، فإنّ هذه الملاحظات غالبا ما تكشف عن حقيقة يراد التمويه عنها، ومفادها أنّ المعايير الاقتصادية لقياس رفاهية مجتمع معيّن، ليست في حقيقة الأمر سوى تطبيقات حسابية للوظيفة النفعية للرفاهية الاجتماعية كما يراها الاقتصاديون. بالتالي، فهي ستواجه نفس الانتقادات التي عادة ما تطال تلك التصورات النفعية المادية المحدودة لمعيرة السعادة والرفاه الاجتماعي. وإنّها لتنطوي على نواقص عديدة، من مثل:
- نقيصة الحياد بالنسبة لتوزيع الثروة غير المتكافئة بين الأفراد والفئات.
- نقيصة إهمال الاهتمامات والجوانب الأخرى غير المادية والنفعية، مثل الجوانب الروحية والأخلاقية.
- نقيصة اختزال الرفاه الاجتماعي في بعد واحد ربحي ومادي نفعي.
- نقيصة إهمال المساواة والعدل والحقوق وجودة البيئة واستدامتها.
- نقيصة الاحتكار الفئوي للرفاه الاقتصادي والتنعم بالخيرات.
الحاصل بالنسبة للتصوّر الناقد للنزعة الاستهلاكية، أنّ النواقص التي تعتري نهج القياسات المادية لمؤشّرات النمو ومعيار المنفعة في تحديد مستوى الرفاه الاجتماعي، إنّما يفضي بنا إلى القول بأنّ المعايير السابقة هي اختزالية بطبيعتها الكمية؛ وإنّها لتردّ الرفاه الاجتماعي، وكذا السعادة الإنسانية، إلى مجرّد مؤشرات مادية خدّاعة.
إذاً؛ يمكننا نقض هذه المعايير، بشكل سهل، متى وقفنا على تهافت معادلة الإنتاج / الاستهلاك غير المحدودين في نسق اقتصاد السوق الذي لا ينضبط بحدود أخلاقية واضحة. بالتالي، فالمعايير الكمية لقياس النمو، في علاقته بالرفاه الاجتماعي، هي مجرّد قياسات ورّطتنا فيها المؤشرات الاقتصادية المحضة المعتمدة في تحليل وقياس نسبة تأثير النمو الاقتصادي على درجة رفاه مجتمع معيّن. هكذا، يتحصّل لدينا أنّ الرؤية الاقتصادية البحثة، لمسائل التنمية والرفاه، كلّها تبقى اختزالية غير ذات جدوى، ما لم يتم تطعيمها برؤى أخرى، ثقافية وأخلاقية يمكنها المساهمة بتحقيق التوازن في تقسيم الثروة بين أفراد نفس المجتمع.
المراجع:
1- أنظر كتاب "أخلاقية الرأسمالية" ل: "توم جي بالمر"، ترجمة محمد فتحي خضر، مراجعة محمد إبراهيم الجندي، منبر الحرية، القاهرة، ط الأولى، سنة 2013. ص 131
2- إريك إنجنر: "سياسات السعادة: المقاييس الاقتصادية والذاتية باعتبارها مقاييس للرفاهية الاجتماعية"، ورد في كتاب: السعادة والفلسفة، إعداد: ليزا بورتولوتي، ترجمة أحمد الأنصاري، مراجعة حسن حنفي. المركز القومي للترجمة، القاهرة، الطبعة الأولى، سنة 2013.
3- أنظر "سياسات السعادة" ل "إريك إنجنر"، مأخوذ من المرجع السابق، ص 256


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.