أظهرت الزيارة الأخيرة للأمين العام للأمم المتحدة، "بان كي مون"، إلى مخيمات تندوف، مدى تأثره بالمعاناة الإنسانية التي يتكبدها صحراويو المخيمات، وحجم الغصب الذي يعتريهم. وقال "بان كيمون" إن هذه المخيمات التي أقيمت قبل أربعين عاما "هي الأقدم في العالم"، مبديا "حزنه لرؤية عائلات تعيش فيها منذ فترة طويلة"، وتعهد بأن تبذل الأممالمتحدة "ما في وسعها لتحسين مصير اللاجئين". كما تعهد كي مون "بالعمل قريبا على جمع المانحين الدوليين لدعم ملف اللاجئين الصحراويين"، في سابقة من نوعها في مسلسل هذا النزاع. مخيمات اللاجئين: هل المعاناة مقصودة؟ خلال مقامي في إسبانيا، كان لي صديق إسباني مستشار محلي عن حزب اليسار الموحد، وكان متعاطفا مع أطروحة البوليساريو، وليس في ذلك غرابة، خصوصا أن التعاطف في إسبانيا مع الطرح الانفصالي في أغلبه ناجم عن ترسبات تاريخية مرتبطة أساسا بالطريقة التي أجبر المغرب فيها إسبانيا على تصفية الاستعمار في المنطقة، وكذلك بكون الصحراء في وجدان الرأي العام الإسباني هي "الصحراء الإسبانية". وكان غريبا التحول الذي حصل بعد أول زيارة له إلى المخيمات، إذ خاطبني بعد رجوعه بكلمات لازالت ترن في مسامعي.. قال لي بالحرف: "سأدخر ما تبقى من أيام حياتي لخدمة القضية الصحراوية". وهذا ما حدث مع العديد من الشخصيات، من بينهم سياسيون وفنانون ورياضيون وغيرهم. وأذكر في هذا الصدد كذلك شهادة أحد النواب الأوربيين، بعد زيارة قام بها إلى المخيمات في أحد أيام الصيف الحارقة، جاء فيها أنه خرج للبحث عن ظل شجرة يستظل تحتها، فلم يجد إلا لهيب الشمس. والبوليساريو تعلم مدى التأثر والتعاطف التي تبديه العديد من فعاليات المجتمع الدولي لدى زيارتها إلى المخيمات، فتستثمر ذلك وتنظم العديد من الزيارات والرحلات الجماعية لفائدتهم، لكسب تعاطفهم ودعمهم المعنوي والمادي لأطروحتها، وتصوير المغرب على أنه المسؤول الأول عن هذه المعاناة؛ وهي تنجح في الكثير من الأحيان في ذلك، لكون الزائر إلى المخيمات يقف على حقيقة المعاناة في صحراء قاحلة. وفي الوقت نفسه تستغل الجبهة كرم المواطن الصحراوي، الذي يفتح للضيف قلبه وباب خيمته، ويحضر له الشاي والطعام، ويفرش له خيمته للمبيت، ويهديه الرجل "الدراعة" والمرأة "الملحفة" والحنة والعطر، وبذلك يرجع الضيف مدينا لهذا الكرم، شاهدا على هذه المعاناة.. والأخطر من ذلك حاسبا المغرب هو الجلاد بينما الجبهة هي الضحية. لقد كان خطاب العاهل المغربي الأخير في ذكرى المسيرة الخضراء فاضحا للبوليساريو في هذا الباب، لأنها تغتني وتتسول باسم معاناة اللاجئين، بينما الشخصية الصحراوية هي شخصية ذات عزة وكرامة. مخاطر وإيجابيات دعوة المغرب إلى عودة سكان تندوف وإزالة المخيمات حتما لكل قرار سياسي مخاطره، فحتى الدواء له أعراضه الجانبية، وبالتالي فإن دعوة المغرب إلى رجوع وعودة لاجئي المخيمات إلى الصحراء من شأنها خلق عبئ سياسي واقتصادي واجتماعي كبير، وقد تغير في مجريات الأمور؛ ولذلك نطرح الأسئلة التالية: هل المغرب مستعد لهذا العبء وهذه المغامرة؟ أم إن العبء الأخطر هو أن تبقى القضية على ما عليه وما يترتب عن ذلك من عبء أكبر وأخطر؟. في اعتقادي الشخصي قد تكون دعوة المغرب إلى عودة صحراوي تندوف بداية الحل في الصحراء إذا ما تمت وفق أجندة تدرجية في الزمان والمكان، وتوفرت شروط إنجاحها: - ستشكل هذه الدعوة إحراجا كبيرا للبوليساريو، فهي تعلم أن قبضتها الأمنية على المخيمات أساس قيامها. - لن نرهن بشكل مباشر قرار ساكنة تندوف بأجندة الجزائر في المنطقة. -لن يعود هناك مبرر لتبقى الصحراء مقسمة بشكلها الحالي: صحراء غرب الجدار الأمني وأخرى شرقه تطلق عليها البوليساريو أراض محررة، إضافة إلى لكويرة وأجندة موريتانيا فيها. - سيجتمع شمل العائلات الصحراوية في وطنها (فالعائلات الصحراوية هي في الشمال كما في الجنوب) وستشهد الفرق بين المخيمات والتنمية والمشاريع الحقيقية التي أطلقها المغرب في المنطقة. وأغلب الساكنة ينشدون الكرامة والأمن والتنمية، وأينما توفرت فثمة الوطن. إن المغرب الذي يحوز العديد من الشرعيات في قضيته الوطنية الأولى، والذي أنجح المسيرة الخضراء والعديد من المبادرات، يستطيع إنجاح هذه المبادرة والحسم لصالح مغرب يتسع لكل أبنائه. التجربة الألمانية في الوحدة: بعد الحرب العالمية الثانية سنة 1945، تم تقسيم ألمانيا إلي ألمانيا الغربية التي تدين بالولاء إلى المعسكر الرأسمالي بقيادة الولاياتالمتحدةالأمريكية، وألمانيا الشرقية (1949-1989) التي تدين بالولاء للمعسكر الشيوعي بقيادة الاتحاد السوفيتي. ولم تتم الوحدة الألمانية إلا بعد انهيار سور برلين سنة 1989. لقد نجحت ألمانيا الغربية في إدماج ألمانيا الشرقية، نجحت نجاحا باهرا في تجاوز الشرخ السياسي والإيديولوجي الذي طال لأكثر من 40 سنة، ونجحت في إدماج اقتصاد شيوعي شبه منهار، والأهم أنها أدمجت أكثر من 16 مليون ألماني كانوا يعيشون في ظل ألمانيا الشرقية. وأخيرا، فإن البوليساريو ستواصل رهن مستقبل المنطقة، وسيبقى لاجئو تندوف السجل التجاري لذلك، في مقابل معاناة مقصودة لذاتها. ويبقى أن إطالة أمد النزاع من شأنه فتح مخاطر أخرى، وأن المغرب عليه أن يدرس جميع الخيارات، وأن يكون في خياراته متوجها إلى الساكنة الحقيقية، لأنه في ربحها سيربح الجميع، وفي خسرانها سيطول أمد النزاع، وسيبقى مصير ساكنة تندوف في أيدي البوليساريو، ومن ورائها الجزائر.