الرئيس الشيلي الجديد يستقبل العلمي    أٌقرب حليف لترامب في أوروبا.. ميلوني تصف قصف مدرسة في إيران ب"المجزرة" وتنتقد الضربات الأمريكية والإسرائيلية    ترامب: إيران تقترب من نقطة الهزيمة        ليس من بينها المغرب.. ثماني دول تدين إغلاق سلطات الاحتلال المسجد الأقصى أمام المصلين    المعهد الوطني للعمل الاجتماعي يخلّد اليوم العالمي لحقوق المرأة بتكريم نسائه وتنظيم ندوة علمية    الحرب الأوكرانية السياق والتداعيات والمخاطر والفرص    المغاربة الموالون لأعداء الوطن هم اليوم في حداد    نهائي مونديال 2030 بين ثلاث مدن كبرى... الدار البيضاء تنافس مدريد وبرشلونة    أمن تطوان يكذّب إشاعة "محاولة اختطاف طفل بوزان" ويكشف حقيقة التسجيل الصوتي المتداول    في اجتماع ترأسه أخنوش.. إصلاح التعليم العالي في المغرب يدخل مرحلة جديدة: الحكومة تتجه نحو جامعة أكثر انفتاحاً وابتكاراً    "نفس الله"    دوري أبطال أوروبا.. ريال مدريد يحقق الفوز على مانشستر سيتي بثلاثية نظيفة    دوري أبطال أوروبا.. "بي إس جي" يهزم تشيلسي (5-2) في موقعة الذهاب    تمارة تحتضن نهائيات مسابقة وطنية لحفظ وتجويد القرآن الكريم لفائدة التلاميذ والطلبة المكفوفين    اتحاد طنجة ينهي مهام بيبي ميل كمدرب للفريق ويعينه مشرفا عاما رياضيا    الزاوية القادرية البودشيشية بقيادة شيخها سيدي معاذ تطلق مجالس الانوار بمذاغ تنزيلا للامر المولوي السامي        أخنوش يتفقد إصلاح التعليم العالي    الجديدة.. 6 وفيات و8 جرحى في حادثة انقلاب سيارة لنقل العمال الزراعيين بأولاد رحمون    الرئيس الإيراني: إنهاء الحرب يتطلب الاعتراف بحقوقنا المشروعة ودفع تعويضات    العثور على جثة الطفلة "سندس" بوادي كرينسيف بعد 15 يوماً من الاختفاء والبحث المتواصل    عموتة على أعتاب العودة إلى الوداد    بنعدي لنساء السحتريين: تمكين المرأة القروية مدخل أساسي لتحقيق العدالة المجالية والتنمية الشاملة    حقوق النساء.. تسليط الضوء بنيويورك على تجربة المغرب الرائدة    ترشيح الفنانة التطوانية فرح الفاسي لجائزة "أفضل ممثلة إفريقية" يعزز حضور الفن المغربي عالميا    خمسة متاحف في مدن متعددة تتسلم رسميا أولى علامات "متحف المغرب"    الحمل ومرض السكري.. تفكيك الأفكار الخاطئة في المجتمع المغربي    قراءة الموقف الملكي من حرب الخليج على ضوء تطوراتها الخليج الآن: ما تنبَّأ به محمد السادس …يقع 2/2    سفير إيراني يؤكد إصابة مجتبى خامنئي    المصالح الأمنية بطنجة تحدد هوية قاصر تشبث بسيارة للشرطة    إيران تنسحب رسميا من مونديال 2026.. فهل يفتح الباب أمام عودة "عربية" للمونديال؟        الاستحقاقات التشريعية المقبلة بين ضرورة النزاهة ورهان التوافق الديمقراطي    مدرجات الكرة تحاكم الإنتاج الدرامي التلفزي    مؤلف جديد للكاتبة والمبدعة أميمة السولامي    اليسار المغربي بين وهم الوحدة وحسابات الدوائر الانتخابية!    كيف تدبر الأسرة اختلاف أجيالها في رمضان ؟    بورصة البيضاء تنهي التداولات بارتفاع    مكتسبات وإخفاقات في يوم المرأة العالمي    توقعات أحوال الطقس ليوم غد الخميس    تحقيقات الصرف والجمارك تسقط مهربين للعملة الصعبة بمستندات مزورة    نقابة تحذر: التجهيزات الرادارية المتهالكة بمطار محمد الخامس تهدد سلامة الملاحة الجوية        المغاربة يرمون سنويا 4.2 مليون طن من الغذاء و40 مليون قطعة خبز تذهب يوميا إلى النفايات    جامعة القنيطرة تطرد 18 طالبا.. واستنكار ل"استهداف" الحركة الطلابية        توقعات بانتعاش تجارة الجملة بالمغرب في 2026 مع ترقب ارتفاع المبيعات    مراكش: توقيف إندونيسي مبحوث عنه دوليا بتهم فساد مالي وتلاعب بأسواق الرساميل    العصبة تعلن إيقاف منافسات البطولة الاحترافية مؤقتًا    الفركتوز المضاف إلى الأغذية المصنعة يؤذي الكلى    منع جدارية بمقهى ثقافي بطنجة يثير جدلا ونشطاء يطالبون بالتعامل مع الفن خارج البيروقراطية    مؤسسة علال الفاسي تنظم ندوة فكرية حول « السيرة النبوية» بمناسبة مرور 15 قرناً على المولد النبوي    دراسة تبحث علاقة المياه الجوفية بالشلل الرعاش    عمرو خالد يقدم برنامجًا تعبديًا لاغتنام العشر الأواخر من شهر رمضان    أخصائية في الأعصاب تبرز أهم مخاطر قلة النوم    بمناسبة 8 مارس.. خبراء يحذرون من تحدٍّ كبير لصحة المرأة    عمرو خالد: سورة النور وصفة قرآنية تبدد حُجُب الظلام عن بصائر المؤمنين    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



المقرئ الإدريسي أبو زيد يكتب: مسلون شهداء لإله الرحمة

أكد المفكرالإسلامي المقرئ الإدريسي أبو زيد في عرض له بعنون مسلمون شهداء لأله الرحمة، قدمه خلال الملتقى الرابع عشر للمنتدى الإسلامي العالمي للحوار، الذي نظم بدولة الفاتيكان، على معاني الرحمة في الدين الإسلامي الحنيف، باعتبارها أولا صفة إلهية، وثانيا باعتبار محمد صلى الله عليه وسلم شاهدا عليها. وتتجلى قيمة هذا العرض في كونه ينطلق في التأصيل لهذه القضية من القرآن الكريم، ومن أقوال المصطفى، ومن واقعه العملي. وتعميما للفائدة؛ تنشر التجديد هذا العرض كاملا في حلقتين:
إن الناظر في القرآن الكريم ليعجب من شيوع الرحمة بلفظها ومعانيها فيه شيوع الروح في الجسد، فألفاظ الرحمة ومرادفاتها ومشتقاتها تتوزع نسيج القرآن الكريم و تزركشه بمعانيها اللطيفة، حتى لتترجم بنيته اللغوية حقيقة كونه فعلا هدى ورحمة لقوم يؤمنون(الأعراف52-)، و ما أكثر تكرار وصف القرآن لنفسه بصفة الرحمة و ما يلابسها من شفاء و نور و هداية. و لو اقتصرنا على استقراء معنى الرحمة المرتبط حرفيا بالمادة المعجمية (ر ح م )، لدهشنا لنسبة تكرار حضور هذه المادة، فهي تتوزع صفحات المصحف كلها، و تبلغ 340 موقعا، تكاد تكون بعدد أيام السنة، لتبلغ نسبة رحمة قرآنية في كل يوم !
و يزيد الأمر رسوخا أن هذا الرقم يتوزع على 32 تصريفا واشتقاقا مما يدل على سعة تداول القرآن الكريم للفظة الرحمة وعظم تصرفها في ثناياه أفعالا وأسماء و صفات، بالمفرد والجمع، بالإسناد والإطلاق، منسوبة لله عز و جل في غالب الأحيان، ولرسوله وبعض الصالحين في باقي المواقع، موجهة إلى عموم الخلق، مخصوص بعضهم بدرجات خاصة منها لتحققهم بأفعال و صفات خاصة استحقوا بموجبها درجة هذا الاصطفاء.
ويكفي أن أذكر أقواها وأرجحها (أرحم رحمناهم ترحمني سيرحمهم ترحمون رحمة الراحمين الرحمان الرحيم المرحمة الأرحام رحماء رحما)، و يبرز في هذا الحقل اللغوي الاشتقاقي البديع للرحمة في القرآن حضور لافت للنظر لكلمتي رحمان (57 موقعا) ورحيم (95 موقعا).
ذلك أنهما صفتان من صفات الجليل، واسمان من أسمائه العلى، تطرزان كل سور القرآن الكريم مطلعا وابتداء (باستثناء سورة التوبة) وعلى رأس هذه السور فاتحة الكتاب، ذات السبع المثاني، وبذلك لا يكتفي القرآن بأن يفتتح، و المصحف بأن يبتدأ بالرحمة بسم الله الرحمن الرحيم، وإنما يشفع ذلك بأن تكون الرحمة تطريزا لمطالع كل سور الهدي الكريم، ولم تكتف البسملة، و لا الذات العلية بالصفة العادية للرحمة، باستعمال اسم الفاعل: الراحم، بل جاوزتها إلى صيغتي مبالغة، تسند كل واحدة منهما الأخرى تكرارا وتوكيدا وتعزيزا وترسيخا: الرحمان والرحيم، وحين يستعمل القرآن الكريم نادرا صيغة اسم الفاعل يشفعها بأن يسند إليها اسم التفضيل، ويجعلها جمعا مطلقا: (...وأنت أرحم الراحمين)(الأنبياء/ 83 ).
الرحمة في القرآن
فإذا انتقل الناظر من اللغة المجردة إلى دلالاتها المضمونية، يدهشه أن الرحمة تكاد تكون كل شيء إيجابي في القرآن الكريم: كل خير أو فضل أو بر أو عمل صالح أو نعمة إلهية أو توفيق رباني أو صدقة أو حسنة أو طاعة في معروف يسميها القرآن رحمة، أو يعللها بالرحمة، أو يجعل غايتها الرحمة، حتى لتكاد تكون الرحمة الأول و الآخر والظاهر والباطن في النسق التعليلي لتشريع الأحكام والأمر بالأفعال والنهي عن المنكرات:
فاللين رحمة (فبما رحمة من الله لنت لهم) (آل عمران159-) والوحي رحمة (قد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة) (الأنعام57-)، والنجاة من الهلاك رحمة (فأنجيناه والذين معه برحمة منا) (الأعراف- 172)، والنبي رحمة (يؤمن بالله و يؤمن للمؤمنين ورحمة للذين آمنوا) (التوبة16-) وبر الوالدين رحمة (واخفض لهما جناح الذل من الرحمة)(الإسراء- 24)، وبعث المسيح: ثم قفينا على آثارهم برسلنا وقفينا بعيسى بن مريم وآتيناه الإنجيل وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة و رحمة(الحديد27-)
وكذلك شأن تعميم الهداية وإنزال التوراة ونزول المطر وعموم المغفرة والنجاة من العذاب وحصول الطاعة وحضور التقوى والخشوع في الصلاة وإيتاء الزكاة والاستغفار والإصلاح بين الناس والصبر والهجرة وتشريع القصاص واستمرار الخليقة، وجعل الأصل الإباحة والرزق والحكمة والعدل والبعث والجنة والحساب العادل وكشف الغمة وتلمس أسباب النجاة والرفق بالأيتام والإحسان لذوي الحاجات وتجنب القنوط والدعاء للوالدين، وبناء سد ياجوج و ماجوج ونعمة الزوجية على الآدميين وغيرها من المعاني السامية والنعم الربانية كلها توصف في القرآن بأنها رحمة، أو أن سببها رحمة، أو أن الغاية إنزال الرحمة و تعميمها على العباد والصالحين والمستضعفين.
لا يكتفي القرآن باعتماد الرحمة معيارا للأفعال النبيلة، و مسارا لرسم الغايات، وبيانا لنزول الآيات و تنزل النعمات، وإنما يوجه المخاطبين إلى طلب الرحمة (وقل رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين) (المؤمنون/ 118)، إطلاقا وتثبتا عند المصائب (وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون، أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة)(البقرة- 157)، وتفهما لحكمة الشريعة الغراء: (قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه، إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا، أو لحم خنزير فإنه رجس، أو فسقا أهل لغير الله به، فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم)(الأنعام- 145) وتعليما لنا كيف نقدر ربنا ونفتح باب الأمل في وجه تقصيرنا وخطايانا، بعبارات ندية تنسج نسيج الرحمة والتوبة والمغفرة والسلام لعموم الخاطئين (وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فإنه غفور رحيم) (الأنعام/54).
مصداقية الرحمة
لكن هذه الرحمة لا تأخذ مصداقيتها إلا من عموميتها، إذ لو كانت خاصة، لصارت امتيازا واحتكارا لفئة محظوظة فتحولت بالنسبة للمحرومين منها إلى نقيضها نقمة وشقاء، وحاشا لله العادل الرحيم، ووحيه الحق الحكيم أن يسير بمنطق الديانات الباطلة أو المحرفة والنحل المنغلقة التي تشرع لأهواء الطبقات والفئات فتحتكر حتى الوحي و تحوله إلى امتياز .
القرآن الكريم واضح وصارم بصدد عمومية الرحمة، فهو يخاطب بها الناس جميعا، لا قوما ولا جنسا ولا طبقة ولا قبيلة مخصوصة محظوظة: (يأيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين، قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا، هو خير مما يجمعون) (يونس/57 و58) إنها رحمة واسعة (ورحمتي وسعت كل شيء) تسع كل العالمين، وتعرض عليهم بيسر وتواضع شروطها البسيطة لتنال منهم جميعا بلا استثناء (فسأكتبها للذين يتقون ويوتون الزكاة و الذين هم بآياتنا يومنون الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم) (الأعراف/ 156 157).
فليس مطلوبا ممن يريد أخص أنواع هذه الرحمة وأعلاها وهي الجنة سوى أن يستجيب لفطرة التوحيد والتجافي عن الخبائث وسلامة التصرف، فإذا به ينالها إلى جانب الأنبياء والأولياء والشهداء والصديقين يتقاسمها معهم بعمله بعد أن يدخلوها جميعا برحمة الله، سواء أكان سيدا عربيا أم عبدا حبشيا، ولد بواشنطن أو درج ببكين، عاصر النبي صلى الله عليه وسلم أو أدرك زمن الدجال، لسان حاله، كحال كل المسلمين لله: (ربنا وسعت كل شيء رحمة و علما، فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك و قهم عذاب الجحيم، ربنا و أدخلهم جنات عدن التي وعدتهم و من صلح من آبائهم و أزواجهم و ذرياتهم. إنك أنت العزيز الحكيم) (غافر/ 7و8) فأية رحمة، وأي تعميم لهذه الرحمة أوضح من هذا وذاك. ولهذا لا نعجب إذا وجدنا مصطلح الرحمة في صيغة مصدر متحرر من أي إضافة أو تخصيص أو إسناد تتكرر في القرآن 79 مرة !
لا احتكار في الرحمة
إن أكبر دليل على أن الرحمة في القرآن - كما خوطب بها المسلمون- لا يمكن أبدا أن تكون مصدرا لاحتكار أو استعلاء أنها ترد مسندة إليهم في سياق الاشتراط عليهم بتصديق الأنبياء السابقين: (لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب، ما كان حديثا يفترى، و لكن تصديق الذي بين يديه، وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يومنون) (يوسف/ .111)
ولا عجب إذا كانت هذه الآية الرقيقة خاتمة لسورة سميت باسم نبي من أنبياء بني إسرائيل! إنه القرآن الذي سمي سورة كاملة منه باسم سورة الرحمان!.
ينسجم القرآن نسقيا في استعمالاته ومآلاته مع هذا التوجه العالمي للرحمة، فيتجرد من كل ما هو خصوصي باستعمال الاسم الموصول (1464 مرة ) ليتجرد من الأسماء الخاصة وينعتق من ربقة التاريخ والجغرافيا والديموغرافيا ليسبح في فضاء المواقف والأعمال والاختيارات يربط بها أحكامه وسننه وحكمه، فليس هناك قبائل ولا أشخاص ولا مناطق ولا دول ولا طوائف ولا نحل ولا أجناس ولا ألوان ولا شعوب ولا جماعات ولا أقوام ولا سلالات، أي لا تخصيص ولا امتيازات، وإنما هي ثلاث مجموعات مفتوحة مرنة، يدخل إليها من شاء باختياره أو يخرج كما شاء، معلقا طائره بعنقه: الذين آمنواوالذين كفرواوالذين نافقوا.
وإنما هي أعمال واختيارات يحاسب بها كل مكلف، سواء أكانت:الذين هاجروا، جاهدوا، اتقوا، أنفقوا، تابوا ...أم كانت: الذين ينقضون، يظنون، يكتبون الكتاب بأيديهم، اشتروا الضلالة بالهدى، يكتمون ما أنزلنا، لا يعلمون، لا يعقلون، لا يومنون...
وهي قوانين وسنن تسع الأمريكي والصيني، وليس فقط العربي والتركي، كما أنها تلائم ابن القرن الأربعين ملاءمتها لمن عاش في قرون الغابرين. وما عدا هذا من اختلاف ألوان وثقافات واجتهادات وميولات وأذواق واختيارات، فالإسلام لا يضيق بها، و إنما يراها نعما وآيات وإبداعات.
وتلك نقطة فاصلة بين صاحب دين الحق الذي يقبل بالآخر، ولو كان على ضلال، ويفسح له حيزا للتعايش والتعاون على الخير، ومن باب أولى يقبل الاختلاف معه، بل ويحترم ذلك الاختلاف ويستفيد منه ويستثمره.
لقد برهن الإسلام بما يكفي عن قبوله بالآخر، وعن قبوله بالاختلاف مع الآخر:
أ- إن الإسلام يؤسس لقبول الآخر تأسيسا عمليا وواقعيا عندما يرفض كل أشكال العنصرية تجاه الآخر، كما أنه يرفض تصنيف الآخر بسبب اللون أو الجنس أو العرق أو الاعتقاد أو لغيره من المسببات غير الاختيارية.
وهكذا تنتفي ذاتيا كل أسباب ممارسة العنف أو الإرهاب ضد الآخر لإذلاله أو إقصائه أو محوه محوا ماديا من الوجود، ما دام يتأسس في ضمير الإسلام التلقائي والمنطقي والمؤصل كل أشكال قبول الآخر، عوض كل أشكال رفضه.
لنأخذ مثلا السبب الديني، والذي قد يبدو، بالنسبة لدين كالإسلام جاء يقول إنه خاتم الديانات وأنه ناسخها والمهيمن عليها، سببا وجيها، نجد أن القرآن الكريم في عدة مقاطع عندما يحدد علاقته بالديانات السابقة، قبل أن يقول: ومهيمنا عليه، يقدم قبلها:(مصدقا لما بين يديه من الكتاب)(المائدة84-)، وليست الهيمنة إلغاء ولا إقصاء، وإنما هي منطق التصحيح والتنبيه إلى ما وقع من التحريف في هذه الديانات، وردها إلى أصلها المشترك مع الديانة الإسلامية، والذي هو الأصل الإبراهيمي أو الأصل الآدمي.
ودليلي على أن الهيمنة هنا هي مفهوم تكاملي، وليس مفهوما إقصائيا هو ما نلمسه على مستوى التصور والسلوك النبويين، و كذلك سلوك الصحابة في فقه التعامل مع غير المسلمين.
فعلى مستوى التصور، يقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث نبوي صحيح بين فيه موضعه بوضوح عبر مثال فقال:إنما مثلي و مثل الأنبياء من قبلي كرجل بنى بيتا فأحسنه و أكمله و جمله إلا موضع لبنة في ركن، ثم طفق الناس يطوفون بالبيت ويقولون ما أجمله و أكمله لولا تلك اللبنة...فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيئين.(1) فجعل النبي صلى الله عليه وسلم لدوره ولرسالته ولموقعه موقع لبنة صغيرة في ركن قصي من بيت كبير. وهذا ليس تكاملا فقط، بل هو تواضع كبير أيضا!
أما على مستوى الفقه النبوي وفقه الصحابة في التعامل مع الآخر، فعندما فتح عمر بن الخطاب بلاد فارس عرض له إشكال فقهي جديد في إطار المستجدات التي تحوج إلى اجتهاد، وهي أنه يتعامل مع نمط جديد من الاعتقادات الجماعية الذي هو المجوسية، فاستشار الصحابة واحتار في الأمر، ذلك أن القرآن والسنة النبوية يؤسسان للعلاقة مع اليهود والنصارى ضمن مفهوم أهل الذمة، بحيث تقوم العلاقة معهم داخل الدولة الإسلامية، على عقد تشارطي يسمح لهم بالعيش مع المسلمين، والتمتع بالحرية في العبادة والعلاقات الاجتماعية، على أن يترك لهم كل ما يتعلق بالأمور الداخلية، لكن المجوسية ديانة أرضية غير سماوية وغير مذكورة في القرآن الكريم، و لا يوجد موقف صريح من أهلها فيه، وانطلاقا من مبدأ التوحيد الإسلامي الصارم، يفترض أن يكون هناك موقف جذري منها و هو الرفض، فإذا بعبد الرحمن بن عوف يقول:أشهد على رسول الله أنه قال: سنوا بهم سنة أهل الكتاب، (2)
وبذلك تم توسيع مفهوم الذمية من حيث تأسيس لعلاقة إنسانية راقية تقبل الآخر، و تضمن له حقوق حرية العبادة وحرية الاعتقاد وحرية المؤسسات التعبدية، و الفقه الخاص الذي تنبني عليه العلاقات الاجتماعية والأحوال الشخصية، كما تم توسيع هذا المجال لكي يشمل كل الديانات المرفوضة مبدئيا بما فيها ديانات أرضية ووثنية وديانات ليس فيها موقع لله أصلا.
ب- أما بصدد قبول الاختلاف، فالإسلام ينظر إلى الاختلاف كطبيعة، أي أنه جبلة بشرية متأصلة، فلا يعتبره القرآن العظيم انحرافا و لا منكرا، و لا استثناء، بل ينظر إليه على أنه الأصل. يقول تعالى:(و لا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك، ولذلك خلقهم)(هود81-)، فيبين بذلك أنه خلقهم من أجل الاختلاف، وأن الاختلاف جزء من طبيعة وجودهم، لا ينتفي إلا بانتفائهم. والاختلاف في التصور الإسلامي رحمة، يكفي ما يقال عن خلاف الفقهاء: خلاف العلماء رحمة، لأن الاختلاف يؤسس للاجتهاد في الرأي، ولأن الاختلاف في زوايا النظرة الشرعية أو الفقهية أو السياسية هو الذي يؤسس للاجتهاد، ولأن الاختلاف جزء من الحرية، فإن الإسلام يجعل من حق الإنسان أن يختلف، ويبني هذا الاختلاف كسلوك فطري على أرضية هي في عمق هذه الفطرة، هي التوق إلى الحرية، والرغبة في الحياة بحرية. كما ينظر الإسلام إلى الاختلاف على أنه خصب، وأن التعدد في زوايا النظر يؤدي إلى إخصاب الفكر والواقع الإنساني، بل والمشهد البشري على الأرض.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.