بعد أثنار في إسبانيا هاهو بلير يشرع في حصاده المر نتيجة حربه القذرة على العراق، والتي لم تقنع أحداً منذ البداية، فيما جاء الفشل في العثور على أسلحة الدمار الشامل ليؤجج أوار المعارضة. أما قصص التعذيب وقبلها الرفض العراقي للاحتلال والانطلاقة السريعة لحركة مقاومته، فقد شطبت بدورها المشروع السياسي للحرب. لولا الموقف الإيراني الذي يجد صداه في مناطق الجنوب العراقي، وحيث تتمركز القوات البريطانية، لكان وضع بلير أكثر سوءً بكثير، ولا شك أن هناك ما تدفعه حكومة لندن للإيرانيين لقاء ذلك الهدوء الذي تتمتع به قواتهم، والذي لا يعود بحال إلى حضارية تعامل الجندي البريطاني قياساً بالأمريكي، فقصص التعذيب كان لها حضور هناك أيضاً، لكن جوهر اللعبة مرتبطة في الأصل بالمقاومة ومطاردتها، وحين لا تتوفر فلن يكون هناك ما يبرر القمع. نقول ذلك على خلفية الهزيمة القاسية التي مني بها حزب العمال بقيادة بلير في الانتخابات المحلية وانتخابات البرلمان الأوروبي، الأمر الذي جعله نقطة الضعف الكبيرة للحزب، بعد أن مضى زمن كان فيه هو نقطة القوة الأساسية وليس أحداً آخر. من الواضح أن بلير لا يفكر بالاستقالة، فهو متشبث بالسلطة وبصاحبه بوش حتى النهاية، ليس في العراق فقط، وإنما في مختلف السياسات الشرق أوسطية أيضاً، وعلى رأسها المتعلقة بالقضية الفلسطينية التي تجد صداها أيضاً في الشارع البريطاني، وهاهما يجاهدان بكل السبل لاستعادة الإجماع الدولي حولهما في العراق ، وعبر تنازلات قد لا تكون كبيرة، لكنها مهمة بالنسبة إليهما. وكل ذلك بالطبع على أمل أن يجدا سبيلاً للخروج من الورطة. يعتقد بلير أن نجاحاً كهذا يمكن أن يمنحه فرصة للصعود، وهو أمر ربما كان صحيحاً قياساً بموجة الهبوط الحالية، لكن واقع الحال يقول إن الأهداف الإمبريالية قد غدت إشكالية من أصلها في الوعي الأوروبي، خلافاً للوعي الأمريكي، وإن بدا أن ثمة حضوراً ما لهذه البضاعة الفكرية في الساحة الأمريكية أيضاً. في الشارع الأوروبي هذه الأيام نزوع نحو رفض الروح الإمبريالية في التعامل مع الشعوب الأخرى، نعني على مستوى الشارع، والسبب الأول هو ثورة الإعلام وسطوة الصورة . أما السبب الآخر فهو عدم شعور الإنسان الأوروبي بالحاجة المنطقية إلى ذلك وملامح عودة اليسار والأفكار الإنسانية والاجتماعية إلى الساحة من جديد. ولا ننسى هنا وجود الجاليات العربية والمسلمة والعالم ثالثية عموماً، ودور بعضها في تتبع قضاياها. وهذه بالذات كان لها حضورها في الانتخابات البريطانية الأخيرة. بلير يخسر، ولولا هشاشة القيادة الأخرى لحزب المحافظين بقيادة اليهودي مايكل هوارد لقلنا إن وضع حزب العمال بات سيئاً على رغم إنجازاته الاقتصادية الجيدة خلال الأعوام الأخيرة. وقد كان لافتاً أن يصوت البريطانيون في انتخابات محلية لحسابات خارجية، وشرق أوسطية تحديداً، وهي التي كانت تجري على أسس من التنافس على الخدمات المحلية والبرامج الاقتصادية للأحزاب. بقي أن نقول إنه لا بد لنا من الترحيب بهذه التطورات في الوعي الأوروبي، والتي تؤكد أن موقف الشعوب شيء، وأنظمتها المحكومة للروح الإمبريالية ولضغوط اللوبيات الصهيونية شيء آخر. ياسر الزعاترة - كاتب فلسطيني