مطار مراكش المنارة يتوج كأفضل مطار جهوي في إفريقيا لعام 2026    محمد وهبي يغير جلد المنتخب الوطني ويؤكد فتح صفحة جديدة    المغرب بطل أفريقيا 2025 – كيف حدث هذا وهل يمكن أن يتغير؟    القصر الكبير.. توقيف شخص للاشتباه في تورطه في محاولة القتل العمد والضرب والجرح بواسطة السلاح الأبيض    السجن النافذ لشاب بطنجة بعد إدانته بالاعتداء الجنسي على شقيقته القاصر    "البوليساريو" والجزائر في الميزان الأمني الأمريكي    الحكومة تقوي منظومة الأدوية الوطنية    الصيادلة يحتجون أمام مجلس المنافسة    6 دول مستعدة لتأمين مضيق هرمز    عيد الفطر على وقع اضطرابات جوية: أمطار ورياح وانخفاض في الحرارة    اتفاقية تعزز مجال "الأملاك الوقفية"    العدول تتجنب التوجيهات بشأن الهلال    رحيل أبي العزم .. "صانع المعاجم" وازن بين البحث العلمي والعمل السياسي    حجز وإتلاف 602 طنا من المواد غير الصالحة للاستهلاك خلال رمضان    استثناء مغربي جديد، ملعب «كرة القلم!»    حَنَّ    الحكومة تصادق على ثلاثة مراسيم جديدة تهم القطاع الصحي    تعيينات جديدة في مناصب عليا خلال المجلس الحكومي    في منشور لرئيس الحكومة.. السيادة الصناعية والأمن المائي من أولويات التوجهات الميزانياتية 2027-2029    احتقان متصاعد داخل المحافظة العقارية ونقابة تدعو لاجتماع حاسم في أبريل    ارتفاع أسعار الغاز في أوروبا بنسبة 35% بعد الهجوم الإيراني على راس لفان في قطر    الصمود ‬الاقتصادي ‬قرين ‬الصمود ‬السياسي    مؤشر الإرهاب العالمي 2026 يصنف المغرب ضمن الدول الأكثر أمانا    نقابة تعليمية تندد بضغوط مهنية داخل "مؤسسات الريادة" بجهة سوس ماسة وتدعو لتدخل عاجل            الحكومة ‬تطلق ‬دعماً ‬استثنائياً ‬لمهنيي ‬النقل ‬لمواجهة ‬ارتفاع ‬أسعار ‬المحروقات    الأحمر يفتتح تداولات بورصة الدار البيضاء    رابطة الرياضيين الاستقلاليين تتفاعل مع القرار التاريخي للجنة الاستئناف ب"الكاف"    عابر كلمات.. "سيرة الألم من الذات إلى العالم"    السُّكَّرِيّ: العِبْءُ النَّفْسِيُّ لِمَرَضٍ لا يَمْنَحُ مَرِيضَهُ أَيَّ اسْتِرَاحَةٍ    هيئة مغربية تدعو لوقفات احتجاجية بمختلف المدن في "جمعة الأقصى"    صور تكشف كلفة التصعيد العسكري    موتسيبي: لا يوجد بلد إفريقي يعامل بطريقة أكثر امتيازا أو أكثر أفضلية    ارتفاع أسعار الغاز في أوروبا بنسبة 35% عقب هجوم على منشأة طاقة في قطر    لجنة البطاقة الفنية تنهي دراسة الطلبات المودعة الى غاية 31 دجنبر الماضي    بسبب التحضير لإنزال وطني بطنجة.. وزارة الصحة تدعو النقابة الوطنية للصحة إلى حوار ثلاثي    خطة صينية لتحديث محطات الطاقة الكهرومائية بحلول 2035    ليالي أوروبية مشتعلة ترسم ملامح الكبار.. قمم نارية تشتعل في ربع نهائي دوري الأبطال        الإمارات ترفض شائعات تقييد الأموال        ضيعات سوسية تجرد خسائر عاصفة    وزير خارجية عُمان: أمريكا أخطأت بتورطها في حرب "غير شرعية".. والاعتماد على المظلة الأمريكية أصبح نقطة ضعف لأمن الخليج    ظل الأفعى    الحسيمة .. صيد "القرش المتشمس" يثير أسئلة علمية حول تحولات البحر المتوسط    وداعا.. أستاذ الأجيال عبد الغني أبو العزم    قصف "المركز الثقافي للكتاب ببيروت"    تكريم الدكتور عبد الواحد الفاسي في أمسية رمضانية بالقنيطرة    رسميا.. تحديد مقدار زكاة الفطر بالمغرب لهذه السنة    كيف تتغير مستويات الكوليسترول في جسمك خلال الصيام؟    دراسة: الإفراط في الأطعمة فائقة المعالجة يهدد صحة العظام    إحياء ‬قيم ‬السيرة ‬النبوية ‬بروح ‬معاصرة ‬    خمس عادات تساعدك على نوم صحي ومريح    لا صيام بلا مقاصد    الريسوني يحذر من تصاعد خطاب التكفير والطائفية بعد العدوان على إيران        عمرو خالد يقدم "وصفة قرآنية" لإدارة العلاقات والنجاح في الحياة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



مشروع القانون الخاص باستطلاعات الرأي إجهاز صارخ على حرية التعبير
نشر في المساء يوم 22 - 05 - 2008

قدمت مجموعة من النواب الاستقلاليين مؤخرا مشروع قانون يتعلق بإنجاز ونشر استطلاعات الرأي الخاصة بالانتخابات والاستفتاءات في المغرب. وما يلفت النظر في هذا المشروع هو أنه مناف تماما للحقوق الأساسية في ميدان البحث والحرية العلمية والأكاديمية ولحرية التعبير، كما أنه يتوخى فرض مراقبة صارمة تصير الدولة بمقتضاها أخا أكبر (بالمفهوم الأورويلي) يتحكم في كيفية إجراء البحوث والاستطلاعات ويعاقب بالحبس والغرامة من يخالف أوامرها ورؤاها.
الملاحظة الأولى التي تبادرت إلى ذهني وأنا أقرأ مشروع القانون هي أنه ينم عن نوع من الخوف والفزع من قوة وسلطة استطلاعات الرأي. كما يخاف الكثير من سياسيينا من سلطة الصحافة وجرأتها ونقدها، ويحاولون منعها عن تأدية دورها، فإنه يبدو أن النواب الذين صاغوا مشروع القانون حول استطلاعات الرأي يتضايقون من كون البحوث الميدانية حول آراء المواطنين تسير عكس انتظاراتهم وتصوراتهم لدورهم في المجتمع كأحزاب سياسية. الاستطلاعات تعبر عن سلطة رمزية للشعب يعبر عنها خارج القنوات التي تتحكم فيها المؤسسات السياسية التقليدية من أحزاب ودولة وانتخابات، ولهذا فهي تشكل خطرا حقيقيا على مصالح وطموحات النخب التي ظنت نفسها أحسن ممثل للشعب على مر العقود.
الإشكالية الثانية التي يطرحها مشروع القانون هي أنه يعتبر كل بحث اجتماعي أو ميداني يتوخى رصد توجهات الرأي العام أنه استطلاع للرأي، ولهذا فهو ينطبق عليه القانون المقترح. من هذا المنظور، فإن أي وحدة للبحث أو أستاذ أو مجموعة من الباحثين أو الطلبة وضعوا بحثا ميدانيا مبنيا على الاستمارة أو المقابلة أو التصويت الإلكتروني لاستقصاء آراء أو مواقف أو توجهات المواطنين، عليهم أن يضعوا لدى اللجنة ملفا يتضمن بالإضافة إلى الاسم والصفة القانونية عدد الأشخاص المطلوب استجوابهم وتواريخ الاستجواب ومنهجية تكوين العينة ومنهجية الاستجواب وكيفية استخلاص وتأويل النتائج، إلى غيرها من الشروط التي ستجعل من البحث الميداني عملا مستحيلا أو بطوليا تتدخل فيه الدولة وتسيّسه حسب هواها. ليس في هذا إجهاز على الحرية الأكاديمية والحرية العلمية فحسب، ولكنه رجوع إلى أزمنة كان فيها العلم ممارسة محفوفة بالمخاطر تخافه الدولة والمؤسسات الدينية، بل يؤدي بأصحابه إلى السجن أو المشنقة.
قبل اثنتي عشرة سنة، استقال حوالي عشرين أستاذا من جامعة الأخوين لا لشيء إلا لأن الرئيس السابق للجامعة اتخذ قرارا بخلق لجنة تراقب البحوث المنجزة للتأكد من «علميتها»، أي من أنها نقية سياسيا وهو ما اعتبره الأساتذة المستقلون ضربا للحرية الأكاديمية كما هي متعارف عليها وطنيا ودوليا. مشروع القانون المقترح هو كذلك محاولة لضرب الحرية العلمية في العمق. إنه يؤسس لرقابة فكرية وإيديولوجية وسياسية تمارس بمقتضاها الدولة سلطة تخوّل لها تكييف استطلاعات الرأي ولجمها والحيلولة دون تأثيرها على الرأي العام. تكون قد سبقت هذا غربلة من له الحق في القيام بالبحوث الميدانية حول آراء المواطنين من خلال اعتماد مؤسسات دون أخرى، وهو ما يعتبر ضمنيا إقصاء لوحدات البحث ومجموعات الدراسة ومجموعات الطلبة والاستطلاعات الإلكترونية التي تقوم بها الصحف ومواقع الشبكة العنكبوتية وغيرها.
غير أن القشة التي تقصم ظهر البعير في مشروع القانون المقدم من طرف مجموعة من النواب الاستقلاليين هي ما سموه «باللجنة الوطنية لاستطلاعات الرأي». ما هي مهمة هذه اللجنة؟ التأكد من حياد وموضوعية ونزاهة استطلاعات الرأي. أي أن هذه اللجنة هي من سيقول هل الاستطلاع الذي سيتم إنجازه تتوفر فيه شروط العلمية والموضوعية، أي أن لجنة معينة بطريقة رسمية هي من سيبت في أمور دقيقة تتعلق بطريقة اختيار العينة (وهي أمر فيه نظريات متضاربة) وكيفية صياغة الاستمارة (شيء معقد مازالت مدارس مختلفة تتصارع وتتناقش حوله منذ القرن التاسع عشر) وكيفية معالجة وتحليل المعطيات (وهو أمر يثير جدلا واسعا داخل أوساط المتخصصين).
هل للجنة مكونة من قاضيين وعضو من الهاكا وآخر من المجلس العلمي وثلاثة أساتذة جامعيين متخصصين في السياسة والإحصاء وممثلين عن مديرية الإحصاء، هل لهم السلطة العلمية والفكرية للبحث في قضايا منهجية أرّقت باحثي العلوم الاجتماعية على المستوى الدولي على مر عقود من الزمن، وكتبت حولها المئات بل الآلاف من الكتب والبحوث، وستبقى قيد الدرس مادام أن موضوع البحث هو الإنسان بتعقيداته وتلويناته وقابليته للتغير والتحول من موقف إلى آخر؟ البحث العلمي يقتضي الحرية اللامشروطة إلا بشروط الدقة والموضوعية، وهي شروط يحددها العاملون من أساتذة وباحثين وطلبة ومؤسسات متخصصة يتم بمقتضاها الأخذ بما هو علمي والإشادة به ونشره من جهة، وانتقاد وتهميش ما هو غير علمي دون قمعه من جهة أخرى. الحرية الأكاديمية والعلمية تسمح لما هو صالح ولما هو طالح بالوجود أملا في أن المجموعة ستغلّب ما هو صالح في إطار نظرة شبه داروينية تقتضي البقاء للأصلح. لكن ما لا يقبله المنطق والتقليد العلمي هو وضع مؤسسة رسمية تشبه البوليس الفكري تبت في قضايا علمية وكأننا نعيش تحت حكم بول بوت أو الطالبان أو الملالي أو غيرها من الأنظمة التوتاليتارية.
مهمة هذه اللجنة تكمن ليس فقط في اعتماد مؤسسات معينة (دون غيرها) والسماح بإنجاز بحوث دون غيرها، ولكن كذلك في إرغام مؤسسات على نشر توضيحات وتصحيحات بالطريقة التي تحددها هي وإلا فإنها تقوم بالعملية بنفسها على نفقة المخالف. إذن، هذه مؤسسة لها سلطة الاعتماد وسلطة البت في عملية الاستطلاعات المزمع إنجازها وسلطة التصحيح والتصويب، وما على مؤسسة البحث أو الاستطلاع إلا الامتثال والطاعة دون أن تكون لها أية وسيلة للطعن أو النقض أو الاحتكام إلى مؤسسة محايدة.
ماذا سيكون الوضع إذا خلصت مؤسسة جامعية أو علمية إلى أن بحثا معينا يستوفي شروط العلمية والموضوعية الواجبة بينما كان للجنة رأي آخر؛ أو العكس: ماذا لو قبلت اللجنة بحثا معينا بينما انتقدته مؤسسات متخصصة أو علمية أو أكاديمية لأنه لا يستوفي شروط العلمية؟ ما لا يدركه من وضعوا هذا المشروع هو أن العلمية والموضوعية لا يمكن تقنينهما أو ضبطهما ضبطا شرعيا أو قانونيا، إنهما غايات تطمح إليها مؤسسات جامعية أو علمية أو مؤسسات متخصصة وتضع لها ضوابط علمية وتقنية، وتتولى المجموعة العلمية أو المهنية والرأي العام تقييم موضوعيتها ومهنيتها ومن كان له رأي بشأنها، بما في ذلك الدولة والأحزاب والمؤسسات والأشخاص الذاتيين، فما له إلا أن يعبر عن ذلك عبر القنوات المتاحة. أما أن تنصّب الدولة نفسها طرفا وحكما وسلطة للرقابة العلمية والسياسية والدينية، فهذا يعدّ ضربة موجعة للحرية الفكرية والحرية العلمية وحرية التعبير.
أخيرا، تقول المادة السابعة «بمنع نشر أو بث أي تعقيب على نتائج كل استطلاع للرأي، داخل الشهر الذي يسبق التصويت»، وتمنع المادة الثامنة «استعمال نتائج كل استطلاع للرأي خلال الحملة الانتخابية»، وبالإضافة إلى أن هاتين المادتين تتناقضان في ما بينهما، فإنهما تطرحان تعقيدات إضافية حول تقنين فترات ما قبل الانتخابات نحن في غنى عنها. ما القصد من تجريم من استعمل نتائج استطلاع الرأي لاستمالة المواطنين للتصويت عليه؟ ماذا يمنع الآخرين من قراءة الاستطلاعات بطرقها الخاصة أو القيام باستطلاعات خاصة للتأكد من نتائج البحث محط النقاش؟ هل المواطنون سذّج بطريقة كبيرة تجعلهم يتأثرون بسرعة بنتائج استطلاع للرأي؟ كيف سنتأكد من أن المرشحين والعاملين في إطار الحملات الانتخابية استعملوا أو لم يستعملوا نتائج بحث معين أو استطلاع للرأي؟ إن تم تبنيه، سيصبح هذا المشروع وسيلة لخنق الحياة السياسية وتوتير الحملة الانتخابية، وسيتم استعماله من أجل طبخ حسابات سياسية أكثر منه وسيلة للحفاظ على المنافسة الشريفة.
عوض محاولة تقنين استطلاعات الرأي لماذا لا تتبنّى الحكومة سياسة إيجابية (لاقمعية) يتم بموجبها تشجيع خلق المقاولات ووحدات البحث ومجموعات الدراسة المتخصصة في الميدان. هذا من شأنه أن يخلق تراكما كميا سيؤدي لا محالة بالعاملين والمهنيين إلى أن ينظموا أنفسهم (بإيحاء وتشجيع من الدولة) ويضعوا مواثيق أخلاقية تضبط مهنتهم. هكذا نضمن الحرية العلمية وحرية التعبير وندفع بالمهنة إلى تنظيم نفسها دون أن ننصّب أنفسنا رفيقا أكبر يراقب العاملين في الميدان ويحصي أنفاسهم.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.