مفاوضات واشنطن حول الصحراء تجاوزت ما هو قانوني وسياسي وتتحول إلى تفاصيل تقنية    الزهراوي يبسط قائمة مكاسب وتحديات انضمام المغرب إلى "مجلس السلام"    المغرب يسجل 109 آلاف و644 مقاولة جديدة سنة 2025.. والتجارة في المقدمة    جنوب إسبانيا وبحر ألبوران يشهدان نشاطاً زلزالياً متواصلاً خلال الأسابيع الأخيرة    توقيف هولندي مبحوث عنه دولياً بمرتيل في قضية نصب بملايين الأورو    البوركينابيات يختبرن "لبؤات الأطلس"    أخنوش يعتني بإصلاح منظومة التعليم    سلطات طنجة تشرع في تطبيق منع الوقوف والتوقف بكورنيش مرقالة    مديرية الضرائب: 2 مارس المقبل آخر أجل لإيداع الإقرارات السنوية    "وكالة الدعم" تفتتح أول تمثيلية ترابية    توقيع اتفاقيات استراتيجية لتعزيز حكامة ورقمنة قطاع الصناعة التقليدية    الشرطة القضائية بمدينة أصيلة توقف أربعة أشخاص للاشتباه في تورطهم في ترويج المخدرات    توقيف خمسة حكام عقب مباراة الرجاء الرياضي واتحاد طنجة    مدير جديد لمتحف "اللوفر" في باريس    المواطنة فوق الحديد: عن حيادية سيارات الموتى    ندوة « نموذج الدولة الاجتماعية في المغرب (قراءات أكاديمية وقانونية ونقدية) « بابن امسيك اسباتة    الكتابة الإقليمية تسطر برنامجها الإشعاعي لشهر رمضان بتطوان    توقعات أحوال الطقس ليوم غد الخميس    ألمانيا تطالب "الفيفا" بتأمين ضمانات أمنية لكأس العالم 2026 بسبب موجة العنف في المكسيك    عمالة القنيطرة تنوه بمسؤولية الساكنة    نادي أولمبيك آسفي يتعاقد مع خطوي    من الموانئ إلى أسواق الجملة .. وفرة السردين تسائل "اختلالات التقسيط"        إنييستا يطالب لامين يامال بمواصلة العمل والتطور مع برشلونة    الناقد مصطفى الطالب: إفلاس الدراما الاجتماعية يسيء إلى الأسر المغربية    قطع من أعمال تلفزية وسينمائية تعرض في مزاد    التزام ‬المغرب ‬بحقوق ‬الشعب ‬الفلسطيني ‬فوق ‬كل ‬اعتبار    أزيد من 2.8 مليار رحلة خلال عطلة الربيع بالصين    قتيل في تحطم طائرة "إف-16" بتركيا    عبد اللّه البقالي يكتب: حديث اليوم    أسعار صرف أهم العملات الأجنبية مقابل الدرهم    منظمات ‬صيدلانية ‬إفريقية ‬ودولية ‬تساند ‬الصيادلة ‬المغاربة    ترامب يتهم إيران بتطوير صواريخ قادرة على بلوغ الولايات المتحدة وطهران تردّ باتهامه ب"الكذب"    القضاء الألماني يرفض دعوى المغرب ضد وسائل إعلام ويؤكد: الدول لا تتمتع بالحق العام ولا تملك "شرفًا شخصيًا"    "إصابة ذكية" لحارس نانت تمنح زملاءه الصائمين فرصة الإفطار    أربعة قتلى في هجوم طعن بسياتل بالولايات المتحدة    ملحق أبطال أوروبا.. بودو غليمت يصدم إنتر وأتلتيكو وليفركوزن ونيوكاسل يعبرون للثمن    برنامج فرصة.. 28 فبراير آخر أجل للاستفادة من تأجيل سداد قروض الشرف    التنسيق النقابي الوطني بقطاع الصحة يدعو إلى تسريع إخراج مرسوم الحركة الانتقالية وتثبيت المكتسبات    ترامب يؤكد أن الرسوم الجمركية "ستظل سارية تحت صيغ قانونية بديلة"    بلقزيز: "الاستعلاء الأوروبي" لوثة عنصرية مستمرة أثرت في الاستشراق    فرانس 24 العربية تعتذر بعد أن وقعت في فخ حساب مزيف على منصة "إكس" نُسب إلى ناصر بوريطة    "بانوراما سبور" يستضيف البطل العالمي السابق "سعيد المريني"    جمعيات تضع مشاكل حي سمسة على طاولة حزب الاستقلال بتطوان والطوب والصالحي ينوهان بتعاون السلطات    بيدري: "لامين يامال أوقف تشغيل الموسيقى في غرفة الملابس بسبب شهر رمضان"    أمسية كوميدية بالدار البيضاء تجمع فاتح محمد وأسامة گسوم    لقاء بين بنسعيد وجمعية خريجي المعهد العالي للفن المسرحي يناقش الإدماج المهني والدعم المسرحي    بولتيك يطلق برنامج "مور الفطور" لإحياء ليالي رمضان 2026 بالدار البيضاء    منتجات "ديتوكس" .. آثار سلبية وتدابير صحية    لماذا تبدو شخصيات الشر متشابهة في المسلسلات المغربية؟    أرض احتضنتنا.. فهل نحترم نظامها؟    ين قصر إيش والفياضانات: رمضان يجمع الألم والأمل        دراسة: تعرض الرضع للشاشات لفترات طويلة يؤثر على نمو الدماغ    السلطات الماليزية توقف رجلاً زعم لقاء الأنبياء في سيلانجور    متى يكون الصداع بعد السقوط مؤشرًا لارتجاج المخ؟    علماء يطورون لقاحًا شاملاً ضد نزلات البرد والإنفلونزا و"كوفيد-19″    عمرو خالد: الضحى والشرح والرحمن .. توليفة من القرآن لتخفيف الأحزان    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الجنرال فرانكو.. دكتاتور فنان يؤمن بالبركة المغربية
وصل إلى السلطة على أكتاف المقاتلين المغاربة.. ثم نبذهم
نشر في المساء يوم 10 - 03 - 2009

كان الدكتاتور الإسباني الراحل فرانسيسكو فرانكو كاثوليكيا متزمتا ويؤدي طقوسه الدينية بانتظام، ليس فقط لأنه يؤمن بها، بل أيضا من أجل أن يستدر عطف الكنيسة التي كانت وقتها تحكم من وراء ستار.
لكن فرانكو، الذي عاش في المغرب سنوات طويلة، ربما تأثر أيضا بشيء اسمه البركة، لذلك كان يزين قصره في مدريد أو في إقاماته الأخرى بعدد من اللوحات الفنية التي رسمها بنفسه، والتي تشي بأنه كان يؤمن بالبركة على الطريقة المغربية، والتي بفضلها وصل إلى السلطة وظل فيها 40 عاما.
من بين ثلاث لوحات زيتية عرضت للبيع مؤخرا في مزاد علني بإسبانيا، والتي رسمها الدكتاتور الإسباني الراحل بنفسه، كانت اثنتان منها لأضرحة مغربية يجلس حولها مغاربة بجلاليبهم التقليدية وهم يتبركون بجدرانها، وهي لوحات يمكن أن تعتبر غريبة بالنسبة لرجل سلطة حكم إسبانيا بيد من حديد لمدة تقارب الأربعين عاما وكان كاثوليكيا متزمتا. لكن الرجل ظل يحتفظ بها لسنوات طويلة وكأن له فيها سرا خاصا، رغم أن ورثته لم يعودوا يؤمنون بالبركة المغربية كما آمن بها هو فقرروا بيع تلك اللوحات، وكل لوحة لا يقل ثمنها عن عشرة آلاف أورو، مع أنهم لا يزالون يحتفظون في المغرب بالكثير من الأملاك والعقارات التي تدر عليهم الكثير من المال.
آثار فرانسيسكو فرانكو، التي أصبحت تنقرض، لا تتجسد في لوحاته الزيتية المغربية فقط، بل أيضا في تماثيله التي كانت تملأ المدن والقرى الإسبانية، قبل أن يقرر الاشتراكيون هدمها خلال الأشهر الماضية. لقد أزال رئيس الوزراء الحالي، خوسي لويس ثباتيرو، مباشرة بعد وصوله الحكم في أبريل من سنة 2004، تماثيل الجنرال من ساحات إسبانيا، لأنه لم ينس ما فعله بأسلافه الاشتراكيين في العقود الماضية وقرر أن ينتقم من أصنام الدكتاتور الذي ظل متربعا على ساحات المدن الكبرى في البلاد فوق حصانه الحجري كأنه يهدد الإسبان بأنه سيعود إليهم يوما. لقد كان فرانكو يمارس حكمه بطريقة هي مزيج من الدكتاتورية الأوروبية والطريقة العربية في إخضاع الرؤوس والنفوس، لذلك زرع تماثيله في كل مكان وكان الناس يبجلونه إما خوفا أو إعجابا. كان يعرف أن هناك إسبانا كثيرين لا يحترمونه، لذلك قرر أن يجعلهم يخافون منه، والخوف في السياسة أكثر نجاعة بكثير من الاحترام. أن يخاف منك شعبك أفضل بكثير من أن يحترمك.
صدور المغاربة
الجنرال فرانسيسكو فرانكو الذي غيبه الموت قبل ثلاثين عاما لم يكن إسبانيّا تماما. كان نصفه إسباني ونصفه مغربي. كان يعرف عامية سكان شمال المغرب لأنه عاش بينهم سنوات طويلة. ويحكي عنه الذين عايشوه عن قرب أنه كان يحفظ الكثير من الأغاني المغربية الشعبية عن ظهر قلب، وضرب على الدف في الليالي التي كان مزاجه فيها رائقا. كان يحفظ على الخصوص أغاني جبلية من شمال المغرب، أو أغاني ريفية يردد بعض مقاطعها بين الفينة والأخرى، وكان كثيرون يعتقدون أن هذا الجنرال ولد في إسبانيا عن طريق الخطأ، وأن مكانه الطبيعي هو المغرب. وفي تطوان لا يزال هناك ذلك البيت المتواضع الذي كان يسكنه حين كان مستقرا بشمال البلاد أيام الملك ألفونسو الثالث عشر، وبعده أيام الجمهورية التي لم تعمر طويلا.
المغرب لم يكن فقط حاضرا في حياة فرانكو من خلال مقامه فيه أو إلمامه بكثير من تفاصيله، بل إن هذا البلد سيكون القنطرة التي ستوصله إلى سدة الحكم في إسبانيا، حيث ابتدأ الانقلاب من شمال المغرب، ومن هناك تم تجنيد عشرات الآلاف من المقاتلين، ومن دونهم لم يكن فرانكو ليصل أبدا إلى السلطة في بلاده. ومن بين هؤلاء المقاتلين يوجد أزيد من 10 آلاف طفل مغربي استخدموا في هذه الحرب كدروع بشرية، بل إنهم، وفق شهادات كل المؤرخين، كانوا يقاتلون بشجاعة ملفتة، وسماهم مؤرخ إسباني بالأبطال، وكل واحد فيهم كان “رامبو” في حد ذاته، لكنهم إما انتهوا في مقابر جماعية لا يتذكرها أحد، أو أنهم أصيبوا بعاهات مستديمة وظلوا يتذكرون أمجادهم ويقبضون حفنة من الدراهم كل شهر كما يقبض المتسول صدقة من العابرين.
إشاعات حربية
حياة فرانكو في المغرب علمته أن لا شيء يدفع المقاتلين المغاربة لكي يتجندوا في صفوف جيش دولة مستعمرة، لذلك كان لا بد من خلق سبب ما يدفعهم إلى ذلك، وهذا ما روج له أتباعه من الإسبان والمغاربة إشاعات كثيرة وعلى قدر كبير من الغرابة ويحتاج تصديقها إلى سذاجة غير معهودة.
أولى الإشاعات التي روجها فرانكو كانت هي انه اعتنق الإسلام، وقال كثيرون إنه شوهد في مكة يؤدي مناسك الحج، وإن الذين سيقاتلون معه في إسبانيا إنما يقاتلون إلى جانب زعيم مسلم ومؤمن يحارب الكفار والملاحدة الشيوعيين.
ثاني الإشاعات التي روجها أتباع فرانكو هو أنه وعد المغاربة بأنه سيعيد إليهم الأندلس حال انتصاره على خصومه من اليساريين، وكانت هناك إشاعات كثيرة أخرى تم الترويج لها وسط بيئة فقيرة ومعوزة، وفي ظروف يطبعها البؤس والمجاعة.
لكن هذه الإشاعات لم تلعب دورا كبيرا في تجنيد المغاربة حوله لأن الذين قبلوا الالتحاق بجيشه إما أنهم كانوا من الراغبين في الحصول على امتيازات، أو أنهم كانوا يرغبون في تامين العيش والمأكل والمشرب، بينما عشرات الآلاف الآخرين كانوا يجنّدون بالقوة وتحت إرهاب السلاح. ولا زال شيوخ يتذكرون كيف أنهم تم خطفهم من بين أحضان أمهاتهم ليتم تكديسهم في شاحنات حتى يكونوا حطبا في حرب متوحشة وغاية في الضراوة.
البركة هنا وهناك
بعد وصول فرانكو إلى السلطة فإنه ظل لسنوات طويلة لا يثق في بني جلدته من الإسبان، وكان حرسه الخاص مكونا مائة في المائة من المغاربة، وهو ما كان يسمى بالحرس المغربي، أو “لاوارديا مورا” بالإسبانية.
وفي الوقت الذي أوصل المغاربة فرانكو إلى دفة الحكم في إسبانيا وحموه من أعدائه لسنوات طوال، فإن إسبانيا ظلت محتفظة بشمال المغرب الذي صار منطقة شبه إسبانية، حتى إن فرانكو وعد سياسيين من شمال المغرب بدعم انفصالهم عن المغرب من أجل الالتحاق بإسبانيا، قبل أن ينقلب عليهم في آخر لحظة، وهو المتعود دائما على اللعب على الحبال بمهارة فائقة.
مياه كثيرة مرت من تحت الجسر منذ ذلك التاريخ، وإسبانيا اليوم ليست هي إسبانيا الأمس، ومغرب اليوم يشبه كثيرا مغرب كل الحقب.
لقد عاش فرانكو طويلا في المغرب وعرف أن الأشياء تسير فيه بالبركة أكثر مما تسير بالتخطيط والدراسة، لذلك زين قصوره بلوحات الأولياء والأضرحة.
لقد وصل فرانكو إلى حكم إسبانيا عن طريق بركة المغاربة، وعلق في قصوره لوحات ترمز إليها، وبذلك لم يكن هناك في الماضي فرق بين ضفتي مضيق جبل طارق، حيث كان المغرب وإسبانيا “يمشيان” بالبركة. لكن اليوم اختلفت الأمور، فإسبانيا صارت تمشي بالتخطيط والسياسة الحكيمة، بينما المغرب ما يزال يسير بالبركة... كما كان دائما


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.