عطلة استثنائية يوم الإثنين 23 مارس 2026 بمناسبة عيد الفطر المبارك    نايف أكرد يغيب عن مرسيليا لعدة أسابيع بعد خضوعه لعملية جراحية        تباين حراري و"برودة أوروبية" .. الأرصاد تفسر التقلبات المناخية بالمغرب    دورية لرئيس النيابة العامة لتعزيز حماية الفئات الخاصة وتسهيل ولوجهم للعدالة    مكتب الصرف يقر تسهيلات بنكية للاستيراد لمواجهة تداعيات "حرب إيران"    تحطم طائرة تزويد بالوقود تابعة لسلاح الجو الأمريكي في العراق ومقتل 4 من أفراد طاقمها    أقرطيط: الجزائر ترفع شعار الممانعة علناً وتستعين بإسرائيل في الكواليس        حكيمي لأكرد بعد خضوعه لعملية جراحية: "قليل من الناس يعرفون ما الذي عانيته.. أنا متأكد أنك ستعود أقوى"    استشرافا للاستحقاقات المقبلة .. «الكتابة الإقليمية للاتحاد الاشتراكي باكادير ترسم خارطة طريق تنظيميا وسياسيا»        بعد أقل من 4 على تدشينه.. مشروع موّلته الداخلية والفلاحة في تارودانت بأكثر من 1.65 مليون درهم يُعرض للبيع في المزاد العلني    افتتاح معرض "المصاحف الشريفة للمكتبة الوطنية"    الدوري الإماراتي (الجولة 19).. المغربي يحيى بن خالق يقود "العين" للفوز على ضيفه "الوصل" (2-0)    تحذيرات نقابية من فتح رأسمال الصيدليات أمام مستثمرين غير صيادلة    14 سنة سجنا نافذا لمتهمين في قضيتي ترويج الكوكايين بالحسيمة    اتحاد تواركة يطيح بزمرات ويعين مختاري    بيتارش يثير الجدل: لم أحسم قرار اللعب للمغرب أو إسبانيا.. ودياز يتحدث معي عن "الأسود"        الرقم الاستدلالي للإنتاج الصناعي والطاقي والمعدني.. النقاط الرئيسية في مذكرة المندوبية السامية للتخطيط    انخفاض الأسهم الأوروبية وسط مخاوف من التضخم بسبب التطورات في الشرق الأوسط    نقابة موظفي التعليم العالي تندد بتأخر إخراج النظام الأساسي وتلوّح ب"التصعيد"    الاتحاد الأوروبي يرحب بقرار مجلس الأمن المندد بالهجمات الإيرانية    حادثة سير تودي بحياة شخصين بإقليم شفشاون    حركة مكثفة مرتقبة بالطرق السيارة    إسقاط ثالث صاروخ إيراني في تركيا    ترامب: مشاركة إيران في كأس العالم 2026 "غير مناسبة"    إسدال الستار على دوري رمضان لكرة القدم المصغرة بالسجن المحلي العرجات 2    كيوسك الجمعة | المواطن المغربي يهدر أكثر من 113 كيلوغراما من الطعام سنويا    جامعة موظفي وأعوان الشبيبة والرياضة تؤكد شرعية هياكلها التنظيمية    سلسلة انفجارات قوية تهزّ طهران    انفجارات قوية تهزّ طهران والجيش الإسرائيلي يعلن استهداف بيروت مجددا    الرئيس الفرنسي يزور كوريا مطلع أبريل المقبل    طنجة تحتضن إفطارًا جماعيًا للأسرة القضائية وتكريم نساء القضاء بمناسبة اليوم العالمي للمرأة    القضاء الإسرائيلي يبرّئ خمسة جنود إسرائيليين اعتدوا جنسيا على أسير فلسطيني في "غوانتانامو إسرائيل"    ندوة بالجديدة تناقش تداعيات الحرب    عبادي يستعرض فرص وتحديات التدين أمام فورة الذكاء الاصطناعي المعاصر    الطفل مصعب أحبيس من شفشاون أصغر حافظ للقرآن الكريم على الصعيد الوطني يفوز بعمرة ومكافأة قيمة    الصناعة التقليدية المغربية تتوج دولياً بإشبيلية بجائزة "ديموفيلو"    المجلس العلمي الأعلى: 25 درهما مقدار زكاة الفطر نقدا لعام 1447ه/2026م    الدراما الحسانية... الفن لا يتعارض مع القيم والخصوصية الثقافية    انتخابات 23 شتنبر 2026 ليست محطة انتخابية عادية    عمرو خالد يكشف سرّ سورة قرآنية وكيف تفتح أبواب الحياة المغلقة    شذرات وومضات    فاس – مكناس: مكتبة متنقلة لترسيخ ثقافة القراءة لدى الناشئة    سعد الشرايبي رئيساً للجنة تحكيم الدورة الخامسة عشرة للجامعة السينمائية بمكناس    رشيد رفيق يغضب من "شائعة الوفاة"    كفير "جودة" يحسن المناعة والهضم    دراسة تبرز حقيقة القدرة على القيام بمهام متعددة    ترجمات القرآن -19- ترجمة ريتشارد بيل للقرآن.. السجع والترتيب والتاريخ!    عندما يخفي الفشل بذور النجاح -19- فيلم «برازيل» لتيري غيليام : من من الرفض الأولي إلى التكريم    عبد الهادي بلخياط ... حكاية أغنية -19- الموسيقار عزيز حسني يتذكر «متاقشي بيا» .. عرضها حسن القدميري على سميرة سعيد وطلبها محمد الحياني لكن غناها عبدالهادي بلخياط    ماري-لويز بلعربي: حكاية ستة عقود من الشغف بالكتاب -19- فرانك بيروسيل (كتبي سابق): ماري-لويز، الإنسانية المرهفة    دعوات لتعزيز الوقاية والكشف المبكر بمناسبة اليوم العالمي للمرض .. القصور الكلوي يصيب شخصا واحدا من بين كل 10 أشخاص ويتسبب في معاناة واسعة للمرضى    الحمل ومرض السكري.. تفكيك الأفكار الخاطئة في المجتمع المغربي    كيف تدبر الأسرة اختلاف أجيالها في رمضان ؟    الفركتوز المضاف إلى الأغذية المصنعة يؤذي الكلى    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



«صمت الحواس» جديد عبد الحق ميفراني
نشر في المساء يوم 15 - 01 - 2009

اختار الشاعر عبد الحق ميفراني لديوانه الجديد، الصادر عن منشورات اتحاد كتاب المغرب؛ من الأسماء «صمت الحواس» إيذانا بالجو العام الذي يوحي به النص، وإعلانا عن المعنى منذ الخطو الأول، بما أن الأسماء لا توضع ارتجالا. حيث يعود العنوان ليظهر نفسه في مكان ما من المنجز النصي، يقول الشاعر «ص 44»:
«هم/ يعيدون/ المسجات العليلة/ حين يكسو صدري/ سواد حداد الليل/ وميسم/ الحواس/ الراقص/ بالأمس/ اصطحبت نفسي/ لصمت الحواس».
إذ إن الأصل في الحواس أن تفصح وتعلن وتسوح لا أن ترتكن إلى السكوت. وهي حالة على كل حال تفضي إلى معنى الصمت القهري والقسري والمفروض... الحواس هي التي تصل الكائن بالعالم الخارجي، وهي عتبته التي لا عتبة قبلها لإدراك الوسط الذي فيه يعيش، وهي القتلة التي عبرها يؤثر ويتأثر بالمحيط السوسيوثقافي الذي قدر له أن يحيا في أوساطه كيفما كانت هويتها، عبر هذه القناة يؤسس معرفته بالكون، ويندمج في سياقه المجتمعي، وينهل قيم مجموعته البشرية، وبها يخلق متراكمه الشخصي. وبالجملة دون هذه الوساطة اللازمة لا يمكن للإنسان أن يكون ما هو عليه، بل لا يمكنه أن يكون أصلا. إذ ما الكائن في هذه العزلة؟ وماذا تكون هويته بعيدا عن حواسه؟ لقد طرح عبد الحق ميفراني سؤالا شعريا فلسفيا إشكاليا أعاد سؤال الكينونة الجوهري إلى أصله البدائي الجميل حين كانت لحظة الحياة تبدأ بالكشف الذاتي عبر الحواس، وتلك المعرفة التي كانت تتأسس بجمال الدهشة التي تأبى إلا أن تصاحب مسار التفكير في الحياة والمعرفة والكون، وبالموازاة يشكل الكائن وجوده وهويته في الصراع والتجاوب والجدل والتصادي والتماهي معا.
إن «صمت الحواس» بقدر ما يبحر بقارئه في عالم اللغة المدهش، والبلاغة المتأملة التي تعيد للصورة بهاءها القديم الذي بدأ يضمحل في تساوق الرطانات وتضخمها وتطاولها على الجماليات، وبقدر ما يقحمه في جو الأسى الساخر الذي يخيم على الذات وهي تشيد عوالمها التخييلية من رموس الذاكرة، وأحلام اليقظة، وهواجس الآتي، وتخوفات الذات المشروعة من واقع يتفسخ ويعلو عكره صفاءه، فهو أيضا يحيل المتلقي على الجمال المصاحب، وعلى السوناتا التي تعزفها العناصر الطبيعية في غفلة منا؛ وعلى القيم الرائعة التي ترعف بها الجواهر الذاتية بالرغم من فساد الهواء المحيط، وتشنج اللحظة القاسية التي تطبق على العوالم التخييلية للديوان.
يراهن الشاعر في هذا المنجز على مخاتلة الموضوعة المتداولة نفسها لكن بحس مغاير، فما يميز الشعر ليس هو اللغة فحسب، بل هو الشعور أو الحس، إذ يمكن أن يكون الحادث عاديا لكن إحساس الشاعر المرهف بهذه الواقعة أو تلك، والطريقة التي بها يشعرن القضية هي ما يجعل المحكي الشعري مؤثرا في نفس المتلقي وحافزا على إعادة السؤال: لماذا نحن هكذا؟ وهذا هو الهدف الأكبر والأسمى للشاعر: إن يحرك في متلقيه أسئلة محيرة تجعله يعيد تشخيص واقع الحال، بل وتغييرها أيضا نحو الأرقى. إن الشاعر لا يعرض لغة أخرى، ولا يبين على مقدرته التصويرية فحسب، بل يكشف عن الكيفية الدرامية التي بواسطتها يقحم ذاته في آلام الناس، أو الآلية المستحيلة التي تجعله يشخص معاناة قاسية كامنة في قلوب الآخرين، وليس بالضرورة قلب الشاعر.
إن المحكي الشعري، في تفصيله المعنوي، هو مشكاة من الهم المقيم، وعالما تغلي فيه الآلام. يتمرأى كل ذلك عبر اللغة، وعبر الصور، وعبر المتعاليات النصية التي تُفصح أو تُخفي. ولعل توقفا قصيرا عند الحقلين الدلالي والمعجمي يفضي بالمتلقي إلى سبر هذا الملفوظ القوي الذي لا يحيل على سواه. إذ إن هناك في الدواخل حرقة تتوهج مع توالي المقول الشعري الذي لا يطفئها بقدر ما يؤججها، ولا يُنَفس من وقعها بقدر ما يزيده ضغطا على النفس وإيغالا في العمق؛ لأن الشاعر يلج اللحظة ويعيشها بصدق دون أن يفتعل ذلك ويتصنعه مثلما يفعل الكثير. فكان أن جاءت عناصر المحكي الشعري منسجمة متساوقة لا تنافر بين أجزائها ما دامت كل ينابيع التجربة تصب في قالب المعاناة الجمعية التي تشكل ذات الشاعر عنصرا من عناصر كونها المتعالق.
يجد الشاعر ضالته في اللغة؛ وفي العناصر المؤثثة للكينونة، حيث يسقط عليها مآسي الإنسان بطريقته الساخرة في توليد المعاني، وتأثيث الفضاءات، وتشييد المتخيل بالأشياء المتنافرة التي تصير فيما بعد كتلة متجانسة من المعاني الساخرة من قيم الفساد التي تهيم مثل الحرائق في عالم الشاعر. وهي حتما مشاعر يستعيرها من صميم تجربة المعاشة والمصالحة والحميمية التي تربطه بالمجموعة البشرية التي ينتمي إليها سوسيوثقافيا، يقول الشاعر «ص 46»:
«جثث الأسرى/ عيون على الدرج/ رأس في الحائط/ الأمهات يقتلن بقايا الفرح/ والريح/ تلك الواهبة/ تتركنا لفراغ الذاكرة/ ولوجع الجماجم المؤثثة للفراغ».
ويوظف الشاعر كثيرا مقولة الحديقة كمعادل رمزي للجمال المغتال يوميا من طرف الإنسان نفسه، مثلما يوظف مفردات أخرى تدل على نقيضها كنوع من السخرية المفارقة من التمثلات العدمية التي تنتشر سياقيا في الذهنيات المشبعة بالأنانية. إن الشعرية هنا تُقَوّم السلوكيات البشرية بوعي فلسفي جمالي حريص على تمثل ما هو إنساني. وهذه هي رغبة القصيدة التي تريد من خلالها ترميم صدع العالم، وإعادة الحياة إلى الأنقاض التي هشمتها المدنية الخرقاء.
ينظر الشاعر إلى اللغة وفق ترهينات خاصة، من خلالها، يسعى إلى تجديد الدوال ومنحها حياة خصبة بعيدا عن الثبات المكرور. ففي نظره المفردات تولد من جديد في القصيدة، وعلى القارئ أن يعيد استخلاص المدلولات الجديدة للرموز اللغوية التي تكاد تكون أحيانا متنافرة ومفارقة لما هو متعارف. فكل الطبقات اللغوية حاضرة، وهي تلعب دورها في اللحظات اليقظة بشكل حاسم. كما التلوينات اللغوية أيضا بما فيها الأجنبية تأتي لتؤدي وظيفتها تبعا لمقصدية الشاعر ورسالته التي يريد توصيلها إلى المتلقي. ومن بين كل هذه التفاصيل التي تعرضها الذات من الآلام، تبدو مقولة «الموت» مثل شبح يرهب الأنا حتى في لحظات الإشراق الشعري. وهي تدل على الانهيار الذي يلازم الذات الشاعرة ويجعلها تحس بهذا الألم والخوف المصاحبين.
لقد نفذ عبد الحق ميفراني إلى عالم الحواس الإنسانية، وحول هواجسها إلى لغة جديدة أشبه ما تكون بهمسات الفصول، ليعيد للدهشة الأولى، في الإنسان والكائنات، فتنتها التي لا تحاكى، والتي تظل بالرغم من هجوم المدنيات، صداحة في العمق ما تفتأ أن تعود حكايتها الأبدية.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.