البيضاء.. توقيف أربعة أشخاص متورطين في التجمهر وارتكاب أعمال العنف المرتبط بالشغب الرياضي وحيازة السلاح الأبيض    الملك يستقبل بالرباط عددا من السفراء الأجانب        تعيينات جديدة في مناصب عليا خلال المجلس الحكومي    رسميًا.. الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم تنفي تعيين خليفة الركراكي والجدل يشتعل حول هوية مدرب المنتخب الجديد    خلاف بين جارين بأمزورن ينتهي بجريمة قتل ويستنفر الأجهزة الأمنية    جامعة الكرة تناقش تقييم كأس إفريقيا    بورصة البيضاء تنهي التداولات بانخفاض    الحكومة: الأسواق ممونة بشكل كاف.. والمراقبة مستمرة لضبط الأسعار والغش    دفاع متهم يثير تقادم شحنة 200 طن مخدرات في ملف "إسكوبار الصحراء"    مسلسل "حكايات شامة"حكايات من عمق الثقافة والثرات المغربي    التامني تسائل وزير الداخلية بشأن إشعارات إخلاء وهدم بالمدينة العتيقة لسيدي بليوط خارج المساطر القانونية    رياح قوية مصحوبة بعواصف رملية مرتقبة بعدد من مناطق المملكة    اجتماع المكتب المديري للجامعة الملكية المغربية لكرة القدم    «روقان Cool» لمحمد الرفاعي تتصدر قوائم الاستماع في لبنان والمغرب    الفنان وحيد العلالي يطلق أغنيته الجديدة    جمعية الشعلة تفتح نقاش الحقوق الثقافية والتعدد في قلب التحولات المجتمعية    ابن الريف محمد وهبي يخلف وليد الركراكي في تدريب المنتخب الوطني    الأمم المتحدة: مباحثات واشنطن حول الصحراء "مشجعة" وجولة جديدة مرتقبة قبل اجتماع مجلس الأمن    الأرصاد تحذر من عواصف رملية بالمغرب        تأخر المغرب في مؤشرات إدراك الفساد يجر الوزيرة المنتدبة المكلفة بالانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة للمسائلة    رونالدو يستحوذ على 25% من نادي ألميريا الإسباني    ثريا إقبال وعبدالرحيم سليلي وحمزة ابن يخطون "مؤانساتهم الشعرية"    جهة درعة تافيلالت تكافح الليشمانيا    الجولة 14 من البطولة.. أندية الصدارة في اختبارات صعبة والمهددة تبحث عن طوق النجاة    تقرير يرصد البيروقراطية والفقر في مناطق متضررة من "زلزال الحوز"        نقابة تدعو للحكامة في وزارة ميداوي        الوسيط العُماني يقول إن واشنطن وطهران منفتحتان على "أفكار وحلول جديدة وخلّاقة"    شي جين بينغ يدعو إلى انطلاقة قوية للخطة الخمسية 2026-2030    ما بين السطور    جمعية "GORARA" تقدم عرض "حكاية النيوفة" ضمن برنامج #GORAMADAN    تحذير ‬من ‬‮«‬فوضى‮» ‬ ‬تسويق ‬أدوية ‬لإنقاص ‬الوزن ‬على ‬منصات ‬التواصل ‬الاجتماعي    سوق الثلاثاء بإنزكان.. بورصة الخضر والفواكه بالمغرب يسجل ارتفاعاً موسمياً في الأسعار رغم وفرة العرض    انتصار ‬دبلوماسي ‬يواكب ‬انتصارات ‬سيادية    عمر هلال يقدم إحاطة أمام مجلس الأمن حول الوضع بجمهورية إفريقيا الوسطى    موسكو تسلم كييف رفات ألف جندي    المصادقة على تدابير استعجالية لدعم الفلاحين المتضررين من فيضانات القصر الكبير    مقتل 129 صحافيا وإعلاميا في 2025 وإسرائيل قتلت ثلثي هذا العدد    الذهب يرتفع بدعم من انخفاض الدولار    "أسئلة معلقة" تلف حشد القناة الثانية للمسلسلات التركية خلال شهر رمضان        بنكيران منتقدا بوريطة: حديثكم عن برنامج متكامل ضد الكراهية في غزة فُسّر على أنه دعوة للفلسطينيين للتخلي عن المقاومة    الإفطار في رمضان    التنسيق الجاد بين القوى التقدمية واليسارية هو ألا تخطئ في تقديرها لخصومها وأعدائها    بيدري: "لامين يامال أوقف تشغيل الموسيقى في غرفة الملابس بسبب شهر رمضان"    منتجات "ديتوكس" .. آثار سلبية وتدابير صحية    أرض احتضنتنا.. فهل نحترم نظامها؟    ين قصر إيش والفياضانات: رمضان يجمع الألم والأمل    دراسة: تعرض الرضع للشاشات لفترات طويلة يؤثر على نمو الدماغ    السلطات الماليزية توقف رجلاً زعم لقاء الأنبياء في سيلانجور    متى يكون الصداع بعد السقوط مؤشرًا لارتجاج المخ؟    علماء يطورون لقاحًا شاملاً ضد نزلات البرد والإنفلونزا و"كوفيد-19″    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



السلطة بين الخطاب والممارسة لدى الخوارج
نشر في المساء يوم 08 - 09 - 2010

يقول الشهرستاني: «وأعظم خلاف في الأمة خلاف الإمامة، إذ ما سل سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سل على الإمامة في كل زمان»، إذ إن الصراع لم يكن منحصرا فقط في التيار المؤيد لشرط القرشية بين من يأخذون بشرط القرشية بالتعميم وبين من يأخذون بشرط القرشية بالتخصيص، بل سيدخل في إطار الصراع حول السلطة تيار آخر ستفرزه ظروف تاريخية محددة.
تاريخيا، جسد الخوارج التيار المناهض لشرط القرشية، فما هو المشروع السياسي لحركة الخوارج، وما هو الخطاب الذي أنتجته هذه الحركة لإضفاء المشروعية على مشروعها؟ سؤالان محوريان لا بد من الإجابة عنهما.
جسدت عملية التحكيم التي كان بطلاها هما علي ومعاوية لحظة ولادة الخوارج، فأغلبية الباحثين متفقون على أن الخوارج هم نتاج هذه العملية، حيث طعنوا في إمامة علي بقبوله التحكيم ورفعوا شعار لا حكم إلا لله. وهناك من يشكك في وقوع عملية التحكيم، فمن القدامى هناك ابن العربي في مؤلفه «العواصم من القواصم»، ومن المحدثين هناك فليب حتى. وهناك من يرى أن نشأة الخوارج كانت قبل عملية التحكيم.
انتقل الخوارج من مجرد مساندين إلى مطالبين بالسلطة السياسية، حيث اعتبروا أن قبول علي للتحكيم قد أسقط حقه في الخلافة، لذلك اختاروا كإمام لهم عبد الله بن وهب الراسبي. وباختياره، يمكن القول بتحول الخوارج من مجرد طائفة منشقة ترفض التحكيم إلى حزب سياسي يتطلع إلى السلطة. هاته المطالبة التي اتخذت شكلا مسلحا مبالغا فيه حتى أضحى تاريخهم دمويا يأخذ بالعنف ولا يقبل المهادنة.
منذ البداية كانت السلطة السياسية نقطة محورية في ممارسة الخوارج، حيث بحثت فرقهم عن قاعدة جغرافية-بشرية لإنشاء سلطتها السياسية وأهمها: الصفرية والأزارقة والنجدات والإباضية.
منذ البداية، أرادها الخوارج سلطة عربية. وعلى الرغم من مناداتهم بالمساواة، لم يولوا أمرهم لغير أمير من العرب، وهذا يؤكده ما فعله النجدات، حيث فارقوا نجدة الحنفي وبايعوا ثابتا الثمار وهو غير عربي، لكن سرعان ما غيروا موقفهم وقالوا: لا يقوم بأمرنا إلا رجل من العرب. وهذا المعطى يجسده مؤشران اثنان: أولهما أنه لم يوجد في صفوف الخوارج أي قرشي، وثانيهما أنه حين تمكن أبو حمزة الخارجي من الاستيلاء على المدينة أخذ يستعرض الأسرى، فمن كان من الأنصار أطلق سراحه ومن كان قرشيا أمر بقتله..
من هذا المنطلق نفهم محاولة الخوارج تصفية الزعامات القرشية يقول (Sykes) إن الخوارج عملوا على إزاحة علي بن أبي طالب من طريقهم، وذلك باغتياله لأنه كان يشكل حاجزا دون طموحهم إلى السيطرة على الدولة الإسلامية. ويؤكد محمود نايف معروف أن مؤامرتهم لم تكن تستهدف عليا فقط بل أبرز قادة قريش، معاوية وعمرو بن العاص، المؤهلين لخلافة المسلمين ليخلوَ لهم الجو للانقضاض على السلطة السياسية. وهذا يفسر لماذا لم يقوموا بمحاولة اغتيال أبي موسى الأشعري رغم أنهم كفروه. ودائما في إطار تصفية الزعامات القرشية، حاول الخوارج اغتيال الحسين بن علي.
لم يكن مشروع الخوارج مجرد إعادة إنتاج للسلطة العربية القائمة: السلطة الأموية ولو بشكل آخر، أي إقامة سلطة تميمية، أي احتكار السلطة من قبل تميم التي شكلت في البداية الخزان البشري للخوارج، بل كان مشروعهم محاولة لتجاوزها، ولكن دائما في إطار عربي. كما لم يكن مشروعهم رفضا للخضوع للسلطة السياسية، بل كان رفضا للتهميش السياسي. يؤكد العبادي في كتابه «صور من التاريخ الإسلامي» أن «الخوارج كانوا عربا من قبائل تميم وحنيفة وربيعة الذين كان لهم في الجاهلية شأن كبير بين العرب، وأنهم اعتنقوا الإسلام إعجابا بمبادئه... فأبلوا في الفتوح بلاء عظيما، وطمعوا في مجدهم التليد، ولكنهم غلبوا على أمرهم، واستأثرت أرستقراطية مكة والمدينة، فأعادوا حركة الردة، ولكن في صورة إسلامية، وبدا هذا في موقفهم من التحكيم».
وككل حركة ثورية، ساد الخوارج في البداية تطرف تجلى في رفضهم التقية، وكذلك من خلال أخذهم بالامتحان، حيث يُؤمر كل من يريد الانتماء إلى الخوارج بذبح أسير وبالاستعراض، حيث لا يقتل الخارجي خصمه فقط بل زوجته وأطفاله كذلك. هذا التطرف أو هذه الثورية المفرطة لم تسفر عن نتائج إيجابية، لينتهوا إلى الاعتدال في أواخر القرن الأول الهجري، حيث بدأت هذه المواقف المتطرفة تترك مكانا لمواقف معتدلة، وعقائد الإباضية والصفرية تجسد ذلك، حيث أخذوا بفكرة التقية ومعايشة الجماعة الإسلامية وتركوا فكرة تكفير المخالفين في المذهب.
إن عامل الاعتدال إضافة إلى إيجاد قاعدة جغرافية بشرية ملائمة استغلا بالفعل في بلاد المغرب، حيث كان المغاربة على استعداد لقبول أفكار الخوارج المناهضة للسلطة العربية القرشية، وتمكنوا من إنشاء دولتين خارجيتين: دولة بني رستم ودولة بني مدرار.
نجح مشروع الخوارج، ولكن ليس كما خطط له في البدء بل كما فرضه الواقع في النهاية. في البداية، كان الطموح إلى تأسيس دولة عربية غير قرشية، لكن في الأخير أصبحت السلطة في غير يد العرب: نموذج الدولة الرستمية، وبذلك يتطابق الخطاب مع الممارسة، ذلك أن انفصاما كان في البداية بين الخطاب والممارسة، فكان الخوارج يقولون بجواز إمامة أي شخص بغض النظر عن جنسه شريطة أن يكون مسلما، في حين كانت ممارستهم مخالفة لخطابهم.
لكن ما هو الخطاب الذي أنتجته هذه الحركة لإضفاء المشروعية على مشروعها؟
يتأسس خطاب الخوارج في المشروعية بأكمله حول فكرة الجهاد، لكنه جهاد معكوس لا ينطلق من قلب دار الإسلام، فالخوارج في بدايتهم لجؤوا إلى محيط الدولة الإسلامية، الصفرية في البداية بقيادة أبي بلال مرداس استقروا بخوزستان، والأزارقة بقيادة قطري بن فجاءة استقروا بفارس، والإباضية انطلقوا من حضرموت واليمن، والكل كان يخطط للانطلاق من المحيط لغزو دار الإسلام: مكة والمدينة، لكن الإباضية وحدهم وفقوا إلى حد ما للوصول إلى الحجاز بقيادة أبي حمزة الخارجي، واستولوا على مكة والمدينة، محققين بذلك طموحا كبيرا راود الخوارج مرارا. هذا الجهاد لم يعد يفيد نشر الإسلام بل أضحى مرتبطا بمقاومة سلطة سياسية تمارس الحكم باسمه، استحضار الجهاد يعني في نفس الوقت استحضار الرمزية الإسلامية المرتبطة به والمتجسدة في الصلاة.
لقد أكد كثير من الباحثين أن الخوارج يمتازون عن غيرهم من المسلمين (بكثرة صلاتهم حتى أضحوا ذوي جباه قرحة لطول السجود وأيد كثفنات الإبل، أنضاء عبادة واطلاح سهر).
لقد ارتكز الخوارج على الجهاد انطلاقا من مفهوم جديد منحوه للإيمان، فالإيمان ليس فقط اعتقادا داخليا أو إقرارا به نطقا باللسان، بل هو عمل خارجي. كما أنه في إطار معيار الجهاد، قسم الخوارج المجتمع الإسلامي إلى دارين: دار الكفر ودار التوحيد كما أسماها الإباضية أو دار الهجرة كما أسماها الأزارقة.
يتميز خطاب الخوارج بكونه خطابا شورويا، حيث قالوا «إن الإمامة تستحق بالشورى من قريش أو غيرهم من العرب، بل اعتبروها حقا لكل مسلم بغض النظر عن أصله وجنسه»، غير أن ممارستهم في البداية كانت تتناقض مع مقتضيات هذا الخطاب الشوروي الذي أنتجته ظروف سياسية محددة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.