لا أتذكر أنني لم أحاول اليأس، حاولت في القبو، وحاولت في الظهيرة، حاولت في السر، وحاولت في العلن، حاولت قبل الفطور بقليل، وحاولت بعد صلاة العشاء، وقبل الرأسمال، حاولت طويلا أن أيأس، حاولت بالقرب من النهر وفي الطريق العارية من فجيج إلى جرسيف، وفي الطريق الصعبة من الحسيمة إلى تاونات، حاولت طويلا في سفح اغيلو مدغار وفي كارتينغ بيتش، حاولت أيها الأصدقاء، ويا أيها السادة، لكنني فشلت في اليأس، أحيانا خلت أن قلبي صفة من صفات اليأس، لكنني أخطأت. فهل ستكونون على صواب وأنتم في اللامبالاة تمرحون؟ لازلت أعتقد أن المعقول رجل حكيم للغاية، وأنه أول المغاربة، وأن الأخطاء التي تقع، تقع لأن البلاد تتسع للحرية، هل أخطأ الصحافيون؟ سأقولها وهم تحت نيران المساءلة: أيها الزملاء كان عليكم أن تكونوا حذرين للغاية، وابتعدوا قليلا عن الماضي.. مازلت أذكر بالكثير من الامتنان ما قاله إيغناسيو راموني في ندوة «لوجورنال»، وهو يتحدث عما فعلته الصحافة الحرة في إسبانيا وفي دول أوروبا الشرقية، وقتها قال إيغناسيو راموني إن الصحافة عليها أن لا تدفع بالإنتقال إلى الهاوية، وأن عليها أن تحتاط في مداعبة الحرية. وقتها كتبنا في الاتحاد الاشتراكي تلك القولة الحرة لرجل يناصر الصحافيين ولا أحد يمكنه أن يتهمه بأن ينطق تحت الطلب، وما زلنا نكررها، بالرغم من هذه المرارة في أن نلجأ إلى الآخرين لكي نستدل على الجهة التي يكون فيها قلبنا على صواب. سوء الفهم لم يؤسسه الاتحاد ولن يؤسسه، سوء الفهم لن يلاعبه الاتحاد ولن يقبله، ووحدنا ربما نقول باستمرار: ربحنا كثيرا كثيرا عندما كانت الملكية والحركة الديموقراطية الأصيلة على توافق. ونقولها دوما ونحمل السياط ونكررها حتى عندما تبدو مثل لازمة مكرورة ولا تخلق ( الحدث)، ولن نرضي في ذلك أحدا، نقول للزملاء دوما لا تحرمونا من أجمل نظام في هذا العالم العربي الممتد من المشنقة إلى المشنقة، وفي هذا العالم الإسلامي الممتد من السيف إلى .. العمامة رجاء (تكايسو) على هذا الهامش وتذكروا دوما أن ملك البلاد غامر بعرشه من أجل مدونة أعطت الحق لنسائنا رغم زبد الشارع وانفجارات منتصف ماي.. رجاء أيها الزملاء لكن نقول للدولة أيضا لماذا تخافين من قوة القانون، لتضربي، ولكن اضربي بقوة النص القانوني، لماذا تتصرفين وكأنك على خطأ؟ أو أنك خجولة من القانون.. هكذا يقول النقابيون في المهنة، ولا يمكن أبدا أن نقبل أن يمس المغربي في حبه لبلده، ولا يمكن أن نقبل «ترياب الحفلة» بدعوى المهنية، لكننا في وضع صعب أيها الإخوة، وضع حرج للغاية، وستمر العاصفة، وسيذكر الناس أننا كنا ذات يوم على وشك أن نحرق القديسة جان دارك. لن أخجل أبدا في القول: لا يمكن أن تضعوا كل شيء في سلة واحدة، وتتساهلون دوما مع المسؤولية. لن نقبل بأن المجد الذي صنعه محمد الخامس في التسامح والدفاع عن المغاربة اليهود يمكن أن نضعه على الجانب، أن ننساه. كم ينحني العالم لنا لأن ملكنا قال لا لقوانين فيشي.. هذا مجدنا وأوروبا ترتعد من شعارات النازية ... ولكن هل يمكن أن نلام إذا بالغنا قليلا في الخوف اليوم؟ أيها الزملاء لا يمكن أن نقبل منكم أن تدفعوا أنفسكم إلى هوامش ضيقة، ولن نقبل لكم أن تكونوا وحيدين بدون....قانون! المواطن توفيق بوعشرين يستحق منا أن نكون مع القانون والمحاكمة العادلة. أتردد في قولها، أتردد في التفكير فيها، أتردد في المغامرة بها، لكن سأقول ما راج في ذهني وأنا أعود إلى «التحرير»: لقد بدأت سنوات الرصاص بمحاكمة «التحرير» ..! لا يمكن أن نقبل بأن يساق الصحافيون والمسؤولون في التحرير الي المخافر بدون تهمة، وعوض أن توضع العصابة على عيون العدالة، توضع على عيون القانون.. عندما تنكرت الدولة للقانون أصبحت في ... مستوى بوعشرين ، لقد تحللت من المسؤولية التي ربطها بها القانون. والديموقراطيون لا يجب أن يشكوا في أنفسهم، ولا أن يخافوا من القوانين، حتى ولو كان الغضب في الوجه. الدولة التي تخاف من قوانينها دولة لا تحترم نفسها.. خذوهم يا سادة إلى المقصلة إذا شئتم، لكن خودوهم بيد القانون، ولا شيء غير القانون، واحترموا فيهم أخلاق الذبيحة: ضعوهم على القبلة وبسملوا وكبروا، ثم قوموا بما أعطي لكم، لكن لا تقولوا لنا أنكم اجتمعتم في مجلس الحكومة ولم تتحدثوا عن علم بلادكم والأقدام تدوس عليه.. لا تقولوا إنكم ترفعتم عن الحديث عن إهانة علم بلادكم، فتلك زلة كبيرة. أما توفيق بوعشرين فخذوه إلى محكمة، واطعنوه إذا شئتم بمحاكمة عادلة.. إن المعضلة كما قال خليل هاشمي الإدريسي في الرؤية الاستراتيجية التي تحكم ..المرحلة، الحرية ليست تلفازا جميلا وكبيرا، موضوعا في الصالون وقد كتب تحته: يستحسن عدم الاستعمال. والحرية تقف عند أبواب البيوت، وعند احترام الحياة الخاصة، ولايمكن أن نجازف كل مرة بالمسؤولية. وهي في الحالة هذه، هي القانون وليست الأعراف، وهي أيضا التواضع والخوف على الحرية، وهو خوف الحكمة، وليس خوف الجبن. وعلينا أن نقول أيضا لزملائنا أننا نختلف معكم جدا على ما تفعلونه، وأن هناك حدودا نقبل بها جميعا..