تأمين للطرق وحواجز الثلج في تنغير    تقلبات جوية .. تعليق الدراسة يوم غد الإثنين بتزنيت        الأمير مولاي رشيد يترأس نهائي كأس إفريقيا "المغرب 2025"    أندية أوروبية تساند منتخب المغرب    القنوات المجانية الناقلة لنهائي المغرب والسنغال الليلة    المحامون يوقفون خدماتهم المهنية أسبوعا كاملا ويحتجون أمام مقر البرلمان    الركراكي يكشف التشكيلة التي سيواجه بها السنغال في نهائي الكان        الاتحاد المغربي للشغل بالحسيمة يحتفي برأس السنة الأمازيغية    ياسين بونو يواصل التألق ويتوج بجائزة Joy Awards 2026    الرباط – داكار .. نهائي قاري يحبس أنفاس إفريقيا    نشرة إنذارية .. أمطار قوية وموجة برد بهذه المدن    تقرير روسي: المغرب ينتزع صدارة السياحة من مصر ويكرس نفسه كوجهة عالمية صاعدة    غرينلاند.. الدول الأوروبية المهددة برسوم ترامب تؤكد وحدة موقفها والتزامها الحفاظ على سيادتها    "جيل زد" في الشارع وولي العهد في الخلفية.. قصة إبعاد ممنهج لأخنوش    مسؤول إيراني: عدد قتلى الاحتجاجات 5 آلاف على الأقل    الهوِية أَساس الولاء وروح الإِنتماء للأوطان    شركة ميرسك تعيد تشغيل خطها البحري بين آسيا وأمريكا عبر طنجة    المشاهب ونظرية الجشطالت: حين يكون الكل أكبر من مجموع الأفراد    الأجل الاستدراكي للتسجيل في اللوائح الانتخابية العامة .. تقديم طلبات التسجيل ما بين 18 و24 يناير الجاري    مقاييس الأمطار المسجلة بالمملكة خلال ال24 ساعة الماضية        بني ملال: توقيف شخص عرض ضابط شرطة لاعتداء بسلام أبيض أثناء تنظيم السير    الدرس الافتتاحي: من صدمة التفكيك الفرنسي إلى وعود الحداثة الأمريكية.. نحو أفق مغربي متجدد    بعد ثلاثين عاما من القلق الإبداعي.. إصدار جديد يحتفي بالمرأة قضية للحياة    المنتدى العالمي للأغذية والزراعة ببرلين.. المغرب يبرز تجربته في تدبير مياه الري    مسؤول إيراني يؤكد مقتل ما لا يقل عن خمسة آلاف شخص في الاحتجاجات        إيلان بابيه: حرب غزة أحدثت كيّا في وعي العالم.. والنظام الصهيوني سينهار نتيجة تناقضاته الداخلية    إدارة سجن العرجات 1 تنفي تعرض "اليوتوبر" الجزائري بلقاسمي لأي مضايقات داخل المؤسسة    واشنطن تعين روبيو وكوشنر وبلير في "مجلس السلام" الخاص بغزة وتدعو أردوغان والسيسي للانضمام له    سيول تعزّز نظام الردع بصاروخ "الوحش"    "الكأس تبقى في البلاد"... هل يعيد أسود الأطلس كتابة التاريخ بعد نصف قرن؟    الشانزليزيه خارج احتفالات نهائي "الكان"    تحذيرات سيبرانية بعد تسريب بيانات ملايين مستخدمي "إنستغرام"    دراسة: تناول الجوز يومياً يحسّن الصحة النفسية لدى الطلاب    المغرب يشارك في المنتدى العالمي للأغذية والزراعة ببرلين    طقس الأحد.. أمطار غزيرة وثلوج كثيفة تعم عدة مناطق بالمملكة    سينما "الطبقة البورجوازية" تفتح الباب لفهم السلطة والمال ورغبات السيطرة    معرض تشكيلي يحتفي بالحرف العربي    ماسك يطالب بتعويضات مالية ضخمة    قبل صافرة النهائي .. المغرب والسنغال يجسدان أخوة تتجاوز كرة القدم    تراجع مقلق للمخزونات السمكية بالواجهة المتوسطية المغربية    باحثون يكتشفون أهمية نوع من الدهون في تنظيم ضغط الدم    بورصة البيضاء .. أقوى ارتفاعات وانخفاضات الأسبوع    الهيئة الوطنية للشباب الملكي للدفاع عن الوحدة الترابية تحتفي بإنجازات المنتخب المغربي في الكان 25    اتفاقية الأمم المتحدة للتنوع البيولوجي البحري تدخل حيز التنفيذ    "المغرب على رفة جناح" .. موسوعة تعرف بالطيور والمسؤوليات تجاه الطبيعة        ارتفاع تكاليف العلاج والمساطر المعقدة ترهق مرضى الضمور العضلي الشوكي وذويهم    الجمعية الإقليمية لمرضى الصرع والإعاقة بالعرائش تعقد الجمع العام    اكتشاف علمي يفتح باب علاج ارتفاع ضغط الدم عبر الدماغ    محاضرة علمية بطنجة تُبرز مركزية الإرث النبوي في النموذج المغربي    الحق في المعلومة حق في القدسية!    جائزة الملك فيصل بالتعاون مع الرابطة المحمدية للعلماء تنظمان محاضرة علمية بعنوان: "أعلام الفقه المالكي والذاكرة المكانية من خلال علم الأطالس"    رهبة الكون تسحق غرور البشر    فجيج في عيون وثائقها    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



في التباسات المثقف و الثقافة الحداثية


ثانيا : في التباسات الحداثة
خامسا: لا جدال اليوم في الدور الرئيسي للثقافة و الفكر في التقدم بوجه عام، و في الانتقال بالإنسانية إلى المجتمع الاشتراكي بوجه خاص. لقد أبانت التحاليل الاقتصادية التي كانت سائدة في مرحلة ما قبل انهيار الاتحاد السوفياتي عن فشلها الذريع.
كان غرامشي، و هو من أوائل المفكرين الاشتراكيين الكبار الذين تلمسوا بعمق خصوصية المسألة الثقافية، يعتقد أن البلدان الرأسمالية المتقدمة في الغرب، نظرا لمتانة مؤسسات مجتمعاتها المدنية، هي التي بحاجة ذات أولوية إلى تنظيم هيمنتها الأيديولوجية و الثقافية عامة، في «حرب مواقع» كما أسماها كي يسهل انتقالها إلى المجتمع الاشتراكي. إلا أن المسألة في نظري أشمل و أوسع من ذلك، فالثورة السوفياتية نفسها، و التي كانت مصدر تأملاته، واجهت ذات المعضلة الأيديولوجية الثقافية مباشرة بعد إقامة السلطة. و لقد تنبهت قيادة الثورة في حينها إلى ذلك النقص الثقافي الفادح في التمدن الذي الشعوب السوفياتية. و كان الفشل في استدراك ذلك النقص سببا في ظهور و سيادة الدوغمائية و الكليانية الستالينية.
و في الغرب نفسه أخذت المسألة الثقافية و الإيديولوجية أبعادا أعمق، بعد أن تأكد، كيف أن الطبقة العاملة في كل البلدان الرأسمالية تزداد اندماجا في أنظمتها كلما تقدمت هذه الأخيرة. و بالموازاة كانت الصدمة التي أحدثها انتصار النازية و الفاشية و تمكنهما من تدجين شعبيهما. ثم، مختلف التحولات التي حدثت في الغرب على المستوى التكنولوجي و العلمي و المعلوماتي، و هي كلها وسائل أعطت للرأسمالية قدرات هائلة في تكييف إرادات البشر و اختياراتهم و إخضاعها لمنطق السوق و لاستلاباته. هكذا، بات التحرر من إيديولوجية السوق الخطوة الأساس في بناء المستقبل. أما عندنا و في البلدان العربية الإسلامية، و هي ذات الثقل الحضاري القديم، فلقد تأكد أن التحرر من الموروث الثقافي التقليدي الجاثم على عقول الحاضر هو أيضا المدخل الأساس لتجاوز التأخر الذي عليه مجتمعاتنا العربية.
سادسا : في هذا السياق، و في أواخر الستينات إلى انهيار « المعسكر الاشتراكي، كان لدينا أطروحة بمثابة إستراتيجية لكل قوى التقدم اختلفت تسمياتها و تفاوتت مضامينها و طرق الوصول إلى أهدافها ( الطريق اللارأسمالي، الثورة الوطنية الديمقراطية، رأسمالية الدولة... الخ) و كانت أكثرها نضجا و مطابقة للواقع، و إن كانت أقلها حظوة في ممارسة قوى التقدم، هي تلك الأطروحة التي نادى بها المفكر عبد الله العروي، و التي تعطي أولوية خاصة لتحديث الثقافة العربية، عبر هضم منتجات الفكر الليبرالي في أساسياته و شموليته و تاريخيته دون المرور بالضرورة من المرحلة الليبرالية العينية.
كان نقده للايديولوجيا العربية في نماذجها الثلاثة، الشيخ و اللبرالي،(الدستوراني ) و التقني، أن كلا منهم أخذ هذا الجانب أو الآخر، و دون أن يستوعب أساسيات الفكر الغربي في شموليته و دون حتى أن يفكر في ثقافة المجتمع الذي يأتيه بالحل.
كان العروي يعتقد أن الماركسية التاريخانية يمكن أن تكون إطارا إيديولوجيا لهذا الدمج الفريد بين الاستيعاب الثقافي للفكر الليبرالي و بين تخطي نظامه الرأسمالي في آن واحد. لقد أثبت التاريخ، و لو بالنفي أو السلب صوابية أطروحة العروي في شقها الفكري. إذ يمكن القول إن فشل الأنظمة العربية التقدمية في الخروج من دوامة التأخر، كان من جملة أسبابه افتقارها لسياسة ثقافية مجتمعية تحديثية جذرية. لقد كان عبد الناصر على سبيل المثال يحارب التقليد الاسلاموي سياسيا، و لكنه كان يعيد إنتاجه ثقافيا على عدة مستويات و منها التعليم أساسا.
لكن، رغم ما أثبته التاريخ من صوابية و لو بالنفي و السلب ، فهل نحن اليوم أفضل من الأمس، رغم أن ضجيج الحداثة، التي على كل لسان، يكاد يصم الآذان ؟ و في أي اتجاه تجري حداثة اليوم ؟ و لماذا غابت عن التداول و عن التقييم، الماركسية التاريخانية، لماذا حذف هذا الجزء من الأطروحة بالذات و عومل بالتجاهل و التناسي؟
مصيبتنا كمثقفين، بل و حتى المفكرين منا، أننا نطوي صفحة من تجربتنا الفردية أو الجماعية دون أن نراكم، أي دون أن نصفي حساباتنا مع وعينا القديم.
و لذلك ترى العديد منا يقفز من موقع إلى آخر نقيض في حركية شبهها البعض، بالبداوة الفكرية. و في العديد من الحالات صدق التشبيه.
سابعا: حكم البعض على تجربة التوافق السياسي بالمتاهة . و قد يكون لهذا الحكم بعض الحق. لأن تطور الأحداث لا يمكن التحكم فيها بشكل كامل، حتى و لو كانت المقدمات العقلانية لتجربة التوافق مقنعة و ضوابطها قاطعة. لأن الموقف السياسي تتحكم فيه دائما موازين القوى المادية الصلبة و التي لا يمكن التغاضي عنها. أما في الميدان الأيديولوجي، حيث لا تأثير لموازين القوى الظرفية، فإن المتاهة أكثر و أخطر تعقيدا. و لربما كانت لهذه المتاهة الإيديولوجية الأثر الكبير على الممارسة السياسية بحكم تبعية هذه لتلك حتى و لو كانت الايديولوجية ضمنية و غير واعية بنفسها.
لقد وجدت لدى مفكرينا طه عبد الرحمان توصيفا للإيديولوجية الحداثية ( و هي فعلا صارت نوعا من الايدولوجيا) كما هي اليوم، عبرت عما كان يخالجني و يجيش في صدري لما كنت أراه و اقرأه من تداول تضخمي لفكرة الحداثة. نعم، إنها أضحت ضربا من « التوتين « و « التصنيم « و « التقنين « و كأننا بالحداثة « كائنا تاريخيا عجيبا « يتصرف في باقي الكائنات بضرب من القدر الخارق و بمضمون من النظر الغريب و صارت و كأنها « سحر « و هي التي رامت أن تنزع عن العالم السحر.
و مما لفت نظري في أدبيات الحداثة أن الفاعل ( أي الذي عليه أن يقوم بالتحديث) غائب، فهو ضمير مستثر تقديره هو. و كأن مفهوم الحداثة في حد ذاته هو الذي ينوب عن البشر الفاعلين و يقوم مقامهم. و لهذه المسألة أهمية خاصة في الاستنتاج الذي سأخلص إليه.
لكن و دفعا لكل لبس، فإني أؤكد مع مفكرنا الراحل إلياس مرقص ما يلي :
* نعم للتحديث، نعم لهذا الذي يسميه التراث الماركسي « المهام البورجوازية « التي يجب أن تفهم بمعنى أعمق و أكبر (.....) لكن هناك فرق بين « برجوازية « و « بورجوازية « بين أوربا و « أوربا « بين أوربا المجاهدة و أوربا المجتهدة. ثمة فرق بين فكر يرفع لواء الكليات المجردات ( إنسان، عمل، مجتمع مدني، امن، حرية، مساواة و إخاء، ملكية، طبيعة و حق طبيعي، وطن و مواطن، شعب، امة، دولة....الخ) و فكر « تجاوزها « أو تخلى عنها.
* نعم للتحديث، كجزء عضوي في عمل تاريخي يتخطى فكرة « المجتمع المدني « إلى فكرة المجتمع الإنساني « .
هكذا إذن... فلنواصل كلامنا عن موضوع الحداثة اليوم: لقد اختلط الحابل بالنابل. فبعد التراجع الكبير الذي ألم بحركات التحرر الوطني و الحركات الاشتراكية عامة، و بعد انتكاس الرهان الاستراتيجي على ذلك الدمج الفريد بين الاستيعاب الفكري الثقافي لليبرالية و تجاوزها في نفس الآن، لم نعد نميز بين حداثة بأفق اشتراكي و بين حداثة تدعو لها المؤسسات الدولية و الامبرياليات المختلفة و ترددها أدواتها الكسيحة في الداخل.
لذلك لا مناص للخروج من هذه المتاهة الأيديولوجية، بإعادة الاعتبار إلى الأيديولوجية الاشتراكية بفكر نقدي تجديدي يضع مهمات التحديث في نصابها العضوي و الواقعي في السيرورة التاريخية لبلدنا.
و للخروج من المتاهة الإيديولوجية أيضا، و لكي تقف فكرة الحداثة على رجليها بدل وقوفها على رأسها كما هي عليه اليوم، لا بد من تحديد الفاعل كي لا يظل مضمرا غائبا. لابد من ربط الحداثة بمصالح اجتماعية محددة لكتلة تاريخية صاعدة . و إلا ظلت الطروحات الحداثية الأصيلة في أحسن الأحوال و أفضلها طروحات تفسيرية و بعدية، عوض أن تكون لها قدرة دفع تغييرية. فيجوز القول فيها « كل ما فعله الحداثيون أنهم فسروا العالم بأشكال مختلفة، بينما المطلوب هو تغييره».
سابعا: و اختم هذه المداخلة بدعوة أعرف أني لا أملك الرأسمال الرمزي الذي يؤهلني لطرحها، و مع ذلك هاأنذا أتجرأ على الجهر بها داعيا إلى أن الوقت قد حان لتشكيل جبهة من المثقفين الحداثيين التقدميين. غايتها توظيف تلك الاستقلالية النسبية المشروعة توظيفا جماعيا ايجابيا فكريا و سياسيا. تحمي الرصيد السياسي التقدمي لبلدنا من التمييع و التطاول، و تنمي الحضور السياسي الجماعي للمثقفين في القضايا الكبرى المصيرية التي تواجه بلدنا و أمتنا العربية و الإنسانية جمعاء. فضلا عن المهمات التنويرية التي ستخطط لها الجبهة و تبدع وسائلها لتكون على تواصل مع الفئات الشعبية. و لست بحاجة إلى أن أميز بين الحزب و بين هذا النوع من العمل الفئوي، أي هذا النوع من المثقف الجماعي إن شئتم. و ليس من المناسب أن أستبق طرح الفكرة للمناقشة بتفصيل ما أراه من وجهة نظري. إنني على ثقة بسعة خيال و إبداع المثقفين التقدميين كما أني واثق من أن كلا منا يعيش تجربة الصمت بأسئلته الوجدانية المؤرقة.
تعقيب :
من الواضح، أني تركت الأبواب مواربة لقضايا لا تستوي مضامين المقالة بكل أبعادها، سوى بالإجابة عنها... و منها أساسا: ما هو التشخيص المحدد للمثقف العضوي في بلدنا؟ و ما طبيعة الكتلة التاريخية الناشئة ؟ و ما هي حدود الليبرالية الجارية و ما علاقتها بالاشتراكية ؟ و هل الاشتراكية قطرية أم كونية في عصرنا، و ما هي في الحالتين مقوماتها الأساسية ؟ و ما هي الماركسية التاريخانية اليوم ؟ كل هذه القضايا ستكون مركز اهتمامي في مقالات لاحقة.....


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.