لم يعد الموت مرادفا للحزن بين السواد الأعظم من الناس على الضفة الأخرى, فقد استطاع الفرح اليوم في عدد من الأقطار الغربية أن يقتنص الفرصة منذ سنوات ليزيح أجواء «الغم» المخيمة على الموت. وما وفاة الفنانة الراحلة صباح والأسلوب الذي تمت به مراسيم تشييع الشحرورة إلا واحدة من تجليات طرد الفرح للحزن من أجواء الموت والتشييع. فبالموازاة، مع أنغام الموسيقى، التي صاحبت جنازة الشحرورة، شددت هذه الأخيرة في وصيتها على أن يكون كفنها أشبه بفستان العروس صممه مصمم الأزياء بسام نعمة في قبر أشبه بغرفة نوم في أبهى زينتها. هذا الطابع المبتهج للموت، لربما قد تكون الشحرورة اطلعت على بعض تفاصيله في تجارب غربية جعلت من تصميمات النعوش والتشييع والدفن فنا قائم الذات, يرسم البسمة على الميت في متواه الأخير ويقطع مع مرحلة تقليدية في أسلوب تصميم النعش وتشييع الميت ودفنه. إن طابع «الفرحة» الذي قد يوصي به الميت قيد حياته في فرنسا مثلا، سواء في ما يرتبط بطبيعة المواد التي ينجز بها النعش أو مايتضمنه من لوحات فنية وكذا طريقة التشييع والدفن، طبيعة يمكن أن تتحول إلى ما يشبه «الفرجة» لحياة بعد الموت, حياة افتراضية بالدرجة الأولى تمتح من كل التقدم الذي عرفته التكنولوجيا وكذا من التطور الذي عرفه عالم الفن بكل مناحيه. غير أنها حياة مكلفة في ذات الآن. فإذا كان أسلوب الدفن التقليدي، في فرنسا بشكل خاص، ما يزال الأسلوب السائد لتشييع الجثامين إلى متواها الأخير, فالواقع الحالي، الذي يتسم بارتفاع نسبة الأسر التي تلجأ إلى حرق جثة فقيدها وتحويلها إلى رماد، دفع بشركات دفن الأموات بإعادة النظر في اسلوب وطريقة الدفن التقليدية. ولاغرابة اليوم، إذا ما صادفنا نعوشا تحمل بصمات فنانين يجيدون فن التصميم، ويستثمرون آخر التقنيات في الفنون الجميلة. يصممون بكفاءة نعشا مشخصا، بألوان زاهية، تبتعد عن كل ما هو رمادي محزن، يترجم رغبات الميت في حياته ويعكس جانبا من شخصيته واهتماماته، وكيف يريد أن يراه الناس من خلال قبره بعد مماته. واليوم، يمكن أن يجد الزائر لإحدى المقابر الفرنسية، بين القبور التقليدية، قبرا استثنائيا في طبيعته وشكله الذي بدأ الطلب بشأنه يتزايد، عبارة عن لوحة فنية تذكارية. نعوش فولادية، عوض الخشبية وقبور كذلك عوض التي تصنع من الحجر، والرخام او الكرايت يمكنها أن تعيش لأكثر من مائة سنة, بإمكانها أن تحمل صورة شروق وغروب الشمس كما يريد ذلك ساكن القبر، أو أن يحمل رسما بالليزر أيضا لآلته الموسيقية، أو نحث لشيء أحبه بشكل كبير في حياته. لايتوقف التجديد في مجال الدفن في تصميم النعش وتشييع الميت, بل أيضا مراجعة اسلوب الدفن التقليدي, وقد فرضت الاستفادة من التكنلوجيا المتطورة وعالم الانترنيت والعالم الرقمي إلى درجة اقتراح تتبع النقل الحي لمراسيم التشييع والدفن. فبالاضافة، إلى اقتراح ناصية رقمية افتراضية لخلق فضاء افتراضي لذكرى الميت, يضم كتابا ذهبيا للزوار، يمكن بناء قبر افتراضي يستقبل الورود والشموع الافتراضية. كماتضم بعض القبور شريطا مرموزا عبارة عن مسحه عن طريق شاشة الهاتف يمكنك التوجه إلى رابط على شبكة الانترنيت يستعرض كل مراحل حياة الميت. التجربة الباريسية.. ثلثا الأموات لايجدون سريرا لراحتهم الأبدية في باريس تعتبر المقابر أغلى المواقع، وهذا الغلاء لايرتبط بالقداسة التي تحفُّ الموت (إذ أن الباريسيين يتبرمون من دفن أقاربهم في مقبرة ثييس (Thiais) التي تُعتبر خاصة بالفقراء)؛ بل بالخصاص الكبير في العقار إلى درجة أن ثلثي الأموات لايجدون سريرا لراحتهم الأبدية إلا بعد دخولهم «سباقات المسافات الطويلة» بعيدا عن باريس. ففي عام 2001 لم يدفن في المقابر التابعة للمقاطعات الباريسية إلا 5533 ميتا من أصل 16 ألف حالة وفاة، علما أن عدد مقابر باريس يصل إلى 14 مقبرة بدون احتساب مقابر الضواحي (المجموع 20 مقبرة) وتبلغ طاقتها الاستيعابية 634 ألف قبر. ونظرا لصعوبة دفن الموتى إلى جانب أقاربهم بدون اشتغال نظام الزبونية و»البيع والشراء»، استلهم يفيس كونتاسوت (Yves contassot) من حزب الخضر، في 29 أكتوبر 2002، خطة إصلاحية من مشروع سابق لإصلاح رياض الأطفال؛ واقترح خطة تقوم، أساسا، على مراجعة تراخيص الدفن من طرف لجنة مكونة من مساعدي الرئيس (نوابه) المكلفين بالمسنين وقدماء المحاربين واثنين من المنتخبين من أحزاب المعارضة؛ واللجنة تقوم بفحص الملفات استنادا على جملة من المعايير، من بينها: - مدة إقامة الميت في المدينة خلال حياته -حجم استثماراته في المدينة..إلخ .. كما اقترح كونتاسوت تخفيض أثمنة الدفن لتجنب سياسية الانتقاء اعتمادا على المال. وكانت عمودية باريس قد خصصت، في أكتوبر 1998، 10 ملايين فرنك من أجل إصلاح (تجديد) المقابر مقابل 8 ملايين سنة 1997. وقد صرح، آنذاك، «جان تيبيري» (Jean Tiberi): «منذ 10 سنوات ونحن نحاول بذل مجهودات من أجل الحفاظ على هذا التراث. وقد خصصت المدينة في الفترة مابين 1990 و1998 حوالي 231 مليون فرنك لإصلاح المقابر، وسأحاول أن أقنع أعضاء مجلس المدينة برفع الميزانية المخصصة للمقابر إلى 18 مليون فرنك» .