الاتحاد الاشتراكي ورهان استعادة الثقة في العمل السياسي    استقبال الطالبي العلمي من قبل الرئيس الشيلي الجديد    لقاء تواصلي مع الشباب الاتحادي بالمحمدية في أفق هيكلة الشبيبة الاتحادية بالإقليم    وزارة العدل تؤكد دراسة إحداث محكمة ابتدائية بأزمور ومركز قضائي ببئر الجديد    «سكوت الإدارة» يفتح الباب أمام تفعيل طلبات للرخص وتنبيهات من إمكانية مخالفة بعضها للقانون    425 مليون درهم استثمارات رمضان .. التلفزيون يهيمن والعدالة الإشهارية تحت المجهر    هدر الأغذية بالمغرب يبتلع 1.6 مليار متر مكعب من المياه المعبأة للإنتاج .. المغاربة يرمون 4.2 ملايين طن من الغذاء في حاويات النفايات سنويا    27 دولة من بينها المغرب توقع في باريس إعلانا حول تمويل الطاقة النووية    من المعاريف إلى موسكو... رحلة طالب مغربي في قلب الاتحاد السوفياتي -02-    غياب الخطة قد يورّط واشنطن في حرب طويلة مع إيران . .ترامب يؤكد أن «القصف الأمريكي المكثف والدقيق» سيستمر لأيام دون انقطاع    الريال يقسو على السيتي وسان جيرمان يرد الاعتبار أمام تشيلسي في ليلة الأهداف الأوروبية    مراكش تحتضن النسخة الأربعين من جائزة الحسن الثاني الكبرى للتنس    استغلال كبير للشهر الفضيل من أجل تحقيق ربح أكبر .. «اجتياح» جيوش المتسولين للشوارع والفضاءات المختلفة يكشف أعطابا مجتمعية كبيرة    ورشة تطبيقية ميدانية في الإسعافات الأولية لفائدة التلاميذ و الأطر التربوية بمدرسة ابن حمديس    ثلوج فوق المرتفعات وقطرات متفرقة في توقعات اليوم الخميس    رحلة في تاريخ المدن المغربية -19- إفران... جوهرة الأطلس التي تجمع بين سحر الطبيعة وروعة المعمار    رواية «أَرْكَازْ»: فى حقول «أزغار» الفيحاء -19-    عندما يخفي الفشل بذور النجاح -19- فيلم «برازيل» لتيري غيليام : من من الرفض الأولي إلى التكريم    عبد الهادي بلخياط ... حكاية أغنية -19- الموسيقار عزيز حسني يتذكر «متاقشي بيا» .. عرضها حسن القدميري على سميرة سعيد وطلبها محمد الحياني لكن غناها عبدالهادي بلخياط    ماري-لويز بلعربي: حكاية ستة عقود من الشغف بالكتاب -19- فرانك بيروسيل (كتبي سابق): ماري-لويز، الإنسانية المرهفة    دعوات لتعزيز الوقاية والكشف المبكر بمناسبة اليوم العالمي للمرض .. القصور الكلوي يصيب شخصا واحدا من بين كل 10 أشخاص ويتسبب في معاناة واسعة للمرضى    أنشطة اجتماعية متعددة لفائدة نزيلات السجن المحلي بتطوان    أٌقرب حليف لترامب في أوروبا.. ميلوني تصف قصف مدرسة في إيران ب"المجزرة" وتنتقد الضربات الأمريكية والإسرائيلية    ترامب: إيران تقترب من نقطة الهزيمة        ليس من بينها المغرب.. ثماني دول تدين إغلاق سلطات الاحتلال المسجد الأقصى أمام المصلين    المغاربة الموالون لأعداء الوطن هم اليوم في حداد    المعهد الوطني للعمل الاجتماعي يخلّد اليوم العالمي لحقوق المرأة بتكريم نسائه وتنظيم ندوة علمية    الحرب الأوكرانية السياق والتداعيات والمخاطر والفرص    "نفس الله"    أمن تطوان يكذّب إشاعة "محاولة اختطاف طفل بوزان" ويكشف حقيقة التسجيل الصوتي المتداول    دوري أبطال أوروبا.. ريال مدريد يحقق الفوز على مانشستر سيتي بثلاثية نظيفة    دوري أبطال أوروبا.. "بي إس جي" يهزم تشيلسي (5-2) في موقعة الذهاب    الزاوية القادرية البودشيشية بقيادة شيخها سيدي معاذ تطلق مجالس الانوار بمذاغ تنزيلا للامر المولوي السامي    اتحاد طنجة ينهي مهام بيبي ميل كمدرب للفريق ويعينه مشرفا عاما رياضيا        أخنوش يتفقد إصلاح التعليم العالي    حقوق النساء.. تسليط الضوء بنيويورك على تجربة المغرب الرائدة    ترشيح الفنانة التطوانية فرح الفاسي لجائزة "أفضل ممثلة إفريقية" يعزز حضور الفن المغربي عالميا    الحمل ومرض السكري.. تفكيك الأفكار الخاطئة في المجتمع المغربي    إيران تنسحب رسميا من مونديال 2026.. فهل يفتح الباب أمام عودة "عربية" للمونديال؟    المصالح الأمنية بطنجة تحدد هوية قاصر تشبث بسيارة للشرطة    مؤلف جديد للكاتبة والمبدعة أميمة السولامي        كيف تدبر الأسرة اختلاف أجيالها في رمضان ؟    قراءة الموقف الملكي من حرب الخليج على ضوء تطوراتها الخليج الآن: ما تنبَّأ به محمد السادس …يقع 2/2    بورصة البيضاء تنهي التداولات بارتفاع    مكتسبات وإخفاقات في يوم المرأة العالمي    المغاربة يرمون سنويا 4.2 مليون طن من الغذاء و40 مليون قطعة خبز تذهب يوميا إلى النفايات        توقعات بانتعاش تجارة الجملة بالمغرب في 2026 مع ترقب ارتفاع المبيعات    العصبة تعلن إيقاف منافسات البطولة الاحترافية مؤقتًا    الفركتوز المضاف إلى الأغذية المصنعة يؤذي الكلى    مؤسسة علال الفاسي تنظم ندوة فكرية حول « السيرة النبوية» بمناسبة مرور 15 قرناً على المولد النبوي    دراسة تبحث علاقة المياه الجوفية بالشلل الرعاش    عمرو خالد يقدم برنامجًا تعبديًا لاغتنام العشر الأواخر من شهر رمضان    بمناسبة 8 مارس.. خبراء يحذرون من تحدٍّ كبير لصحة المرأة    عمرو خالد: سورة النور وصفة قرآنية تبدد حُجُب الظلام عن بصائر المؤمنين    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



جدل المعنى والمبنى«1» في مجموعة « أغراب الديار» لعبد الحفيظ مديوني«2»

إن مما يميز تجربة الكاتب عبد الحفيظ مديوني السردية هو أن صاحبها لم يطرُق بابها إلا بعدما راودته الكتابة عن نفسه، وبعدما بلغ عقده السادس، كما أنه دخل الكتابة من أبواب عوالم الحكي الواسعة والمتنوعة، فهو فنان تشكيلي يعرف أسرار الأشكال، والألوان، والظلال، وما تبوح به الوجوه و الملامح، وما لا تبوح به.. وقد خبِر أيضا عالم المسرح وأجواءه، وعرف أسرار الحوار، وجماليات الكتابة الدرامية3. هذا، قبل أن يلج عوالم السرد من بابها الكبير، باب الرواية4، وهاهو يحط عصا الترحال في دنيا « القصة» من خلال مجموعته «أغراب الديار».
سأقْصُرُ الحديث على القصتين الأوليين، قصة «بضاعة وسمسار» وقصة «وتستمر الحكاية»، فإنهما تغطيان ثلث المجموعة ( ثلاثين صفحة من تسعين). وقد ارتأيت أن أرصد في هذه الورقة قضية «جدل المبنى والمعنى». وقبل البدء أستأذن الكاتب في قلب ترتيب القصتين، إذ سأبدأ بالثانية «وتستمر الحكاية»، ثم أنتهي إلى الأولى «بضاعة وسمسار»، وذلك لما أراه في هذا الترتيب من إمكانية لإعادة بناء المعنى والتأويل، تبعا لانسلاك القصتين في نسق حكائي ومنطق دلالي جديدين.
إذن كيف سيتجلى «جدل المعنى والمبنى» في القصتين، وربما في المجموعة كلها، إذا جاز لنا أن نعمم ما ستفضي إليه القراءة من استنتاجات ؟
النص الأول : «وتستمر الحكاية»
لا بد أن تبدأ الحكاية قبل أن تستمر، فإلى أين ستستمر؟ وإلى ما؟
استنادا إلى ما تمنحه آفاق التأويل، وتوفره عملية التلقي فإننا نستطيع بكل مرونة التعامل مع عالم «المجموعة القصصية» باعتباره نصا واحدا يقول قوله، ويقدم رؤية للعالم والحياة تحكمها الخطوط الكبرى لمنظور الكاتب من جهة، والمنظور الذي يسعى نص المجموعة الكبير، الإطار، إلى تأسيسه، والبوح به، وأحيانا خلافا لما يريده وعي الكاتب. هذا على الرغم من الاستقلالية النسبية لكل نص على حدة، واستحضارا للطبيعة «الاستعارية» و»المحاكاتية» التي ينزع العمل الأدبي إلى الاحتفاظ بها، وهو «يتشوف» إلى قول ما يمكن أن يكون، وليس ما هو كائن بالفعل، وهو إمكان يساهم فيه الكاتب، والبنية المستقلة للنص، ومقتضيات اللغة العامة ببنياتها، وسلطة سجلاتها، ومحمولاتها النفسية، والاجتماعية والإيديولوجية… وكذا مقتضيات اللغة الخاصة، الحكائية والسردية للنص، ومختلف سياقات التلقي والتأويل الممكنة.
انطلاقا من العنوان المركب تركيبا إسناديا فعليا «وتستمر الحكاية» ( فعل وفاعل ) يجد القارئ نفسه إزاء وضع يُرادُ له أن يستمر، أو أن يُفرض، فما هي الحكاية التي تستمر؟ وماذا تريد أن تقول؟
لعل الذي يراد له أن يستمر هو بنية ذهنية، هو حقيقة مجتمعية، هو إيديولوجيا معينة، وحقيقة تاريخية.. ليس هناك ما يحدد الفضاء المكاني، ولا الزماني تحديدا دقيقا سوى الفعل النحوي الماضي زمانا، وكلمة «البلدة» مكانا، إن المكان والزمان ما عاد لهما شأن ذو بال من حيث هما ظرفان، ما دام مظروفهما هو ما يراد له أن يكون عنوانا للمكان والزمان والإنسان، لذلك فما اختتمت به القصة هو المبتدأ والخبر:
«مرت على الواقعة دهور وأزمان، وما زال أهل تلك البلدة يؤمنون بعودة «مول البركة»، ويدعون كل خارج عن معتقدهم ب «المارق الملعون».5
تستمر الحكاية، حكاية استبداد بالحكم، وبالسلط المعرفية، والإعلامية. حاكم البلدة متحالف مع أغنياء البلدة وكبرائها، ومدعوم بالسحرة والكهنة الأوصياء على أحلام الناس ومستقبلهم ومصائرهم بالدجل والخرافة، وانتظار المخلص «مول البركة» ضد عامة الناس من المغلوبين على أمرهم، والمهمشين بسلبيتهم وتسليمهم.
وحتى عندما يقوم صوت معارض ليفتح كوة للاستنارة والرفض سيكون صوتا واحدا أَوْحَدَ ، فردا مفردا، تقول القصة: «كان سرحان وحده يغرد خارج السرب»6. لذلك سَهُلَتْ محاصرته، بل قُطِعَ لسانه، اللسان من حيث هو أداة للرفض، والاعتراض، والفضح…بل انتهى الأمر إلى استئصاله وجوديا، إلى اغتياله…
وتستمر الحكاية، حكاية استغلال، وظلم، وظلام في بلدة لعلها عربية، وبتعبير القصة إنها صفحة ماض ملؤه القتامة والحرمان7. وما تقوله هذه القصة نجد له نظيرا في قصة «نوابت» إذ يلقى الشخص المعارض المتنور المصير نفسه.8
إذن، ما الذي يقابل هذا المعنى، وهذا المضمون الفكري على مستوى الشكل والمبنى؟
يمكن أن نقرر أن ذلك الوضع المجتمعي، وتلك العلاقات المتوترة على أكثر من مستوى هو ما برَّرَ انبناء القصة فنيا على حكي ذي طابع تراثي، قوامه «القصة الحكاية»، بفضفاضية فضائها الزماني والمكاني، وهيمنة الصوت الواحد على مستوى الجهة الساردة، إذ ساد سارد واحد مستبد بسرد خطي، قائم على رؤية من خلف، وراءها سارد عارف بكل التفاصيل، متحكم في مآلات السرد…
[ نعم، هناك حكاية متوارثة، تمثل على المستوى الفني الحكاية المُتَضَمَّنَة، والمُؤَطَّرَة داخل القصة الإطار «وتستمر الحكاية»9 ، وهي أيضا قصة تستمر، وما يمكن أن يلاحظ من أصوات مختلفة يمثلها الحاكم، والسحرة، والعوام، إنْ هي إلا صدى لصوت أيديولوجي واحد.]
وذاك هو ما يبرر أيضا هيمنة معجم لغوي ذي حمولة إيديولوجية مُساوقة للمضمون الفكري السابق، وذلك من مثل : ( الولي الصالح – طقوس- شعائر – بركات – المارق الملعون – الأساطير – النبوءة – الأجرام والكواكب – المعجزة – المخلص…) . ولما يتكلم «سرحان» وهو الصوت المعارض، لا يكاد يخرج صوته ، وبلاغته، وحجاجه عن المألوف في الخطاب العربي الديني والأدبي القديم. فلنستمع إليه يعيب على قومه خنوعهم، و يزري عليهم ضلالهم وجهلهم : « بِئْسًا لكم يا أوغاد…ما اهتديتم إلا إلى ضلالة، ولا اجتمعتم إلا على باطل…جهلة أنتم. سفلة لا تأتون إلا السوء في معتقداتكم وأعمالكم، فسئتم عاقبة ومصيرا» 10
ومن مظاهر تجاور المبنى والمعنى أيضا:
– هيمنة الوثوقية والمطلقية: «فما من مريض إلا ويشفيه، ولا من فقير إلا ويغنيه، ولا من ظامئ إلا ويرويه، ولا من جائع إلا ويشبعه ، ولا من مظلوم إلا وينصفه، ولا من مقهور إلا وينصره، ولا من رزية ملمة بالقوم إلا ويرفعها..»11
– الصدفة والعجائبية (المبررة بالكرامات): « فرفع يديه إلى السماء – يقصد مول البركة – وإذا بالغيث مدرار‘ وإذا بالوباء زائل ، وإذا بالخير وبالرخاء يعمان أرجاءها -أي البلدة- «12
هكذا، نخلص، إلى انشغال كيمياء الكتابة السردية في هذه البنية، وهذا النسق بمواد أغلبها جذوره ممتدة في الماضي، الماضي الذي يُراد له أن يستمر بشكل ستاتيكي علاقاتٍ ووعيا، ليستجيب الشكل الفني لمقتضيات المضمون الفكري أيما استجابة، وتستمر الحكاية…
النص الثاني : «بضاعة وسمسار.»
وتستمر الحكاية.. .حكاية البضاعة مع السمسار…
نجد أنفسنا في محطة قطار، القطار رمز السيرورة والاستمرار. والمحطة تعني الوصول، كما قد تعني الانطلاق، والوصول إلى محطة انطلاقا من أخرى، وما بين النقطتين لابد من أن تنشأ حكاية، أو حكايات، وتستمر حياة، أو حيوات، تؤثثها نجاحات وإخفاقات، وأحلام وتطلعات … فما هي تلك السوق التي ستشغلها بضاعة وسمسار؟ وما الذي سيستمر فيها من سوق الحكاية السابقة؟ وإلام سيكون الوصول؟
إن الكاتب تخيل وحاكى وكتب، وهو نفسه يختار عبر «سارده» أن يقرأ قصته لأحد الأصدقاء المقربين، إنه يقرؤها لنا أيضا، ولكل متلق، إنه لا يريد لها أن تنكتب، أن تُقيد فقط، نعم إن الكتابة في معناها المادي الأصيل تعود إلى الجمع و التقييد، إنه يريد لها التداولَ، يريد لها الشيوع والانتشار، لأن هناك من يريد إعدام الكاتب نفسه، كل كاتب يتمسك بحقه في الكتابة، بحقه في الانكتاب والوجود هو يستعجل حتفه. إن هناك من يريد أن يكتم الأنفاس، ويلجم الألسنة.
في هذه القصة سيكون لعلاقة المبنى بالمعنى تمظهر آخر.
ليس غريبا أن تعيش المدينة المعاصرة، وهي ما يشكل فضاء قصتنا، كل مظاهر الفوضى والتقتيل والإرهاب، وتفقد النفس فيها كل إحساس بالأمان،13 لأن إيديولوجيا الدجل التي رأيناها في القصة السابقة، وسياسة الصوت الواحد، والإعدام والخرافة، كل ذلك، فعل فعله في النسيج الفكري التكويني للأفراد والجماعات، وما كان له أن ينتج غير ذلك. منذ العنوان المركب تركيبا عطفيا، يجد القارئ نفسه على عكس القصة السابقة مع المحتمل والمتعدد، ويمكن أن يُخرق أفق انتظاره. فكما هو الشأن في كثير من مدننا العربية الحالية، يغدو الإنسان سمسارا، فيتخصص في تجييش الطوائف والجماعات، وتأجيج مشاعر الكراهية. ويغدو بضاعة أو مشروع بضاعة محتملا، أصبح الإنسان بضاعة وسمسارا.
فعبارة: «أمعنا أنت أم معهم؟ «14 لها ما لها من الدلالات في هذا السياق، ولم يجد البطل من مخرج وهو يحاول إجابة من أوقفوه من المسلحين عقب خروجه من محطة القطار إلا أن قال: «لسْتُ معهم»، وهي عبارة تترك الباب مشرعا لاحتمال وجود أطراف أخرى، ف « لست معهم « لا تعني أنني معكم، ولا مع غيركم. تتعدد المواقع والوجهات…
تُحارَبُ «قيمة الحب» في المدينة الحديثة، التي من الفروض أن تكون رمزا للمدنية، والحضارة والعقل، وتقدير»قيمة الحياة». تُحَارَبُ «قيمة الحب» بسبب الطائفية، والمذهبية، الكراهية، والظلامية… يُغتال الصحفي لأنه «كتب» عن الحب، و»يكتب» بطل قصتنا «رواية حب» وهي التي جاء إلى «المدينة» من أجل نشرها، فيعلم أنه إنما يستعجل ساعة حتفه.15 لابد من الانتباه إلى ما يمكن أن توحي به كلمات من مثل (الحب والكتابة والمدينة و النشر…) في هذا السياق.
هذا ما وَصَلنا بإيجاز من الحكاية التي استمرت. هناك قوىً تعدم «الحب» من حيث هو قيمة القيم، قيمة متعالية على حدود الطائفية والمذهبية والعرقية…وهناك قوىً تعدم «الفن» أيضا، تعدم فعل «الكتابة» لأنه تعبير، وتوثيق، وتقييد، وتخليد، وشهادة…
هذا العالم المتصارع المفكك فرض على مستوى شكل الكتابة استجابة من نوع آخر. فقد عمد الكاتب إلى تجريب أكثر من مظهر من مظاهر القص، والحكي التي تتجاوب وواقعَ المدينة (ولعلها المدينة العربية)، واقعَ المدينة المسعور، الموبوء. وكان من تلك المظاهر :
1- حضور سرد متقطع، مفكك في أكثرمن محطة، وهيمنة التشظي، وتجزيء المسرود وتشتيته.
2- التلاعب بالزمن تقدما ونكوصا.
3- تعدد الساردين، وتعدد عمليات السرد، وكذا تعدد القصص ( المسرود ):
– هناك القصة الأم/ القصة الإطار التي يرويها السارد المركزي لصديقه.
– وهناك قصة الصحفي شهيد الكتابة، وشهيد الشهادة…
– وهناك أيضا قصة الحبيبين الفارين بحبهما، شهيدي إخلاصهما…
– ثم هناك القص المتوقع/ المحتمل، لأن الصديق الذي كان متلقيا، ومقروءا له ، كان يتدخل هو أيضا، ويقدم ملاحظات، بل يتصور نهايات للأحداث…
– وهناك قصة الحب التي يريد السارد نشرها، ولا نعرف عنها سوى أنها قد تكون سببا في استعجال نهايته…
4- وهناك أيضا حضور لتعدد الأصوات حسب مواقعها، وقيمها، وأدوارها وفعلها.
5- ثم هناك سلطة السؤال والتساؤل:
«من أين قدمت؟… وما عملك؟… ماذا تكتب؟ «16 –
– ماذا يجري في هذه المدينة؟ 17
– لا تتحرك، من أنت؟ 18
– يا للهول، ماذا يجري في هذه المدينة؟ 19
– أمعنا أنت أم معهم؟20
– ما مصيرنا، نحن، في ظل هذا الوباء المتمدد؟ 21
– ………………………………………….
وأظهر مظاهر الكتابة التجريبية في سرد عبد الحفيظ مديوني ظاهرة «التلقي الداخلي»، التي مارسها في روايته «الحكاية الأخيرة»، وأعادها في قصة «بضاعة وسمسار».فالنص يتم تلقيه داخليا، وقبل أن تتم كتابته، أو نشره، بين السارد وأحد الشخوص. فيصير التلقي عاملا تكوينيا في بناء النص، وتغدو سلطة المتلقي واضحة، مما يخفف من سلطة السارد التقليدي واستبداده، سلطة السرد والمعرفة.
وأخيرا، يمكن أن نجد للقيم التي تدافع عنها قصة «بضاعة وسمسار» نظيرا في قصص «الثلاثي السعيد» ، و»صرخة طفل»، ثم «نوابت»، حيث يواصل الكاتب ما بدأه في مسرحيتيه :»الورشة» و «رحلة سند وباد»، وفي روايته «الحكاية الأخيرة»، حيث نجده في عوالمه الفنية التخييلية والسردية يَنشُدُ العدلَ، والحبَّ، والجمالَ ضدا على الظلم، والجهل، والخرافة… كما ينشد التجريب في الكتابة بلغة قوية، متينة ، إذ قلما وجدنا من يستطيع الجمع بين الحسنيين، بل وأسفاه، لما نجده في سوقنا من جرأة على اللغة والإبداع باسم الحداثة، والحرية…وإن كان الأمر في الحقيقة إنما يرجع إلى ضعف في التكوين، وقلة زاد من اللغة وأصولها. وإنه لا أدب، ولا إبداع في اللغة العربية دون احترام للغة.
فهل ستستعيد المدينة العربية عقلها وجمالها؟ وهل سيعود «الحب» ليعم مرابعنا، بعدما طردناه، وهَجَرْناه أو هَجَّرْناه؟ وهل ستعود قيمة «الفن» و «الجمال» ضدا على القبح والكراهية؟ فَلْنتركْ للحلم كوةً، وإلى أن تنتهيَ الحكايةُ لتبدأ أخرى.
هوامش
1 – ألقيت هذه الكلمة بمناسبة حفل توقيع مجموعة عبد الحفيظ مديوني القصصية « أغْرابُ الديار « الذي نظمته جمعية التنمية للطفولة و الشباب، بنادي الأعمال الاجتماعية لرجال التعليم بأبركان يوم السبت 16 يونيو 2017.
2 – « أغراب الديار « منشورات ديهيا، مطبعة تريفة، بركان، الطبعة الأولى، 2017.
3 – له في هذا الإطار:
– « مسرحية الورشة «،مطبعة تريفة، الطبعة الأولى، 2007، بركان، المغرب.
– – مسرحية « رحلة سند وباد «، منشورات ديهيا، مطبعة تريفة، الطبعة الأولى، 2012،بركان،المغرب.
4 – ألَّف رواية « الحكاية الأخيرة «، منشورات ديهيا، مطبعة تريفة، الطبعة الأولى، 2015، بركان،المغرب.
5- « أغراب الديار « ص : 36.
6 – نفسه ، ص : 31.
7 – نفسه ، ص : 32.
8 – هي قصة تتحرك أحداثها، وعلاقات شخوصها في إطار البنية نفسها اجتماعيا، وفكريا؛ إذ نجد سلطة قهرية مطلقة لقوى غيبية (العمالقة)، وحضورا لقوى شريرة ( جن )، مقابل إنسان يعيش واقع الخوف والبؤس والتسليم.
9 – «أغراب الديار» ص : 26. إنها حكاية تَسَلُّطِ قوى شر غيبية على البلدة ذات زمان، وظهور الرجل الغريب « مول البركة « الذي كان وراء رفع كل الشرور والابتلاءات وظل من ثَمَّ المنقذ المنتظر…
10 – نفسه، ص : 28.
11 – نفسه، ص : 25-26.
12 – نفسه، ص :26.
13 – نفيه، ص : 11
14 – نفسه، ص : 14.
15 – نفسه، ص : 23.
16 – نفسه، ص : 9.
17 – نفسه، ص : 11.
18 – نفسه، ص: 13.
19 – نفسه، ص: 14.
20 – نفسه، ص : 14.
21 – نفسه، ص: 24.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.