إن المتتبع للمشهد السياسي المغربي يلمس رغبة السلطة العليا في البلاد في إحداث إصلاحات تمس مجالات عديدة تريد من خلالها أن تعلن عن تأسيس عهد جديد يقطع مع ماض عرف بامتياز انتهاكات جسيمة لحقوق الانسان, اختلاسات.. وسياسات تعليمية ارتجالية ارتكزت على أسس ايديولوجية كانت غايتها إدماج الانسان المغربي، حتى يتم ضمان الاستقرار والاستمرارية. فكان الاعلان عن هيئة الانصاف والمصالحة، ومجلس أعلى للكشف عن الحسابات.. بالاضافة للإصلاحات التي عرفها المجال الديني مخافة انفلات عقائدي قد يقحم البلاد في أتون، وأخيرا جاءت الإصلاحات الدستورية الرامية إلى تحقيق الديمقراطية كاختيار لا رجعة فيه، في دولة يسودها الحق والقانون، توطد فيها مؤسسات دولة حديثة ترتكز على المشاركة والتعددية والحكامة الجيدة، وترسي فيها دعائم مجتمع آمن فيه عدالة اجتماعية، حرية، كرامة ومساواة تضمن للمواطنين جميعا في نطاق التلازم بين الحقوق والواجبات. والهدف هو القطيعة مع الممارسات اللاقانونية واللاأخلاقية والتي شكلت عائقا أمام تكوين مشهد سياسي يليق بدولة تسعى لترسيخ الحداثة.. لذا آن الأوان للقضاء على هذه الممارسات التي شكلت عناصر ثابتة داخل بنية المجتمع المغربي مما يحتم إلزامية التفكير وبكل جدية في إصلاح الشأن الذهبي كضرورة للخلاص من هذه الكبوة القاتلة، فهل من الممكن النجاح في ذلك يا ترى؟ قد يكون هذا حلما أو قد يكون هراء، لأن ثمة تجذر لهذه الممارسات التي كان لها أن لا تتمظهر بهذا الشكل الفاضح فتصبح وصمة عار في سجل تاريخ هذا الوطن، فغياب إرادة سياسية حقيقية خلال فترة سنوات الرصاص للنهوض بهذا البلد الأمين، كان وراء إفراغ الانسان المغربي من القيم والمثل العليا... وأيضا وراء عدم النهوض بالذهنية المغربية من خلال منظومة تعليمية مواطنة، منظومة ترسخ فكرا عقلانيا، وأخلاقيا وحداثيا... ساعتها ما كنا في حاجة إلى هذه الترسانة من الإصلاحات لأننا كنا سنحصد كمغاربة ثمار ما تم زرعه. كنا سنكون أمام أجيال مواطنة لا تعرف عزوفا سياسيا، ولانزوعا نحو فكر ظلامي لا يؤمن بالتسامح والانفتاح على الآخرين، أجيال تعاني من فراغ عقائدي وايديولوجي مما يجعلها قبلة لكل الفتوحات، أجيال تعيش تمزقا ومفارقات، وعيا شقيا.. انبهار بالغرب واستهلاك نهم لمنتجاته بدون قيد أو شرط، وتوجس منه وأحيانا حقد عليه وعلى مرجعياته. أيضا ما كنا سنكون أمام رجال سياسة أفرغوا السياسة من كل محتواها وفي هذا دليل صارخ على انعدام المبادئ وانعدام الأفق السياسي، سياسيون يهوون الترحال من حزب لآخر، يكرسون الفساد والغش والمحسوبية والتبذير والرشوة، بل الأدهى من كل هذا قد يقطعون حبلهم السري مع مرجعيات أحزابهم وتاريخهم إذا سال لعابهم أمام لمعان الكراسي ودسمها. هذه الأوضاع العامة تحتم آنيا وضع سياسات مبنية على أسس علمية عقلانية ومخططات على مدى قصير متوسط وطويل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، والتعبئة الشاملة لكل مكونات هذا المجتمع.. الفاعلون السياسيون الاقتصاديون، الاجتماعيون والمدنيون والعمل على تحقيق توافقات سياسية في أفق الوصول للأهداف المتوخاة الرامية لإصلاح هذا البلد الذي تكون خدمته والغيرة عليه واجبا عقلانيا ودافعا مواطنا محفزا لكل هذه السياسات. *أستاذة الفلسفة