مالي على صفيح ساخن: مقتل وزير الدفاع وتصعيد غير مسبوق يهدد بانفجار إقليمي    بال المغرب 2026: الفتح الرباطي يواصل التألق و يؤكد الطموح نحو الأدوار المتقدمة    حقوقيون بمراكش ينددون بأوضاع حي يوسف بن تاشفين ويحذرون من "انتهاكات" بسبب الترحيل والهدم    طقس حار في توقعات اليوم الإثنين بالمغرب    فرنسا تحبط عبور مهاجرين لبريطانيا            إيران تعرض فتح هرمز دون اتفاق نووي    صورة منسوبة للمشتبه به في حادث عشاء الصحفيين بواشنطن وهو يرتدي سترة تحمل شعار الجيش الإسرائيلي تثير جدلا واسعا    بنكيران ينتقد واقعة "الصلوات التلمودية" بمراكش: لا بد من معرفة الجهة التي سمحت بهذه الممارسة    رباعية الرجاء تشعل الصدارة والجيش الملكي يكتفي بنقطة أمام يعقوب المنصور    وقفة احتجاجية أمام البرلمان تطالب بإنصاف المتضررين من نزع الأراضي وحماية حقوق الساكنة    حكيمي يجهز لمواجهة "بايرن ميونخ"    خسائر ما بعد الحصاد: التحدي الصامت في مسار المغرب نحو السيادة الغذائية المستدامة    حسب الصحافة الدولية ..دي ميستورا يؤكد أمام مجلس الأمن وجود زخم حقيقي لحل النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية    المغرب يدين الهجوم المسلح الذي استهدف حفلا بواشنطن بحضور ترامب    ترامب يذكر بالحاجة إلى قاعة حفلات    التعادل الإيجابي ينقذ الجيش الملكي من فخ اتحاد يعقوب المنصور في الرباط    بنجديدة وعلوش يقودان المغرب الفاسي لانتصار ثمين على الزمامرة    علي الحمامي.. المفكر الريفي المنسي الذي سبق زمنه    "مجموعة أكديطال" تبحث عن وعاء عقاري لإحداث مستشفى بشفشاون    شاطئ المضيق يلفظ جثة يُرجح أنها لمهاجر جزائري    يوسف علاكوش كاتبا عاما جديدا للاتحاد العام للشغالين بالمغرب    اختتام فعاليات الدورة الثانية عشر من مهرجان راس سبارطيل الدولي للفيلم بطنجة    ترامب ل"فوكس نيوز": إذا كانت إيران تريد التفاوض فيمكنها الاتصال بنا    الملك يراسل رئيسة جمهورية تنزانيا المتحدة    تتويج 7 تعاونيات بجوائز التميز في الدورة السابعة للمباراة المغربية للمنتوجات المجالية    حزب الله يرفض اتهامات نتنياهو بشأن الهدنة ويتمسك بالرد على "خروقات" إسرائيل    توقعات أحوال الطقس يوم غد الاثنين    الشيخة بدور تطلق مبادرات من الرباط        "نظام الطيبات" في الميزان    جمعية الصحافة الرياضية تستعرض نجاحاتها في مؤتمر الاتحاد الدولي    قطاع الماشية بالمغرب.. رهانات الصمود في وجه "الهشاشة البنيوية" وتقلبات المناخ    لا تحتاجُ العَربيّةُ تَبْسيطًا..    مقتل وزير الدفاع المالي في هجوم على منزله قرب باماكو ضمن هجمات منسقة شهدتها البلاد    البواري: اليد العاملة الفلاحية في تراجع.. ونراهن على 150 ألف خريج    الكيني ساوي أول عداء يقطع سباق الماراثون في أقل من ساعتين    القضاء السوري يحاكم بشار الأسد غيابيا    الجولة المسرحية الوطنية للعرض "جدار الضوء نفسه أغمق"    المدرب والحكم الوطني محمد لحريشي يؤطر ورشة رياضة فنون الحرب بمشرع بلقصيري    تنسيقية حقوقية مغاربية تندد بتعليق نشاط الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان وتدعو للتراجع الفوري عن القرار    نقابتان تدقان ناقوس الخطر حول وضعية مستشفى أزيلال وتلوحان بالتصعيد    طنجة.. "السماوي" يُسقط سائق طاكسي في فخ سرقة غامضة    تتويج استثنائي.. جائزة الأركانة العالمية تُوشّح "الشعرية الفلسطينية" بالرباط    قطط وكلاب في معرض الفلاحة بمكناس تبرز توسّع سوق الحيوانات الأليفة    ارتفاع سعر صرف الدرهم مقابل اليورو    الدكتور عزيز قنجاع يصدر كتابا فكريا بعنوان الإختفائية العميقة لما يُرى: مقالات في الفلسفة والاسلاميات والتاريخ"    تنصيب المؤرخ الصيني لي أنشان عضوا بأكاديمية المملكة المغربية    نتنياهو يعلن خضوعه لعلاج من "ورم خبيث" في البروستاتا    الولايات المتحدة توافق على علاج جيني مبتكر للصمم الوراثي                34 ألف مستفيد من أداء مناسك الحج لموسم 1447ه    بين خفض التكاليف والرقمنة.. وزير الأوقاف يستعرض حصيلة ومستجدات موسم الحج    الأسبوع العالمي للتلقيح.. وزارة الصحة تجدد التأكيد على مجانية اللقاحات وضمان استدامتها    بدء توافد ضيوف الرحمن إلى السعودية لأداء فريضة الحج    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



وجها لوجه مع الفكر الأصولي
نشر في الاتحاد الاشتراكي يوم 23 - 10 - 2015

يتحدد تعبير "الأصولية" الوارد في هذا الكتاب في وصفه منظومة الأفكار والمفاهيم التي تستند إليها الإيديولوجيا، سياسية أكانت أم دينية، فتشكل "هويتها الفكرية"، وترشد ممارستها النظرية والعملية. تستند هذه الأصولية في وصفها ايديولوجيا، إلى ثوابت نظرية ومسلّمات تنطلق منها، أهمها تشكيل رؤية شاملة للعالم ، تدّعي بموجبها امتلاك الحقيقة المطلقة واحتكارها، وتؤمّن لها اصطفائية تميّزها عن البشر الآخرين. تعطي هذه الرؤيا الشمولية الأصوليات وهماً واعتقادا ايمانياً ترى بموجبه أنها قادرة على تأمين حلول لمشكلات البشرية وخلاصاً لها من معضلاتها ، سواء استندت هذه الحلول إلى الذات الإلهية أم إلى العقل والعلم. قد لا تشكل الأفكار الأصولية في ذاتها خطراً كبيراً إّذا ما بقيت في ميدانها النظري، لكنها تتحوّل إلى قوة مادية مهدّدة للمجتمع عندما تنجذب إلى مشاريع سياسية وتأخذ على عاتقها إنقاذ المجتمع وفق الرؤيا التي تستند إليها. تحمل الأصوليات، في معظمها، مشروعاً سياسياً يهدف إلى قولبة المجتمع بدءاً من الفرد وصولاً إلى المجموع، ويتسم هذا المشروع بالرؤية المتشدّدة التي ترفض الخيار الديموقراطي وتسعى إلى تكريس وحدانية السلطة، وترفض الآخر والتعددية في مختلف أشكالها. بناء على ذلك تبدو مشاريع الأصولية مفعمة بالتعصّب، يهيمن على فكرها جمود عقائدي يمنع التواصل والإحتكام إلى العقل وحق الآخر في التعبير، وصولاً إلى تكفير من لا يتوافق مع أطروحات هذه الأصولية. تسببّت الأفكار التي حملتها الأصوليات، في الماضي وراهناً، عندما توافر لها الإمساك بسلطة ما، في اعتماد العنف وسيلة لتحقيق مشاريعها وأهدافها. في هذا المجال لا تُقرأ الحروب العالمية والأهلية في معزل عن هذه الأفكار والمفاهيم التي تحرّك السلطات الحاكمة وتحدد لها منهجها في السلطة، وهي حروب أدّت إلى تدميرالمجتمعات عالمياً وإلى تمزيق النسيج الإجتماعي في كل بلد على حدة.
تكتسب مناقشة الأصوليات في المجتمعات العربية أهمية كبيرة في الظرف الراهن بالنظر إلى الموقع الذي تحتله في الحياة السياسية والفكرية والإجتماعية. تستوجب الأصولية الإسلامية أوسع مناقشة لأطروحاتها لأنها تمثل القوة الصاعدة والمؤثرة في مجمل الحياة السياسية العربية، وذلك بعدما خلت لها "الساحة" إلى حدّ كبير في أعقاب انهيار مشاريع التحديث العربية وإفلاس منظوماته الإيديولوجية، القومية العربية منها والإشتراكية والليبيرالية، وهو انهيار بدأ منذ مطلع السبعينات ولا تزال تداعياته مستمرة حتى اليوم، بحيث يشكل صعود الأصوليات الإسلامية أبلغ تعبير عنه.
إلى جانب تأكيد الدور الذي تلعبه سلباً "الهوية الفكرية" للأصوليات، إلاّ أنّ تحفظاً لا بد منه يتعلق بكون هذه الأصوليات لا تختزل الاديان التوحيدية أو الإيديولجيات الواردة في هذا الكتاب. ليس صحيحاً أنّ الأديان الإسلامية والمسيحية واليهودية تُختزل كلها في الجانب الأصولي، بل أنّ هذه الأديان تحمل في جوفها من القيم والمبادئ الإنسانية والسموّ الروحي ما يتناقض بشكل جوهري مع "الدوغمائية" والجمود اللذين وقفت عندهما هذه الأديان، وبما يتناقض أيضاً مع الأسلوب الذي تتبعه هذه الحركات في تنفيذ أهدافها، ولا سيما في الجانب العنفي منه. ينطبق الأمر نفسه على ايديولوجيات مثل الشيوعية أو العلمانية أو العلمية، حيث يشكل الجانب السلبي من المنظومة الفكرية لها حيزاً محدوداً لا يلغي الجوانب الإيجابية التي تحملها هذه المنظومات من حيث علاقتها بالإنسان وتقدمه.
إنّ تسليط النقد على "الهوية الفكرية" لهذه الأصوليات يهدف إلى تعيين مداخل مناقضة لها، تساهم في السجال الدائر اليوم حول كيفيّة تجاوز المجتمعات العربية لتخلّفها ولعجزها عن الدخول في العصر، وهو ما يستوجب بناء مشروع نهضوي جديد يفيد من سلبيات الماضي ويكون مفتوحاً على الحداثة بجميع مكوّناتها. يرتهن هذا المشروع بشرطين أساسيين: الاول يتصل بضرورة تحقيق الإصلاح السياسي في المجتمعات العربية على قاعدة اعتماد الديموقراطية سبيلاً لهذا الخلاص، وهو أمر يفرضه نمط العلاقة الجدلية القائمة اليوم بين الأنظمة الإستبدادية الحاكمة في العالم العربي وبين هذه الأصوليات، بحيث تتغذى كل واحدة من الأخرى، وتعطي المشروعية لبعضها. أمّا الشرط الثاني فيحتم ضرورة الإصلاح الديني، وهو موضوع يستوجبه نمط السلوك الذي تفرضه علينا الأنظمة اللاهوتية للأديان التوحيدية لجهة قراءة النصوص المقدسة، وتلزمنا بالتموضع داخلها والأخذ بنصوصها الحرفية بصرف النظر عن الزمان والمكان اللذين صدرت فيهما. يتطلّب هذا الإصلاح الديني قراءة تاريخية للنصوص المقدسة وتبيان ما هو راهن منها يمكن الإفادة منه، وما تقادمه الزمن فيتم تجاوزه. كما تفرض هذه القراءة التمييز بين ما هو متجاوز للزمان والمكان في الدين، وهو المتصل بالجانب الروحي والإنساني والأخلاقي، وبين الأحكام الإجتماعية التي كان كل نبيّ يجد نفسه ملزماً الجواب عن قضايا تواجهه من قومه في سياق نشر الدعوة، وهي أمور تجاوزها الزمن ولا يفترض استحضارها واستنساخها وإسقاطها على الواقع الراهن، كما تسعى الأصوليات الدينية الى وضعها موضع التنفيذ اليوم وفرضها على مجتمعاتها.
يضمّ الكتاب أربعة فصول، يتناول الأول "المشترك بين الأصوليات الدينية وغير الدينية"، فيشير إلى بعض المفاهيم الفكرية التي تشترك فيها هذه الأصوليات وتتقاطع مع بعضها في التعبير عنها. قد لا تكون هذه القضايا شاملة لما ترمز إليه الأصوليات، بالنظر إلى الخصوصيات التي تتمتع بها كل واحدة منها. ما جرى هو محاولة للجمع بين القواسم المتقاربة في ما بينها.
يتناول الفصل الثاني "أصوليات غير دينية" جرى استنساب اربع منها هي: الأصولية النازية - الفاشية، الأصولية الشيوعية، العلمانية الأصولية، والأصولية العلمية. توجد أصوليات غير دينية أوسع من الإختيار المحدد في هذا الكتاب، لكنّ ما هو وارد يؤشر إلى الدور الذي لعبته هذه الأصوليات في التاريخ البشري الحديث، حيث لا يزال أثر هذا الدور متواصلاً في شتى الميادين.
أمّا الفصل الثالث فيلقي الضوء على "الأصوليات الدينية"، وهي تحديدا مقتصرة على الأديان التوحيدية الثلاثة، أي اليهودية والمسيحية والإسلام. لا يعني هذا الإختيار إنكار كون سائر الأديان غير التوحيدية بعيدة في تعاليمها ومبادئها عن الأصولية، بل على العكس، تتساوى مع الأديان التوحيدية في هذا الجانب. فالبوذية والهندوسية والكونفوشية والزرادشتية، كلها تتقارب في نظرتها إلى الحياة والكون في مسألة أنّ كل ديانة منها تحمل وحدها الحقيقة المطلقة، وانها الفئة المصطفاة والمتميّزة عن غيرها من الأديان. أتى الإختيار موصولاً بواقع المجتمعات العربية التي تسود فيها الأديان التوحيدية فقط.
أعطي الفصل الرابع عنوان "وجهاً لوجه مع الفكر الأصولي"، وتضمّن قراءة في فكر عدد من المفكرين والفلاسفة الذين صبّت أطروحاتهم في مقارعة الفكر الأصولي منذ بداية التاريخ الإسلامي حتى اليوم. جاءالإختيار مقتصراً على المجتمع العربي - الاسلامي، من دون نسيان أنّ المسيحية واليهودية شهدتا في صفوفهما مكافحين ضد الأصولية ودعاة إصلاح ديني. قد يكون التركيز على المفكرين العرب والمسلمين متصلاً بالدور السلبي الذي تلعبه الأصولية الإسلامية اليوم في هذه المجتمعات، ولكونها قضية حياتية ومصيرية في مجتمعاتنا. جرى اختيار مفكرين انتسبوا إلى مختلف العصور، لا يعني الإختيار عدم وجود آخرين كان لهم دور في التصدي للمقولات الأصولية، بل على العكس يزخر التاريخ العربي والإسلامي بمناضلين في هذا الميدان دفع كثير منهم حياته ثمناً لآرائه وتصدّيه للفكر الأصولي. من الزمن الإسلامي الأول، جرى اختيار المعتزلة كفرقة كانت لها قراءة خاصة للنص الديني، كما جرى اختيار كل من ابن خلدون وابن باجه وابن رشد بالنظر إلى ما تميزوا به في تقديم فلسفة تتناقض مع الفكر الأصولي في الطرح والإستنتاج. وفي عصر النهضة العربية - الإسلامية خلال النصف الأول من القرن العشرين، جرى اختيار كل من الشيخ علي عبد الرازق وطه حسين ومعروف الرصافي ومحمد أحمد خلف الله. أمّا من المحدثين فقد جرى اختيار ثلاثة هم نصر حامد أبو زيد، محمد أركون وعبد المجيد الشرفي.
إنّ الغوص إلى قلب الأصوليات بفكرها وممارستها وتطلّعاتها المستقبلية موضوع شائك ومعقد وواسع جداً.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.