حدث غير مسبوق في تاريخ الهجرة بالبحر الأبيض المتوسط، في ليلة واحدة نجح ستة آلاف مهاجر غير نظامي في الوصول إلى سبتةالمحتلة، في سياق تجاذبات سياسية بين مدريد والرباط بسبب استقبال الحكومة الإسبانية لزعيم الانفصاليين إبراهيم غالي تحت هوية مزورة كشفتها المخابرات المغربية، والتي قدمت حتى أسماء أربعة جنرالات جزائريين كانوا وراء عملية استقدام "محمد بن بطوش" إلى مستشفى إسباني، ما اعتبرته الخارجية المغربية طعنة في الظهر.
فما هي الأسباب العميقة لهذا النزوح الجماعي للمغاربة نحو إسبانيا عبر جيب المدينةالمحتلة؟ وإذا كان الأمر يعتبر قرصة أذن من المغرب الرافض للعب دور دركي لإسبانيا، والمطالب بالارتقاء إلى شراكة ندية بين بوابتي القارتين الإفريقية والأوربية، فإنه عكس مظاهر أزمة عميقة في المجتمع المغربي تطرح السؤال المشروع: ما حقيقة ما يجري في تدبير الشأن العام بشمال المملكة والذي سبق أن فجر أحداثا اجتماعية خطيرة، ليس آخرها حراك الريف؟
قرصة الأذن .. ليلة النزوح
لا يمكن التغاضي عن رسالة المغرب من الهجرة الجماعية التي تمت انطلاقا من مدينة الفنيدق اتجاه سبتةالمحتلة، فقد تم استغلال عطلة العيد، حين ينخفض عدد رجال أمن الحدود، وهو ما دفع المئات إلى الزحف على مدينة الفنيدق مستغلين تخفيف الحراسة من الجهة المغربية وهدوء أحوال البحر الذي كان في حالة جزر، وهو ما سمح للمئات منهم بعبور البحر مشيا على الأقدام حتى سبتةالمحتلة، وهكذا تمكن ستة آلاف مهاجر غير نظامي من الوصول إلى «إسبانيا». وفي الوقت ذاته، شهدت مليلية المحتلة عملية اقتحام قام بها 300 من المهاجرين المنحدرين من جنوب الصحراء فجر الثلاثاء السابق لليلة العيد، حيث نجح العديد منهم في العبور إلى المدينة.
لكن السؤال المطروح هنا هو: إذا خفف المغرب من عدد حراس الحدود قصدا لتوجيه رسالة إلى إسبانيا، فأين كان الحرس المدني الإسباني على الطرف الآخر؟ وهل عبء إيقاف جحافل المهاجرين يقع فقط على المغرب أم هو عمل مشترك يقع على الحدود بين البلدين وتلزمه يقظة مشتركة بين المغرب وإسبانيا؟
الطرف الإسباني حاول أن يعوم القضية بربطها بضغط المغرب على الحكومة الإسبانية لتغيير موقفها من قضية الصحراء أو باستخدام ورقة الاتحاد الأوربي لترهيب المملكة، لكن قرصة الأذن التي قام بها المغرب نجحت في كل الأحوال في ظرف قياسي، وكانت لها انعكاسات جد سلبية على مدريد، فقد ألغى رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانتيش زيارة كانت مرتقبة إلى باريس لكي يتفرغ لمشكل النزوح الجماعي لهجمة مهاجرين، عشرون بالمائة منهم قاصرون، واستدعى نشر وحدات من الجيش في الحدود مع الأراضي المغربية وداخل المدينةالمحتلة، وهو ما يعني كلفة مرتفعة تصل إلى الملايين.
وبعد ترويج أشرطة فيديو وتدوينات لعدد من النشطاء والإعلاميين تبرز مغاربة يتوجهون إلى سبتة، وصور مهاجرين منحدرين من دول الساحل جنوب الصحراء وهم يتوجهون إلى الجنوب الإسباني بحرا عبر سبتة أو مليلية، وسوء المعاملة الذي لقوه من طرف الحرس المدني الإسباني الذي عنف قاصرين وألقى بمتسللين آخرين في البحر، انتقد نشطاء أوربيون ومنظمات دولية مهتمة بالهجرة السرية، سوء المعاملة غير الإنسانية التي ووجه بها العديد من المهاجرين، بينما خرج إسبان للتظاهر أمام السفارة المغربية بمدريد، وحاول بعضهم إحراق العلم المغربي.
وكل هذا قد يشعر البعض في داخل المملكة بالندية والقوة الوطنية ويقدم خدمة لتماسك سلطة الدولة في جنوب المتوسط بعد أن عبرت كل المكونات السياسية والاجتماعية عن غضبها من السلوك الإسباني باستضافة زعيم الانفصاليين إبراهيم غالي، حتى أن مسؤولا مغربيا من وزن مصطفى الرميد أكد أن من حق المغرب أن يمد رجليه في الشمال.
صدمة ليلة الهروب الجماعي
«صوت الحسن ينادي بلسانك يا سبتة، فرحي يا أرض بلادي غنضربوها بسلتة»، هكذا عبر الفايسبوكيون المغاربة عن ليلة النزوح الجماعي للمهاجرين غير النظاميين إلى إسبانيا، إنها مسيرة أخرى في اتجاه الشمال. وفي ظرف يوم واحد، وصل ستة آلاف مهاجر على الأقل إلى جيب سبتةالمحتلة قادمين من الفنيدق المجاور للمدينة الواقعة على الساحل المتوسطي. عدد قياسي وغير مسبوق بالنسبة لعدد المهاجرين القادمين دفعة واحدة، بينهم مئات من القاصرين والنساء وأفراد من عائلة واحدة أحيانا، وصلوا إلى سبتة عن طريق البحر، إما سباحة أو مشيا على الأقدام في فترة الجزر، متجاوزين الحواجز الحدودية والأسلاك الشائكة.
بدأت عملية الزحف الكبير فجر يوم الاثنين السابق لعيد الفطر عندما بدأ العشرات أولا، ثم المئات، يدخلون إلى سبتة من نقطتي الحدود مع المغرب، من الواجهة المتوسطية المحاذية لمدينة الفنيدق ثم من بلدة بليونش المطلة على مضيق جبل طارق. هذه الموجة البشرية التي لا سابق لها في تاريخ الهجرة بين المغرب وإسبانيا، بل وفي عموم البحر الأبيض المتوسط حسب المراقبين، تطرح أسئلة عميقة حول نجاعة السياسات العمومية في المجال الاجتماعي والاقتصادي للمملكة للحد من هذه الظاهرة المقلقة التي جعلت مدينة بكاملها تحاول «الحريك» إلى الضفة الأخرى.
المقاربة الأمنية ناجعة لكنها لا تكفي
الجغرافيا قدر. وبقدر ما تشكل عامل انفتاح حضاري وتمنح البلد موقعا استراتيجيا يوفر قوة للبلد، بقدر ما تطرح أعباء وكلفة كبرى عليه ، فقد قُدر للمغرب أن يكون بلد عبور قاري يستقطب مهاجرين من دول مختلفة من إفريقيا جنوب الساحل خاصة، ليصبح بلد استقرار للعديدين منهم، لكن أحداث الفنيدق الأخيرة عكست وجود أزمة عميقة في الداخل، وأبرزت أن المقاربة الأمنية للمغرب في مجال محاربة الهجرة ولعب دور دركي لأوروبا، وإن كانت فعالة ونجحت إلى حد بعيد في وقف تدفق الهجرة السرية نحو الضفة الشمالية من البحر المتوسط، لكنها وحدها لا تكفي.
لقد استفقنا على صور مأساوية لحجم الخصاص في المغرب خاصة في مناطق الشمال، وهو ما يسائل السياسات العمومية ويضعها في الميزان، صور ذكرتنا بمآسي قوارب الموت لشبان كانوا «يحركون» بوسائل بسيطة أحيانا ويلقون بأنفسهم بين براثن الموت، يحذوهم أمل في حياة أفضل على الضفة الأخرى من المتوسط.
كيف استفقنا فجأة على حجم الخصاص المهول رغم الإنذارات المبكرة التي عرفتها المنطقة مع أزمة كوفيد 19 والتي شلت المدن المتاخمة للحدود التي كانت تتنفس من خلال التهريب المعيشي والسياحة الداخلية، وهو ما زاد من حدة الأزمة الاجتماعية التي تتطلب رؤية استراتيجية وسياسة مندمجة بالمنطقة ذات الخصوصية التاريخية؟ لم تكن إنذارات حراك الريف ولا احتجاجات ساكنة الفنيدق كافية لتحرك صانعي السياسات العمومية لوضع خطط بديلة بعد تمديد إغلاق الحدود مع معبري سبتة ومليلية المحتلتين، خاصة وأن التهريب المعيشي لم يعد يهم المدن المتاخمة للحدود بل استفادت منه أسر عديدة من مختلف المدن المغربية.
الحدود المتوسطية الملتهبة
منذ 2019 أعلن المغرب عن إغلاق الحدود مع سبتة ومليلية، وهو ما أدى إلى تدهور مستوى معيشة السكان في المناطق المجاورة للمدينتين المحتلتين، خاصة سكان الفنيدق والمضيق وتطوانوالحسيمة والناظور. كانت الانعكاسات خطيرة على المستوى الاجتماعي في منطقة لا هي فلاحية ولا هي صناعية كما صرح الدكتور هشام معروف ل»الأيام»، بل مسّت الأزمة كل الذين يمارسون التهريب المعيشي في مناطق مختلفة من المغرب.
وكان تقرير برلماني أكد أن «مافيات التهريب» تستغل حاجة النساء إلى مورد رزق، وأنهن يتعرضن لسوء معاملة وتحرش وسرقة وأمراض، مقدرا عددهن بنحو 3500 امرأة من مختلف الأعمار بالإضافة إلى نحو 200 قاصر. وذكرت مصادر مدنية محلية أن ما بين 300 و500 ألف كانوا يعيلون أسرهم من التهريب المعيشي، لم يعد لهم مصدر دخل لقوتهم اليومي في غياب إجراءات بديلة للإنقاذ، وهو ما جعل الوضع على وشك أن يؤدي إلى انفجار اجتماعي، والدولة نفسها أحست أن معالم الأزمة الاجتماعية والاقتصادية التي تعيشها مدن الشمال المتاخمة للحدود تزداد حدة في غياب البديل الاستراتيجي، حيث أن وزير الداخلية عبد الواحد لفتيت أعلن أنه سيتم تعويض الأسر المتضررة في المناطق المعنية، في انتظار إنعاش الاقتصاد بهذه المناطق، والذي يتطلب استراتيجية ذات بعد وطني، من خلال تأهيل المنطقة وتمكينها من المشاريع المنظمة التي تساهم في توفير فرص عمل بديلة عن التهريب.
ففي فبراير الماضي، خرج المئات من المحتجين في مدينة الفنيدق في مسيرة حاشدة رُفعت فيها شعارات نددت بالأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تمر بها المنطقة، جراء استمرار إغلاق معبر مدينة سبتة، وعدم إيجاد بدائل اقتصادية للسكان، ودعا المحتجون الحكومة إلى إنقاذ المدينة من أزمتها الاقتصادية، وكادت الأمور تتطور لتحيي جراح ما حدث في حراك الريف بالحسيمة بعد إغلاق منافذ تهريب المخدرات.
مشروع بطيء لأزمة متسارعة
بعد أن جرى الإقفال الفعلي للحدود التجارية مع مدينة سبتة وإنهاء التهريب المعيشي عمليا منذ ما يقارب السنتين، أعلنت الحكومة عن إطلاق مشروع المنطقة الاقتصادية لمدينة الفنيدق، الذي خُصص له غلاف مالي بقيمة 200 مليون درهم وحدد له تاريخ 2020 لشروع الفضاء في استقبال الأنشطة التجارية لفائدة أبناء المنطقة. المشروع نشر في منتصف السنة الماضية بالجريدة الرسمية من خلال المرسوم رقم 2.20.425 الصادر عن رئيس الحكومة بتاريخ 24 يونيو 2020، والذي يعطي الإذن للوكالة الخاصة طنجة المتوسط بإحداث شركة مساهمة تابعة لها تكون معنية بمنطقة الأنشطة الاقتصادية بمدينة الفنيدق برأسمال يبلغ مليون درهم.
يمتد تمويل المشروع بين 2020 و2022 عن طريق المساهمات المالية لعدة مؤسسات، بينها مساهمة مجلس جهة طنجةتطوانالحسيمة بمبلغ 80 مليون درهم ووزارة الداخلية ب 70 مليون درهم ووزارة الصناعة والتجارة والاقتصاد الأخضر والرقمي ب 40 مليون درهم، فيما تبلغ مساهمة وكالة الإنعاش والتنمية الاقتصادية والاجتماعية في عمالات وأقاليم الشمال 10 ملايين درهم.
وهكذا تم اختيار وعاء عقاري مقابل المعبر الحدودي لباب سبتة، وكان من المقرر إنجاز الشطر الأول بقيمة 66 مليون درهم على مساحة 10 هكتارات، لكن المشروع الذي اعتبره ناشطون مدنيون محليون واعدا، واجهته مشاكل في طلبات العروض التي فتحتها وكالة إنعاش وتنمية أقاليم الشمال.
ففي دجنبر الماضي، أعلنت الوكالة المكلفة إلغاء الصفقة الأولى بسبب «نتائج الدراسة التكميلية التي قامت بها عقب العراقيل التي عرفها الورش الأول، حتى تتمكن من إنجاز المشروع في أحسن الظروف»، معلنة عن طرح طلب عروض جديد جرى فتح الأظرفة الخاصة به يوم 22 يناير 2021، وهو ما كان يعني تأجيل تاريخ بداية جاهزية المشروع، في الوقت الذي كانت الأزمة الاجتماعية بالمدينة تزداد حدة. بالموازاة مع ذلك، سعت السلطات المحلية إلى سن تدابير استعجالية استشعارا لخطر تفاقم الأزمة الاجتماعية بالمنطقة، من خلال توفير مناصب عمل مستعجلة دعما للفئات الهشة. فحتى حدود مارس الماضي تم إدماج أزيد من 200 امرأة لا تتوفرن على مؤهل علمي في الإنعاش الوطني، وإدماج أكثر من 600 منصب شغل لفائدة ممتهني التهريب المعيشي بالمناطق الصناعية التابعة لجهة طنجةتطوانالحسيمة، كانت وزارة الداخلية قد قامت في وقت سابق بتسجيلهم لإيجاد بديل عن التهريب والوضعية الاجتماعية الصعبة واللاإنسانية التي أصبح يعاني منها العاملون في التهريب بالمعبر الحدودي منذ نهاية 2019.
فهل يكون ما حدث من هجرة جماعية لشباب مدينة الفنيدق محفزا أكبر خارج أي استعمال سياسي – لقضية تضرب في العمق الاجتماعي؟ لا أحد ينكر ما حدث في مدن شمال المملكة منذ بداية الألفية، لكن أمام صناع السياسات العمومية مهمات كبيرة لاستدراك حجم الخصاص الاجتماعي والفقر الضارب في عمق التربة الاجتماعية لساكنة خنقها إغلاق المعبر الحدودي، وعمقت أزمة كورونا وضع هشاشتها.