إن الدعوة الملكية، لتحيين مدونة الأسرة هي أبرز نقطة عرفها المجال الحقوقي سنة 2022. فهي تشكل لحظة تقويمية للمدونة المعمول بها على امتداد 17 سنة، وتدعو إلى تجاوز الاختلالات والسلبيات التي أبانت عنها ، ومراجعة بعض البنود ، التي تم الانحراف بها عن أهدافها ، إذا اقتضى الحال. وعلى هذا الأساس تم فتح نقاش مهم يضم جميع الفعاليات الحقوقية والعلمية والفقهية للإحاطة بمختلف النقاط التي ينبغي تقويمها . وفي هذا الصدد اعتبرت سميرة موحيا رئيسة فدرالية رابطة حقوق النساء في تصريح ل"رسالة24″ أن جلالة الملك اعتبر أن تقدّم المغرب رهين بالرقي بمكانة المرأة و تمكينها من المشاركة الفاعلة في مختلف مجالات التنمية، و كذا تفعيل المؤسسات الدستورية المتعلقة بالأسرة والنساء، من خلال تحيين الآليات التشريعية الوطنية للنهوض بوضعيتها، في أفق القدرة على رفع التّحدّيات الدّاخليّة منها و الخارجيّة. وأكدت المتحدثة الحقوقية أن رؤى الحركة الحقوقية تذهب في نفس سياق الرؤية الملكية الحكيمة و تستنير بها، و تؤكد أن الجمعيات الحقوقيّة ماضية في طريقها و مهمتها التّي تراقب من خلالها تنزيل مقتضيات المدونة، و التّي أفرزت مجموعة من الاختلالات المرتبطة بالتنفيذ و التّي تحيد عن فلسفة المدونة و روحها… و هو ما ولّد إجحافا وظلما اتجاه المرأة. وطالبت موحيا بتغيير جذري لمقتضيات مدونة الأسرة، وقدمت في هذا الخصوص نظرة شاملة عن مختلف النصوص أو المقتضيات التي يجب إعادة النظر فيها وهي كل النصوص التي تأتي فيها المرأة في المرتبة الثانية بعد الرجل، بداية وجب على الزوجين معا أن يتقلدان مسؤولية الرعاية المشتركة للأسرة سواء أثناء إقامة ميثاق الزوجية أو بعد انحلاله، فالولاية القانونية للأطفال مثلا تسند للرجل، موضحة أن الأم ليس لها الحق في التصرف في العديد من الأمور القانونية والإدارية بالرغم من تمتعها بحق حضانة أبنائها، إضافة إلى إلغاء التعدد، زواج القاصرات، المساواة في النفقة باعتبار أن الزوجة العاملة تنفق، وربة البيت كذلك تنفق بعملها داخل البيت وبرعاية أبناءها والسهر على تلبية متطلبات الأسرة ككل، ناهيك عن اقتسام الممتلكات والأموال التي تم تحصيلها أثناء الزواج. كما أثارت مسألة المساواة بين الأطفال فيما يتعلق بالحق في التمتع بالنسب خاصة أن الفصل 32 من الدستور لم يميّز بين طفل ازداد في فراش الزوجية أو لا، و لابد من اعتماد الخبرة الجينية التي تثبت البنوة، ولم تغفل المتحدثة الحقوقية الحديث عن مسألة الإرث بحيث دعت إلى فتح نقاش حول الإرث والاعتماد في ذلك على الاجتهاد المتنور، فالعديد من العلماء والفقهاء والمثقفين المغاربة قدموا توصيات لفتح نقاش حول الإرث…. وأكدت موحيا، أنه أثناء تحيين المدونة لا بد من الحرص على صياغة المقتضيات الجديدة بصيغة واضحة تقطع مع أبواب التأويل التي تتماشى مع إيديولوجية معينة ، صيغة مبنية على قاعدة المساواة والمرجعية الكونية لحقوق الإنسان. وفي نفس السياق صرحت ليلى أميلي رئيسة جمعية أيادي حرة ل" رسالة 24′′، أن إعادة النظر في مدونة الأسرة أصبح مطلبا ملحا و ضروريا، نظرا للتحولات والتطورات التي عرفها المغرب خلال 18 سنة من عمر تطبيق مدونة الأسرة، و لعل أبرز هذه التحولات هو دستور 2011 المتميز، و الذي يؤكد على مجموعة من النقط كالمساواة وعدم التمييز اتجاه أي شخص بسبب الجنس اللون أو العقيدة ...و هو ما يحضر في الفصل 19 الذي يتحدث عن المساواة و ينادي بخلق هيئة للمناصفة التي كنا ننتظر أن ترى النور، و تخرج إلى حيز الوجود، هذه الهيئة التي كان من شأنها السهر على احترام مقاييس المساواة على الصعيد الوطني و الحرص على تكافؤ الفرص مابين الذكور والإناث. و لا ننسى انفتاح المغرب على الاتفاقيات الدولية، و كذا تبنيه قوانين حقوقية تذهب في هذا السياق من قبيل قانون الجنسية سنة 2007 وقانون العنف103.13. وأكدت أميلي أن مدونة الأسرة أصبحت متقادمة غير مواكبة للعصر ولا للاتفاقيات الدولية وبالتالي فمطلبنا الأساسي أن يكون هناك تغيير في مدونة الأسرة، و هو التغيير الذي نتوقع أن يتجاوز الطابع الجزئي الذي وسم السابق ليحقق الشمولية، إذ من غير المعقول مثلا عدم تجريم الزواج المبكر، و المرونة في تزويج طفلات فاقدات للأهلية و الدستور لا يمنحها حق التصويت في الانتخابات حتى تبلغ سن الرشد المحدد في 18 سنة. وترى أميلي أن مدونة 2004 حاولت أن تكون متقدمة عندما منع السماح بتزويج القاصر إلا في حالات استثنائية، لكن هذا الاستثناء أصبح على المستوى الفعلي قاعدة، و هذه القاعدة أفرزت حيفا اتجاه طفلات حرمن من ولوج المدرسة. و لعل أقوى دليل على هذا الوضع المزري التي تعيشه القاصرات خاصة في العالم القروي، هو الشواهد الميدانية المستقاة من المناطق النائية في أعالي الجبال، و التي تؤكد على وجود تلميذات في القسم السادس مجتهدات، و تتحصلن على نقط تقييمية جد ممتازة، و يقرر أهاليهن تزوجيهن بدعوى الفقر والهشاشة، و هو السلوك الذي يعبر، في الحقيقة، على مظهر من سيادة العقلية الذكورية والتقاليد والعادات القديمة التي لا يسمح لها بالتحيين. وأمام استفحال هذه الظاهرة، تؤكد المتحدثة الحقوقية، أنه وجب إيجاد آليات من شأنها أن تحد من هذه الظاهرة، مبرزة أن السجل الاجتماعي المزمع اعتماده قريبا لتحديد الفئة المستهدفة من الدعم المباشر سيمكن من تحديد الوضعية الاجتماعية للمواطن المغربي. ولم تغفل أميلي التطرق إلى موضوع الولاية المطروح بشدة في الساحة الحقوقية، وذلك بتمتيع الأم بالولاية على أبنائها في حالة غياب الأب أو الطلاق، فالابن مثلا يمكن أن يحرم من التمدرس إذا لم يمنح الأب الإذن للأم. إضافة إلى موضوع الحضانة التي يتم فيه حرمان الأم من أبنائها في حالة قررت الزواج بعد حدوث الطلاق عند بلوغ الطفل سبع سنوات، و لا تستمر في حضانته إلا إذا كان من ذوي الاحتياجات الخاصة، زد على ذلك موضوع التعدد الذي يتخلله مجموعة من التحايلات... بالجملة، تؤكد أميلي على ضرورة القضاء على هذه الاستثناءات التي تفتح أبواب التحايل على القانون. ومن ضمن المطالب التي يجب أخذها بعين الاعتبار، هي مسألة اقتسام الممتلكات بين الزوجين وذلك من خلال توقيع وثيقة إدارية ترفق بوثائق الزواج يُقر من خلالها الزوجان برغبتهما باقتسام ممتلكاتهما. وأردفت المتحدثة الحقوقية إلى النسبة الضئيلة التي تمثلها المرأة المغربية في مراكز القرار في الوقت الذي يعتبر فيه المغرب من أول البلدان العربية التي طالبت بتطبيق الكوطة. وعبرت أميلي، في الأخير، عن رغبتها في أن يكون هذا النقاش التجديدي، نقاشا حقيقيا يطال جميع الاختلالات، و خال من أي استثناءات، مواكبا للاتفاقيات الدولية ومستجدات العصر، في ظل تميز المرأة المغربية و المكانة التي ما فتئت تتبوأها في شتى المجالات، وتحصيلها للحقوق الإنسانية التي تنصفها و تحفظ لها كرامتها، في مساواة مع الرجل، فلا يعقل أننا نعيش القرن 21 ومازلت المرأة المغربية تناضل من أجل حقوق طبيعية.